مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - لماذا تعد التربية الإعلامية والمعلوماتية ضرورية في عصر المعلومات المضللة؟

لماذا تعد التربية الإعلامية والمعلوماتية ضرورية في عصر المعلومات المضللة؟

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 26 أغسطس 2025

Sasha Havlicek, Daniel Dobrygowski

إن القدرة على التعامل النقدي مع المعلومات أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. فمن الأكاذيب الفيروسية والتزييف العميق “deepfakes” إلى المحتوى العاطفي المتلاعب به المصمم للتضليل أو إثارة الانقسام، أصبحت البيئة المعلوماتية معقدة وغير شفافة بشكل متزايد.

في هذا السياق، برزت التربية الإعلامية والمعلوماتية كأولوية عالمية، لا تُعرف فقط كمجموعة مهارات فردية أساسية، بل أيضاً كركيزة جوهرية لحماية الخطاب الديمقراطي والتماسك الاجتماعي والثقة العامة.

تزود التربية الإعلامية والمعلوماتية الأفراد بالأدوات اللازمة للوصول إلى المعلومات وتحليلها وتقييمها وإنشائها بمسؤولية، مما يمكّنهم من التنقل في نظام بيئي رقمي يتشكل بفعل التنظيم الخوارزمي “algorithmic curation” والحوافز التجارية والتهديدات المتطورة. ومع ذلك، فإن أهميتها تتجاوز التمكين الشخصي.

مع تزايد تعقيد وانتشار حملات التضليل، تتضح الحاجة إلى نهج مجتمعي شامل، يدمج التربية الإعلامية والمعلوماتية في أنظمة التعليم، والتدريب في أماكن العمل، ورسائل الخدمة العامة، وتصميم المنصات الرقمية.

يقدم أحدث تقرير صادر عن التحالف العالمي للسلامة الرقمية التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، بعنوان “إعادة التفكير في التربية الإعلامية: نموذج نظام بيئي جديد لسلامة المعلومات”، نموذجًا شموليًا لتعزيز سلامة المعلومات. ويحدد التقرير نقاط دخول متعددة للتدخل ويساعد في تحديد الثغرات في الجهود الحالية.

التربية الإعلامية والمعلوماتية.. نطاق متزايد وإلحاح

لم تعد التربية الإعلامية والمعلوماتية مقتصرة على محو الأمية الإعلامية التقليدية. فهي تشمل الآن محو الأمية الرقمية، ومحو أمية حقوق الإنسان، ومحو أمية الأخبار، والإعلانات، والحاسوب، والخصوصية، والذكاء الاصطناعي. يهدف هذا النهج الواسع إلى تزويد الأفراد بالمهارات اللازمة للوصول إلى المعلومات وتحليلها وتقييمها وإنشائها عبر مختلف المنصات والتنسيقات.

مع قيام الذكاء الاصطناعي التوليدي والتقنيات الأخرى بطمس الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والخيال، أصبحت الحاجة إلى تربية إعلامية ومعلوماتية قوية أكبر من أي وقت مضى.

على الرغم من أهميتها المعترف بها، لا تزال جهود التربية الإعلامية والمعلوماتية مجزأة. تركز معظم المبادرات على الشباب والتعليم الرسمي، مما يترك فجوات كبيرة في تعلم الكبار والتعلم مدى الحياة. هناك أيضًا نقص في التنسيق والتقييم طويل الأجل والموارد، خاصة خارج قطاع التعليم.

نموذج رسم خرائط مرونة المعلومات

في صميم هذا النموذج الجديد يكمن دمج إطارين مفاهيميين متكاملين.. دورة حياة المعلومات المضللة والنموذج الاجتماعي-البيئي.

من خلال مواءمة هذه المنظورات، يساعد الإطار على رسم خرائط أفضل للمشهد الحالي للتربية الإعلامية والمعلوماتية، مع تسليط الضوء على الفجوات، وإبراز فرص المشاركة، وتمكين تأثير منسق وقابل للتطوير بمرور الوقت.

النموذج الاجتماعي-البيئي

يعتمد التقرير على النموذج الاجتماعي-البيئي، الذي يسلط الضوء على كيفية ترسيخ السلوكيات الفردية وتأثرها بالأنظمة الاجتماعية الأوسع. ويؤكد هذا النموذج على شبكة من العوامل المترابطة التي تعمل على مستويات متعددة من المجتمع.

• المستوى الفردي: في جوهر النموذج يوجد الأفراد وقدراتهم الشخصية. وتعتبر المهارات مثل التفكير النقدي، والوعي العاطفي، والتمييز الإعلامي، والتنقل الرقمي، محورية في كيفية تفسير الناس للمعلومات وتفاعلهم معها.

• المستوى الشخصي “البيني”: تلعب العائلات والأصدقاء والأقران والموجهون دورًا حاسمًا في تشكيل عادات التعامل مع المعلومات. وسواء كان ذلك من خلال إعادة توجيه الرسائل أو المحادثات العابرة، غالبًا ما تعمل هذه الشبكات الشخصية كخط دفاع أول لتضخيم المحتوى الخاطئ أو تصحيحه.

• مستوى المجتمع: تساعد المدارس والجماعات الدينية ووسائل الإعلام المحلية ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز أو مقاومة روايات التضليل. وتؤثر الأعراف المجتمعية، والثقة في المؤسسات المحلية، والوصول إلى وسائل الإعلام ذات الصلة محليًا، جميعها في ما إذا كان الأفراد يتعرضون لوجهات نظر متنوعة.

• المستوى المؤسسي: تحدد المؤسسات الكبرى، بما في ذلك الأنظمة التعليمية، وشركات الإعلام، والمنصات الرقمية، النبرة لأنواع المعلومات التي يتم إنتاجها أو الترويج لها أو قمعها. ويشكل تصميم المنصة، والحوافز الخوارزمية، والمعايير الصحفية، والموارد المخصصة لمحو الأمية الإعلامية، جميعها البيئة المعلوماتية التي يزدهر فيها التضليل.

• مستوى السياسات: تحدد اللوائح الوطنية ودون الوطنية والدولية الحدود القانونية والهيكلية للعمل. وتخلق هذه السياسات الظروف المواتية للاستجابات المنهجية للتضليل.

دورة حياة المعلومات المضللة

الجزء الآخر من النموذج هو دورة حياة المعلومات المضللة على المحور السيني. تتطلب كل مرحلة، من ما قبل الإنشاء إلى التوزيع وما بعد الاستهلاك، تدخلات مميزة ومنسقة لتقليل العرض والطلب على حد سواء.

• ما قبل الإنشاء: تتشكل هذه المرحلة من خلال المعايير الثقافية، والوعي العام، وتصورات المساءلة. تحدد هذه الظروف الأساسية ما إذا كانت المعلومات المضللة تجد أرضًا خصبة أو تفشل في الترسخ، بغض النظر عن السرد المحدد.

• الإنشاء: يركز على الأدوات والظروف التي تمكن من إنتاج المعلومات المضللة، لا سيما سهولة إنشاء محتوى عالي التأثير. ويتضخم هذا التحدي بسبب توفر الذكاء الاصطناعي التوليدي في السوق الشامل، مما يسرع من نطاق ودقة وإقناع السرديات الخاطئة.

• التوزيع: يدرس كيف تساهم المنصات في انتشار المعلومات المضللة وتطبيعها. ويسلط الضوء على العوامل الخوارزمية والهيكلية التي تشكل المحتوى الذي يتم عرضه أو تضخيمه أو تجاهله. وتعد زيادة الشفافية أمرًا بالغ الأهمية للمساءلة.

• الاستهلاك: يدرس كيف يتفاعل الأفراد مع المعلومات في حياتهم اليومية وكيف يمكن تنمية عادات أفضل. وتهدف التدخلات إلى تعزيز المشاركة النقدية، وتقليل القابلية للتلاعب، وتمكين المستخدمين من تحدي المعلومات المضللة.

• ما بعد الاستهلاك: يتناول الآثار طويلة المدى للمعلومات المضللة على الأفراد والمجتمع. ولأن مروجي المعلومات المضللة يتكيفون بسرعة، يجب أن تشمل الاستجابات استراتيجيات المرونة: التخطيط للأضرار المستمرة، ودعم المتضررين، وتعزيز الأنظمة للاستجابة للتهديدات المتطورة حتى بعد انتشار المحتوى الخاطئ.

نحو استجابة منسقة

بينما يتم الاعتراف بشكل متزايد بأهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية، فإن الجهود الحالية ليست متكيفة تمامًا مع حقائق العصر الرقمي.

يقدم نموذج رسم خرائط مرونة المعلومات إطارًا شموليًا لفهم ومعالجة المعلومات المضللة، ويسلط الضوء على الحاجة إلى تدخلات منسقة ومتعددة المستويات تمتد إلى ما هو أبعد من التعليم الفردي لتشمل الإجراءات المجتمعية والمؤسسية والسياساتية.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات
المصدر: World Economic Forum

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر