مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - كيف يمكن لأوروبا إطلاق عقد من النمو؟

كيف يمكن لأوروبا إطلاق عقد من النمو؟

التاريخ والوقت : الأحد, 26 أبريل 2026

Philip Meissner, Mark Andrijanič

إنها إحصائية تسترعي الانتباه؛ فمنذ عام 2022، تم استحداث نحو 325,000 وظيفة جديدة في ألمانيا فقط للتعامل مع البيروقراطية المتزايدة.

ولا يكاد يوجد قطاع في أوروبا لا يطالب بتقليص كبير في التشريعات الجديدة والروتين الحالي، لكي تتمكن الشركات من التركيز على النمو بدلاً من الانشغال بالامتثال للقواعد. وتزداد هذه المطالب حدة في وقت تصارع فيه القارة تباطؤ النمو، والاحتكاكات التجارية، والمنافسة الصناعية المحتدمة من جانب الصين.

وعلى مدى العقود الماضية، أدت متاهة من قواعد الاتحاد الأوروبي والقواعد الوطنية والمحلية إلى الحد بشكل كبير من قدرة أوروبا على تنمية شركات رائدة عالمياً “Global Champions” أو تنفيذ مشاريع البنية التحتية في الوقت المحدد وضمن الميزانية المرصودة. لكن الأمر لم يكن دائماً على هذا النحو؛ فعلى سبيل المثال، تمكنت فرنسا من بناء 34 مفاعلاً نووياً في ما يزيد قليلاً عن عقد من الزمان خلال السبعينيات والثمانينيات، وذلك كجزء من “خطة ميسمر” الشهيرة.

أما اليوم، فإن المشهد مختلف تماماً؛ فقد ارتفعت تكلفة بناء ميجاواط واحد من الطاقة النووية في فرنسا بنسبة 245% منذ عام 1978، بعد تعديلها وفقاً للتضخم، كما استغرق بناء مفاعل “فلامانفيل-3” نحو 17 عاماً لاكتماله. وفي المقابل، انخفضت تكاليف بناء المفاعلات النووية في الصين بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين.

ولا تقتصر قدرة الصين على الإنجاز بالحجم والسرعة المطلوبين على الطاقة النووية فحسب؛ ففي عام 2024، قامت الصين بتركيب 329 جيجاواط من الطاقة الشمسية، وهو ما يعادل قدرة 329 مفاعلاً نووياً، وتخطط لإضافة 2 تيرابايت أخرى بحلول عام 2030.

نحو نهج مرن يركز على النتائج

على مدى العقود الماضية، استرشدت عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي بمبدأين أساسيين.. التنظيم الاستباقي والشامل للصناعات الجديدة، وحشد استثمارات عامة ضخمة في قطاعات ومبادرات محددة. ولكن لم ينجح أي منهما في خلق شركة رائدة عالمياً.

ولمحاربة الركود بنجاح وتحقيق عقد من النمو لمواطنيها، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إطار عمل مختلف جذرياً لتوجيه تحركاته؛ إطار يسرع كلاً من عملية صنع القرار وتنفيذ السياسات، ويسترشد بقوى السوق بدلاً من نهج “الأمر والسيطرة” الذي يُطبق غالباً وبشكل مفرط على مستوى الاتحاد الأوروبي والمستوى الوطني.

وبشكل خاص، ينبغي أن تسترشد سياسات الاتحاد الأوروبي المستقبلية بالمبادئ الثلاثة التالية:

الحد من التعقيد

يجب على الاتحاد الأوروبي إعطاء الأولوية لتقليل الأعباء التنظيمية والبيروقراطية التي تخنق المواطنين والشركات والمشاريع الاستراتيجية. وينبغي أن يكون التنظيم “عند الطلب” وليس “مفروضاً بشكل دائم”، بحيث لا يتدخل صناع السياسات بالتنظيم إلا في الحالات التي يوجد فيها فشل واضح في السوق يهدد المستهلكين أو يقوض المنافسة العادلة.

ويمثل هذا تحولاً جذرياً عن التوجه الحالي نحو نهج تنظيمي هجومي وشديد التقييد، والذي بات يتسبب في إخفاقات السوق بدلاً من معالجتها. ووفقاً لتقرير “حالة التكنولوجيا الأوروبية” لعام 2025، فإن نسبة مؤسسي الشركات التقنية الذين يجدون البيئة السياسية داعمة تبلغ 18% فقط، وهي نسبة أقل مما كانت عليه في عام 2024. وفي التقنيات الحيوية والصناعات الكبرى التي تفقد فيها أوروبا مكانتها، يجب ألا يتجاوز العبء التنظيمي بشكل ملموس المعايير المتبعة في الولايات المتحدة والصين، وهي فجوة قائمة حالياً في جميع التقنيات الرئيسية، من الذكاء الاصطناعي والاندماج النووي إلى البطاريات.

سرعة التنفيذ كخيار أساسي

لقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن سرعة التنفيذ هي مسألة اختيار وليست قدراً محتوماً. وتُظهر الحالة الأخيرة لشركة “راينميتال” الألمانية، التي نجحت في افتتاح مصنع جديد في أوروبا خلال 14 شهراً فقط، وهي عملية تستغرق عادةً ما يصل إلى أربع سنوات، أنه يمكن التغلب على البيروقراطية عندما يتوفر الشعور بضرورة الاستعجال وتوجد الإرادة السياسية.

تحتاج أوروبا إلى تحديث جذري؛ إذ يتعين علينا توسيع إنتاجنا من الطاقة، وتحديث بنيتنا التحتية المادية والرقمية، وإعادة بناء قاعدتنا الدفاعية والصناعية بسرعة. وينبغي أن يكون المعيار المرجعي لهذا التحول هو اقتراح المفوضية الأوروبية بتقليص عملية منح التصاريح للمشاريع الدفاعية إلى 60 يوماً فقط، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع التأخيرات التي تمتد لعدة سنوات وتعتبر حالياً هي السائدة في جميع أنحاء القارة.

ولا تقتصر هذه الاختناقات على البنية التحتية المادية فحسب، بل إنها تعيق مجال التكنولوجيا والابتكار أيضاً. ففي الوقت الحالي، يستغرق منح تمويل من برنامج “Horizon Europe” ما متوسطه 273 يوماً؛ وهي مدة تُعد بمثابة دهر كامل في عالم الذكاء الاصطناعي سريع التطور. لذا، يجب علينا إلغاء هذه “الضريبة البيروقراطية” المفروضة على العلم، إذ ينبغي أن نكون قادرين على إنجاز ذلك في غضون شهر واحد. علاوة على ذلك، فإن خفض متطلبات التقارير الإدارية، التي تستهلك حالياً ثلث وقت الباحثين، بنسبة 70% من شأنه أن يعزز القدرة البحثية لأوروبا بشكل فوري ودون إنفاق يورو إضافي واحد.

يجب أن نجعل السرعة مبدأً حاكماً أساسياً، بدلاً من انتظار وقوع أزمة أخرى تضطرنا إلى تفعيل أنظمة طارئة لمنح التصاريح.

الانتقال من المنح والإعانات إلى العقود

تفضل الشركات، لا سيما في قطاع التكنولوجيا، الحصول على الإيرادات بدلاً من المنح. إن تبني نهج أكثر اعتماداً على السوق بالنسبة للاتحاد الأوروبي يعني دعم شركات التكنولوجيا الناشئة بصفتها “زبوناً”، بدلاً من الاكتفاء بدور المشغل لمخططات دعم معقدة.

إن اتفاقيات الشراء للحلول المستقبلية، مثل “التزامات السوق المسبقة”، تساعد في خلق أسواق حقيقية وتعزز شركات التكنولوجيا، خاصة تلك العاملة في مجال التكنولوجيا العميقة “Deep-tech” التي تتطلب دورات بحث وتطوير طويلة. وتوفر هذه الاتفاقيات تدفقات إيرادات يمكن التنبؤ بها، مما يساعد في جذب رأس المال الاستثماري ورأس مال النمو.

وكجزء من هذا التحول، ينبغي للحكومات الأوروبية أيضاً إعطاء الأولوية للحلول الأوروبية السيادية وللشركات الصغيرة والمتوسطة في عمليات المشتريات الخاصة بها. فاليوم، تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة 99% من إجمالي الشركات، لكنها لا تحصل إلا على 30% فقط من القيمة الإجمالية للمشتريات الحكومية.

دعوة عاجلة لتحقيق النتائج

لم يعد بإمكان صناع السياسات تجاهل الدعوة العاجلة لتحقيق النتائج. وتثبت الأمثلة في الداخل والخارج أنه يمكن إنجاز أمور عظيمة بسرعة: فقد قامت بولندا ببناء 4000 كيلومتر من الطرق السريعة الجديدة منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004؛ ورقمنت أوكرانيا حكومتها بالكامل في وقت قياسي؛ كما بُني مصنع شركة “Tesla” في الصين في غضون 168 يوماً فقط. وفي هذا السباق العالمي، فإن الاستهانة بالآخرين ستكون على مسؤوليتنا الخاصة.

هناك طاقة هائلة في القارة تتطلع لبناء المستقبل. واليوم، تنافس أوروبا الولايات المتحدة في تأسيس الشركات الناشئة، حيث يتم إطلاق آلاف المشاريع الجديدة عالية النمو كل عام. ومع ذلك، فإن هذه الإمكانات لن تتحول إلى شركات رائدة عالمياً وخلق ثروة مستدامة إلا إذا أعاد الاتحاد الأوروبي اكتشاف جذوره القائمة على آليات السوق، وقلل من التعقيد، وتبنى السرعة كمبدأ تشغيلي أساسي. إن القيام بذلك من شأنه أن يحقق نتائج واضحة وملموسة ويطلق العنان لعقد من النمو الأوروبي.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات
المصدر: World Economic Forum

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر