مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - كورونا تُعيد صياغة الوظائف

كورونا تُعيد صياغة الوظائف

التاريخ والوقت : الأحد, 29 نوفمبر 2020

حسن فتحي

 

مثلما اختفت عشرات، بل مئات المهن التي عايشناها في الماضي البعيد والقريب؛ وكانت جزءا مهما من حياة الناس، هناك أيضا مهن ووظائف كثيرة رفيعة مرشحة لأن تدخل قاموس الذكريات في السنوات المقبلة، وستحل محلها وظائف أخرى بفعل الطفرة التكنولوجية .

هل كان أحدنا، مثلا، يتوقع يوما أن الصحافة الورقية الي أخذت في الانتشار بعد اختراع جوتنبرج للطباعة عام 1450، مهددة اليوم بالاندثار، وأن الأجيال الجديدة لا تقر بها أصلا، وعمقت جائحة كورونا من جراحها، وقد لا يمضي وقت طويل ونُذكر بعضنا بعضا: “فاكر لمّا كان فيه صحف ورقية!”!.

حتى وظائف العاملين في مهنة المتاعب باتت مهددة هي الأخرى، بعد أن قضى الإنترنت على عدد كبير من الصحف وتحولت إلى إلكترونية، وبعدما كتب ” الصحفيون الروبوتات ” بالفعل الكثير من أخبار وكالة أسوشيتد برس، وهناك خوارزميات تسمح لمواقع الأخبار بإنشاء قصص تلقائيا ووضعها على مواقع الميديا دون تفاعل بشري، صحيح أنها ستكون خالية من الإبداع والتميز، لكن الناس لن يتوقفوا عن متابعتها.

والفضائيات سيطالها الجانب الأكبر من التغيير، بالاعتماد على “المذيع الروبوت”، حتى في نشرات الأخبار، وبالطبع لن تكون كل وسائل الإعلام الأخرى بمنأى عن مواكبة العصر.

وهل تتوقع أيضا أن مهنة المحاماة هي الأخرى ستتأثر، حيث سيكون ممكنا فى المستقبل القريب الاستعاضة عن المحامين في بعض المجالات من خلال تطبيقات مستقبلية، فكتابة الوصية أو حتى ربما عقود الزواج والطلاق والاستشارات القانونية، ستكون من الأمور التي تتولاها برامج وتطبيقات إلكترونية بشكل أسرع وأقل تكلفة.

والأخطر من ذلك، كما يتوقع أحد خبراء الذكاء الاصطناعي أنه بحلول عام 2070، ستحل الروبوتات محل القضاة، حيث سيكون بمقدورهم الحكم بكافة القضايا عن طريق تحليل لغة جسد المتهم بدقة 99%!

ولكن الصورة ليست بهذه القتامة والخطورة، فالتاريخ يقول: لا تقلقوا، فكلما اختفت وظيفة خُلقت وظيفة مكانها، مثلاً قبل 50 سنة فقط من الآن لم يكن هنالك وظيفة تسمى مهندس برمجيات!

نعم، الوظائف ستتغير، ومسمياتها التقليدية المتوارثة عبر عدة قرون ستختفي ويظهر مكانها وظائف أخرى، لكن في الوقت الذي ستقضي فيه الروبوتات على 85 مليون وظيفة في خلال 5 سنوات، ستنشأ أكثر من 97 مليون وظيفة في مجال الصناعات التكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي والوظائف المرتبطة بالاقتصاد الصديق للبيئة، وغيرها من توابع الوظائف المتفرعة من كافة المهن.

ومن دون أن يدري الكثيرون، فإن صدمة العالم في جائحة كورونا ؛ قد سرعت من دوران عجلة تغيير العالم نحو المستقبل، بخطى فاقت ما كان متوقعا.

وبنظرة سريعة على ما أحدثته جائحة كورونا في أماكن العمل وتغيير طبيعة الوظائف، نجد أن شركات تصنيع السيارات الكبرى في أمريكا، مثلا، بدأت في تجهيز مصانعها بآلات تصنيع أجهزة التنفس الصناعي من قطع السيارات، بعد تعطيل مصانعها الخاصة بالسيارات بسبب التراجع في الطلب عليها، وأن الموظفين في كل مواقع العمل باتوا يرتدون كمامات وأقنعة جراحية، ويؤدون أعمالا لم تكن تخطر لهم على بال.

وقد توسعت شركات وبنوك ومرافق حكومية، وحتى المدارس والجامعات في أغلب دول العالم في استخدام برمجيات تشغيل الأنظمة عن بُعد، للحد من تعرض الموظفين والمتعاملين للفيروس.

وظهر ما يمكن وصفه بفكرة مبتكرة لتبادل المواهب عبر الوظائف، حيث يُنقل الموظفون الذين لا عمل لهم بسبب الأزمة مثل المطاعم وخطوط الطيران والفندقة، إلى مؤسسات عندها فائض في العمل مثل الصحة والخدمات اللوجستية، وبعض متاجر البيع بالتجزئة، مثلما حدث في الصين والولايات المتحدة.

هذه التطورات وغيرها الكثير؛ التي عجلت بها كورونا ، كشفت وفق دراسات مستقبلية أن العمال الذين سيحتفظون بأدوارهم في السنوات الخمس القادمة، سيتعين على نصفهم تعلم مهارات جديدة، وأنه بحلول عام 2025، سيقسم أصحاب العمل أعمالهم بالتساوي بين البشر والآلات!

التطورات السريعة التي أحدثتها جائحة كورونا في مجال العمل، تُعيد صياغة الوظائف وتُعجل بنقل العالم إلى مؤشرات التغيير القادم في سوق العمل في المستقبل، والذي سيكون للروبوت الدور الأكبر فيه، فهو يقوم حاليا بنحو 10% من مهام التصنيع، سترتفع هذه النسبة إلى 25% بحلول 2025.

التغيير لاشك آت لا محالة، وسيطال كل المهن والوظائف، لكن الأهم من ذلك هو أن هذا العالم بحاجة إلى عقل جديد يستوعب نقلة المستقبل ويتفاعل معها ويمهد الطريق للأجيال المقبلة لتحقيق طفرات أخرى قادمة.

 

المصدر: صحيفة الأهرام

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر