مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - صفقة “بريكست” مجرد نهاية البداية

صفقة “بريكست” مجرد نهاية البداية

التاريخ والوقت : الأربعاء, 30 ديسمبر 2020

روبرت شريمزلي

 

أخيرا صفقة تجارية – تم التوصل إليها قبل أسبوع كامل من موعدها النهائي. فقط من خلال النص المنشور للصفقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، سيتبين المعنى الكامل للجهة التي تنازلت وأين. لكن بعد أربعة أعوام ونصف العام من الفوضى والصدمات والاضطرابات السياسية المهينة في كثير من الأحيان، أصبحت لدى المملكة المتحدة أخيرا فكرة ثابتة عما يبدو عليه “بريكست”.

حقيقة أنه تم التوصل إلى صفقة هي بشرى سارة. كان من الممكن أن تكون عواقب الفشل سيئة لكلا الجانبين، وإن كانت أسوأ بما لا يقاس بالنسبة للمملكة المتحدة.

لا بد من القول إنه على الرغم من أن هذه الصفقة، في حين أنها أفضل بكثير من لا شيء، إلا أنها أدنى بكثير مما يجب أن ترغب فيه دولة تجارية عالمية عظيمة، الحد الأدنى الذي كان يمكن الاتفاق عليه في ظل التعنت الأيديولوجي للحكومة. وهي بالتأكيد ليست الصفقة السهلة التي تنبأ بها أنصار “بريكست”. صحيح أن شركات التصنيع ستعفى من الرسوم الجمركية والحصص، إلا أنها تواجه بيروقراطية إضافية مكلفة من المحتمل أن تضر بالصادرات إلى أوروبا. حتى إن هناك أمورا أقل بالنسبة لقطاع الخدمات، محرك الاقتصاد البريطاني. ثمن السيادة البريطانية هو في الأساس أول صفقة تجارية مصممة لتقليل إمكانية الوصول.

لكنها على الأقل أساس يمكن البناء عليه وهي صفقة يرجى أن تسمح بوضع حد للجعجعة وكراهية الأجانب التي ميزت الكثير من الخطاب العام لأنصار المغادرة. وهذا يعني أن المملكة المتحدة، أخيرا، ستغادر الاتحاد الأوروبي بشروط ودية إلى حد معقول.

كانت الصفقة دائما هي النتيجة الأكثر ترجيحا. كان رئيس الوزراء بوريس جونسون واضحا في أن الخطوة الحقيقية لن تأتي إلا في الأيام الأخيرة، ولكي نكون منصفين، فقد حقق المزيد من خلال الحفاظ على أعصابه. الخروج بلا صفقة لم يكن قط هو الخطة (خاصة في منتصف الوباء) وهذا أمر لا بأس به. الفوضى التي سادت الأيام القليلة الماضية بعد أن أغلقت فرنسا موانئها بسبب سلالة جديدة من كوفيد – 19 في المملكة المتحدة لم تكن بشيرا جيدا بالنسبة لخطط الطوارئ المفترضة في المملكة المتحدة من دون صفقة.

ستشهد الأيام المقبلة تصريحات جامحة حول مهارات جونسون التفاوضية وكيف حصل على الكثير لبريطانيا. لكن، كما هي الحال مع اتفاقية الانسحاب، اضطرت المملكة المتحدة للقتال حتى من أجل الأساسيات ولم تجرجر بروكسل إلى ما هو أبعد من حيث كانت بروكسل مستعدة للذهاب. الحديث الشجاع والفارغ عن الإيقاع بين دول الاتحاد الأوروبي لم يحقق شيئا يذكر. وفي حين كانت المملكة المتحدة تتشاجر مع نفسها، احتفظت الكتلة بجبهة موحدة إلى حد ما. ينبغي أن يكون هذا تحذيرا مفيدا للسياسيين البريطانيين في المستقبل.

يعلم جونسون أنه سيكون هناك أشخاص في جانب المغادرة يتشوقون للصراخ بأن الاتفاقية هي نوع من الخيانة. يحتاج نايجل فاراج، زعيم حزب “بريكست”، إلى الإعلان عن أهميته المستمرة (على الرغم من أن استجابته الفورية كانت داعمة) وينطبق الشيء نفسه على بعض نواب حزب المحافظين. الصراخ بأن الصفقة هي “خيانة للأمانة” تسمح للذين كانوا يطالبون بالحصول على كل شيء بتجنب اللوم على ما سيحدث لاحقا، على اعتبار أن الاتفاقية لا تشكل “عملية بريكست سليمة”. لكن المحافظين كانوا يعلمون أنه يجب أن يكون هناك حل وسط. وهم يريدون للاتفاقية ـ ويحتاجون ـ إلى أن تكون فوزا. وعلى المدى القصير، على الأقل، سيصطف معظمهم في الخط المؤيد لرئيس الوزراء. وينبغي لهم ذلك، لأنه من حيث قطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، حصل أنصار “بريكست” على كل ما يرغبون فيه تقريبا. أخرج جونسون بريطانيا العظمى (لكن من دون إيرلندا الشمالية) من معظم قواعد وأنظمة وسلطات الاتحاد الأوروبي. التباعد التنظيمي ستترتب عليه تكلفة باهظة، لكن هذا قرار اقتصادي الآن. بالنسبة له، هي فرصة لتأكيد الخلاف بشأن “بريكست”، على الرغم من أنه لن يستعيد أبدا أنصار البقاء الذين لا يمكن التصالح معهم.

لكن على المدى الطويل، بريطانيا أصبحت أضعف. المملكة المتحدة حين تكون وحدها تمتلك نفوذا أقل في العالم. الاتحاد في خطر كبير. إيرلندا الشمالية ستتطلع أكثر من أي وقت مضى إلى الجمهورية. ويبدو من المرجح أن تعيد اسكتلندا القوميين إلى السلطة من خلال أجندتهم الخاصة بإجراء استفتاء ثان على الاستقلال. والأهم من ذلك، أن المسار الاقتصادي للمملكة المتحدة هو الآن أبطأ وأدنى. يكمن الأمل السياسي لرئيس الوزراء في إمكانية إخفاء انتكاسات “بريكست” في ظل الركود الأوسع المرتبط بالوباء.

ليس هناك شك في أن هذا انتصار سياسي شخصي لجونسون وأنه يحق له الاستمتاع بهذه اللحظة. يأمل معظم البريطانيين، كيفما صوتوا، في المضي قدما والازدهار. لكنه يعلم أيضا أن “بريكست” هذا من صنع يديه هو ولن يكون بإمكانه التهرب من المسؤولية عن تكلفته العالية إذا ساءت الأمور. ما زلنا بانتظار حس اقتصادي حقيقي، رؤية لما كان كل هذا من أجله. أخيرا، بعد حرمانها من المزايا الاقتصادية لعضوية الاتحاد الأوروبي، ستحتاج المملكة المتحدة إلى قيادة أكثر نشاطا وفعالية مما أظهرت هذه الحكومة حتى الآن بشكل عام أنها قادرة على تحقيقه.

مهما كان الشكل الذي ستكون عليه المملكة المتحدة في المستقبل، لا أحد يستطيع أن يقول إن الأعوام التي تلت استفتاء 2016 أظهرت دولة واثقة ومستقلة. فعلت الاضطرابات الكثير لتهدئة خطوات مماثلة في دول أخرى في الاتحاد الأوروبي. من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن يكون “بريكست” أفضل بكثير مما هو عليه الآن.

لكل ذلك، تجنبت المملكة المتحدة على الأقل أسوأ النتائج ولديها الآن أساس للعلاقات المستقبلية والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الأوثق التي تجب إعادة بنائها في الأعوام المقبلة. ليست هذه هي الكلمة الأخيرة في علاقات المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي. إنها، كما يقولون، مجرد نهاية البداية.

 

المصدر: صحيفة الاقتصادية – خدمة فايننشال تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر