مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - سلاسل الإمداد.. من مسارات تجارية إلى أدوات نفوذ

سلاسل الإمداد.. من مسارات تجارية إلى أدوات نفوذ

التاريخ والوقت : الأربعاء, 11 فبراير 2026

د نوف البلوي

حين أعلنت الولايات المتحدة أخيرا جمع حلفائها لإعادة ترتيب سلاسل توريد المعادن الحيوية وتقليل الاعتماد على الصين، لم يكن الخبر اقتصاديًا بحتًا. كان أقرب إلى إقرار سياسي بأن سلاسل الإمداد لم تعد شأنًا تجاريًا يمكن تركه للسوق، بل ملفًا سياديًا يدخل في صميم الحسابات الإستراتيجية للدول.

هذا التحول لم يبدأ في واشنطن، بل على أرصفة الموانئ خلال الجائحة. حين تأخرت السفن، وارتفعت أسعار الشحن بشكل غير مسبوق، واختفت بعض السلع من الأسواق، اكتشف العالم أن النموذج الذي اعتمد عليه طويلًا كان هشًا أكثر مما يبدو. فكرة الإنتاج في مكان واحد بأقل تكلفة ممكنة بدت ناجحة على الورق، لكنها فشلت عند أول اختبار حقيقي.

لسنوات، كان التركيز الصناعي في الصين جزءًا أساسيًا من هذا النموذج. الكفاءة العالية، وسرعة الإنتاج، وانخفاض التكلفة جعلتها محورًا لا غنى عنه في سلاسل القيمة العالمية. لكن حين تعطلت المصانع والموانئ، لم تتأثر الشركات فقط، بل اهتزت اقتصادات كاملة. عندها بدأ السؤال يتغير: ليس كيف نُنتج أكثر وبأرخص سعر، بل كيف نضمن ألا يتوقف كل شيء دفعة واحدة.

منذ تلك اللحظة، خرجت سلاسل الإمداد من نطاق الإدارة التشغيلية إلى دائرة القرار السياسي. الولايات المتحدة بدأت تتحدث صراحة عن “سلاسل توريد موثوقة”، حتى لو كانت أكثر تكلفة. أوروبا أعادت فتح ملف الاستقلال الصناعي بعد أزمات الطاقة والتكنولوجيا. ودول آسيوية كثيرة تحاول اليوم السير على خط رفيع بين الحفاظ على علاقاتها التجارية القائمة وتقليل المخاطر قدر الإمكان. التجارة لم تعد محايدة، بل أصبحت امتدادًا للسياسة.

حتى أسواق الطاقة، التي لطالما كانت حساسة للتوترات، تؤكد هذه الحقيقة كل مرة. أي اضطراب جيوسياسي يظهر فورًا على أسعار النفط والغاز، ثم ينتقل أثره إلى الغذاء والنقل والتضخم. لم يعد ممكنًا الفصل بين السياسة وسلاسل الإمداد، لأن التجربة أثبتت أن أي خلل في أحدهما يجرّ الآخر معه.

ما نشهده اليوم ليس نهاية العولمة، بل نهاية مرحلتها القديمة. العالم لا يتراجع عن التجارة، لكنه يعيد تنظيمها بطريقة مختلفة. الكفاءة وحدها لم تعد كافية، والاعتماد على مركز واحد لم يعد مقبولًا. المرونة أصبحت قيمة بحد ذاتها، تمامًا مثل التكلفة في الماضي.

في هذا السياق، الدول التي تستثمر في تنويع مصادرها، وتبني شبكات توريد أوسع وأكثر توازنًا، لا تحمي اقتصاداتها فقط، بل تعزز قدرتها على اتخاذ القرار في أوقات الأزمات. أما الدول التي لا تزال تفترض أن ما حدث كان ظرفًا عابرًا، فقد تجد نفسها خارج الخريطة الجديدة للاقتصاد العالمي.

الخلاصة بسيطة، وإن كانت غير مريحة: في عالم اليوم، سلاسل الإمداد لم تعد مجرد وسيلة لنقل السلع، بل أصبحت مقياسًا للقوة، وشرطًا من شروط الاستقرار الاقتصادي والسياسي. ومن لا يدرك ذلك مبكرًا، سيدفع الثمن لاحقًا.

المصدر: الاقتصادية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر