سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
كمال جاب الله
ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من موجة الاعتذارات المتتالية لرئيسي حكومة اليابان، الحالي والسابق، نتيجة لشكوك في انعدام الشفافية والانضباط بالائتلاف الحاكم، وصدور أحكام بالسجن، ضد رئيسين كوريين جنوبيين، بتهمتي الفساد واستغلال النفوذ ، ليصبحا ثالث ورابع رئيس كوري يلقي المصير المشئوم؟
خلال اقامتي ومهمتي مراسلا لـ الأهرام في طوكيو (2001-2005) كنت مهتما بتغطية ومتابعة الأحداث البارزة بالمناطق المحيطة باليابان، وعلى رأسها شبه الجزيرة الكورية، وجمهورية الصين الشعبية، وصولا لـ استراليا ونيوزيلاندا.
في ديسمبر عام 2002، جرى تكليفي بتغطية فعاليات الانتخابات الرئاسية بكوريا الجنوبية، التي حقق فيها المجاهد والناشط الحقوقي العصامي، روهمو هيون ، نصرا ضد منافسه، وقد تجلت حملته الانتخابية بإشهار سيفه ضد الفساد الحكومي.
تشرفت بمقابلة الرئيس، روهمو هيون ، في عام 2004، كما أجريت حديثًا معه ونشرته الأهرام، قبل زيارته لمصرعام 2006، وكان الرجل يتسم بقمة التواضع والتلقائية، وكان أكثر رؤساء كوريا الجنوبية ميلا ليسار الوسط في أسلوب الحكم.
في يوم 23 مايو عام 2009، صعقت بخبر إقدام الزعيم الكوري الجنوبي على الانتحار، بإلقاء نفسه من قمة جبل في واد سحيق، بعد محاكمة صعبة للغاية، وجهت – خلالها – اتهامات، إليه هو وأخيه وزوجته وابنه، ب تلقي رشاوى قدرت قيمتها بأكثر من 4 ملايين دولار، فكيف لرئيس نصب نفسه مكافحًا ضد الفساد، وبنى لنفسه سمعة طيبة، يتجرع من الكأس نفسه، وتكون فيه نهايته المحتومة؟!
الأمر الغريب أن المحكمة كانت قد جرمت – في عام 1997 – الرئيسين الكوريين الجنوبيين الأسبقين، شين دو هوان وروه تاي وو، بـ تلقي رشاوى بمئات الملايين من الدولارات خلال فترتيهما الرئاسية، وتدور الأيام دورتها، ليقبع الآن رئيسان جديدان في السجن، لي ميونج باك وبارك كون هيه، بتهم الفساد واستغلال النفوذ .
الرئيس لي ميونج باك (2008-2013) يبلغ من العمر نحو 80 عامًا، وينفذ حكمًا مشددًا بالسجن مدته 17 عامًا بعد توجيه 16 تهمة إليه على رأسها الاختلاس والرشوة، مع دفع غرامة تقدر بحوالي 11 مليون دولار أمريكي، ليصبح آخر رئيس كوري جنوبي سابق وعلى قيد الحياة يحكم القضاء عليه بالسجن المشدد.
بالرغم من إصرار الرئيس الكوري الجنوبي الأسبق، لي ميونج باك ، على وصف الحكم بحبسه بالانتقام السياسي، إلا أنه خضع لتطبيق الإجراءات نفسها المطلوبة للسجناء العاديين عند حبسهم بسجن العاصمة، سول، وتتضمن التأكد من هويته، والفحص الطبي، والتقاط الصورة له باللباس والرقم المخصص للسجناء.
تبلغ مساحة غرفة حبس الرئيس 10.13 متر مربع، بالإضافة دورة مياه 3 أمتار مربعة، وتقع في الطابق الـ 12، أعلي طابق بمركز الحبس، واحتراما للرئيس الأسبق تم إخلاء الغرف المجاورة حتى لا يواجه بسجناء آخرين تماشيا مع سابقيه.
الرئيسة السابقة بارك كون هيه (2013-2017) أصبحت أول زعيمة منتخبة ديمقراطيا في كوريا الجنوبية لم تكمل مدتها، وتطرد من منصبها، بعد تأييد المحكمة الدستورية العليا تصويتًا برلمانيًا لعزلها بسبب فضيحة فساد، وقضت المحكمة العليا بعقوبتها بالسجن لمدة 20 عامًا، وغرامة حوالي 16 مليون دولار، بعد إدانتها بالتواطؤ مع أحد المقربين؛ لتلقي مبالغ ضخمة لمساعدة أسرتها وتمويل المؤسسات غير الربحية التي تمتلكها.
تقضي الرئيسة المخلوعة بارك (68 سنة) عقوبة السجن في غرفة مساحتها 10 أمتار مربعة تضم دورة مياه، وفي سجن مختف عن سجن الرئيس الأسبق باك، مراعاة لعدم زيادة العبء على إدارة السجن في حالة وجود رئيسين سابقين معًا.
زعيم الحزب الحاكم في كوريا الجنوبية، لي ناك يون، طلب من الرئيس، مون جيه إن ، منح العفو في الوقت المناسب للرئيسين (المحافظين) الأسبقين المسجونين (باك وبارك)، اللذين ينكران ارتكابهما مخالفات ولا يقبلان بحكم المحكمة بحبسهما.
في مؤتمر صحفي بمناسبة حلول العام الجديد، 2021، صرح الرئيس مون جيه إن بأن الوقت لم يحن بعد للعفو عن الرئيسين الأسبقين المسجونين، مؤكدا أن سجنهما أمر مؤسف للغاية، وكلاهما مسن ويتردد أن حالتيهما الصحية سيئة، ومن الصعب على الشعب قبول دعوات العفو، ما لم يتوافر الإجماع حفاظًا على وحدته.
بحر اليابان هو الخط الجغرافي الفاصل بين كوريا الجنوبية وبلاد الشمس المشرقة، ويحمل في أجوائه موجات مماثلة من الدروس في الانضباط والشفافية، وحتى لو اختلفت الممارسات السياسية، من حيث الشكل والمضمون، يظل الهدف الأسمى واحدًا لإبراء ذمة كبار المسئولين في البلدين من شبهات الفساد واستغلال النفوذ .
في طوكيو، عبر رئيس حكومة اليابان يوشيهيدي سوجا عن أسفه الشديد لارتكاب نائبين بارزين في الائتلاف الحاكم مخالفة جسيمة بذهابهما إلى إحدى الحانات، التي تقدم خدمة للضيوف بحي جينزا الفاخر، بعد الساعة الثامنة مساء، في الوقت الذي تطلب فيه الحكومة من المواطنين عدم الخروج من منازلهم إلا للضرورة القصوى تنفيذا لحالة الطوارئ المعلنة، بغية السيطرة على انتشار متسارع لجائحة كورونا.
السيد سوجا كان قد ارتكب المخالفة، نفسها، مما دعاه للاعتذار العلني للشعب، في وقت سابق، نتيجة لمشاركته في حفل عشاء، في وقت متأخر من الليل، متجاوزًا الضوابط الصارمة المفروضة في حالة الطوارئ المعلنة باليابان.
وتظل الاعتذارات المتتالية التي قدمها سلفه، شينزو آبي للشعب الياباني، عالقة في الأذهان، واقراره بتحمل المسئولية السياسية والأخلاقية في فضيحة مخالفة القوانين الصارمة لمراقبة التمويل السياسي، والإفصاح عن استعداده للاستجواب الطوعي من قبل المدعين العامين، للكشف عن حقيقة قيام مكتبه بدفع تكاليف حفلات لمؤيديه كانت تقام بفنادق العاصمة، طوكيو، ليلة الاحتفال بعيد الربيع.
خلال إقامتي في طوكيو وحتى تاريخه، لم أسمع عن حبس أو سجن أي رئيس معاصر للحكومات اليابانية المتعاقبة، غير أنني قرأت عن العديد من المحاكمات والحبس وحالات الانتحار لوزراء ورؤساء شركات ومسئولين يابانيين سابقين.
كما هو الحال في سول وطوكيو، سوف تظل الصحوة والمراقبة الشعبية الدقيقة لممارسات وأفعال كبار المسئولين في كل مكان وزمان، درسًا وعبرة لكل من يعتبر.
المصدر: صحيفة الأهرام
سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر