مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - تعزيز مرونة دول جنوب شرق آسيا لدفع عجلة النمو الاقتصادي المستقبلي

تعزيز مرونة دول جنوب شرق آسيا لدفع عجلة النمو الاقتصادي المستقبلي

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 23 يونيو 2026

Shaun Adam, Satvinder Singh

في عالم تزداد ملامحه بالصراعات والاضطرابات، يثبت تاريخ رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” أن المرونة لا تقتصر فقط على تحمل الصدمات، بل تكمن في تحويلها إلى فرص للتعاون والإصلاح والنمو.
تأسست الرابطة في بانكوك بتايلاند عام 1967، وسط أجواء من عدم الثقة السياسية، والغموض الاستراتيجي، والأسواق المتعثرة. ومع مرور الوقت، نجحت “آسيان” في تحويل هذا التعاون إلى مساحة اقتصادية أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ.
وكان إطلاق منطقة التجارة الحرة لآسيان في عام 1992 لحظة حاسمة أخرى، ساعدت في نقل جنوب شرق آسيا من مرحلة الهشاشة النسبية نحو تكامل اقتصادي أعمق. ثم غدّى هذا الزخم لاحقاً المشروع الأوسع لـ “المجتمع الاقتصادي لآسيان”، الذي يهدف إلى تعزيز التجارة، والإنتاج العابر للحدود، وثقة المستثمرين في جميع أنحاء المنطقة.
لقد أظهرت “آسيان” قدرة متكررة على التكيف مع التقلبات، مع العمل بثبات على تعميق الثقة وتوسيع نطاق التعاون وتقوية أسسها الاقتصادية. ورغم أن هذا السجل الحافل لا يضمن المستقبل، إلا أنه يقدم مؤشراً هاماً حول كيفية تعامل جنوب شرق آسيا مع الحقبة الحالية من الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية المتزايدة – وكيف ستكتب فصلها التالي من النمو الاقتصادي.
بناء القوة الجماعية
لقد تكرر نمط تحويل التحديات إلى فرص على مدى عقود.
ففي أعقاب الأزمة المالية الآسيوية، عززت “آسيان” مراقبة الاقتصاد الإقليمي من خلال “عملية مراقبة آسيان” في عام 1998. ثم أنشأت ضمانات مالية أكثر استدامة مثل “مبادرة تشيانغ ماي”، التي تأسست في عام 2000 مع شركاء “آسيان +3”.
وظهرت الفطرة ذاتها خلال جائحة كوفيد-19، عندما تبنت الرابطة “خطة عمل هانوي” لدعم ترابط سلاسل التوريد والتعاون الاقتصادي تحت الضغط.
وفي الآونة الأخيرة، ووسط اضطرابات الطاقة والتجارة المرتبطة بالصراعات في الشرق الأوسط والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، دعا قادة “آسيان” المجتمعون في سيبو بالفلبين، خلال قمة آسيان الثامنة والأربعين، إلى التجديد السريع لـ “اتفاقية آسيان لأمن البترول”. وتستخدم هذه الاتفاقية تدابير متنوعة لتعزيز أمن المواد البترولية للدول الأعضاء في الرابطة.
إن القدرة على الاستجابة السريعة للصدمات المباشرة، مع تطبيق الرؤية المستقبلية لتعزيز الهيكل الإقليمي على المدى الطويل، أصبحت واحدة من السمات المميزة لرابطة “آسيان”.

التكامل الاقتصادي في “آسيان”

لطالما كانت الأزمات، عبر تاريخ رابطة “آسيان”، بمثابة حافز لتعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي. والحقيقة أن مرونة “آسيان” لم تكن وليدة الصدفة، بل هي ثمرة عقود من التكامل المستمر والتعاون والتكيف.
ونتيجة لذلك، ووفقاً للأرقام التي ستصدر قريباً عن “مرصد آسيان الإحصائي” (ASEANStats)، فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي المجمع للمنطقة من 2.5 تريليون دولار في عام 2015 إلى 4.3 تريليون دولار في عام 2025. كما تضاعفت قيمة تجارة السلع تقريباً من 2.3 تريليون دولار إلى 4.4 تريليون دولار، وقفزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 115.4 مليار دولار إلى 241.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
ويعكس هذا الأمر الثقة المتزايدة في جنوب شرق آسيا كمركز ديناميكي للإنتاج والابتكار والفرص؛ فهي منطقة تندمج بشكل متزايد في سلاسل التوريد العالمية، بينما تعمل في الوقت ذاته على تعزيز سوقها الداخلية.
كما يبرهن ذلك على قدرة “آسيان” على تجاوز الصدمات المتكررة دون فقدان زخمها. وحتى في ظل الظروف الحالية، يتوقع بنك التنمية الآسيوي أن تحقق الاقتصادات النامية في جنوب شرق آسيا نمواً بنسبة 4.6% في عام 2026، مدفوعاً بطلب محلي قوي واستثمارات مستمرة في البنية التحتية.
مواجهة التحولات الجيوسياسية الراهنة

شهد عدد النزاعات المسلحة حول العالم ارتفاعاً حاداً في السنوات الأخيرة. ويرى صندوق النقد الدولي أن الحروب والصراعات “ستلقي بظلال قاتمة على الآفاق الاقتصادية العالمية” من خلال رفع أسعار السلع الأساسية، وتشديد الظروف المالية، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل حركة الملاحة البحرية والجوية.
في عالم كهذا، تصبح المرونة شرطاً أساسياً للنمو، كما أن هذه البيئة تسرع من وتيرة التشرذم الاقتصادي الجغرافي.
وقد توجب على “آسيان” التعامل مع هذه الضغوط الخارجية بالتوازي مع مواجهة اختبارات إقليمية أقرب إلى ديارها. ففي ميانمار، دعمت الرابطة المساعدات الإنسانية وواصلت دعوتها للحد من العنف داخل البلاد، فضلاً عن السعي نحو حوار أكثر شمولاً.
أما بشأن قضية النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، فقد شددت “آسيان” باستمرار على السلام والاستقرار وضبط النفس، ومواصلة العمل نحو صياغة “مدونة قواعد سلوك” فعالة وجوهرية، بما يتماشى مع القانون الدولي.
إن هذه الجهود لن تلغي الخلافات، لكنها تؤكد تفضيل “آسيان” الدائم للحوار، وبناء المؤسسات، وضبط النفس بدلاً من التصعيد.
وقد تأكد هذا الالتزام مجدداً في أكتوبر 2025، عندما قبلت “آسيان” انضمام تيمور الشرقية كعضو حادي عشر بعد عملية استغرقت 14 عاماً بموجب “بروتوكول سيبو”. وقد سلط هذا الحدث الضوء على مرونة التكتل وشموليته وقدرته على التطور. كما أظهر انضمام تيمور الشرقية كيف يمكن للماضي الصعب مع إندونيسيا أن يفسح المجال للمصالحة وتعاون إقليمي أوسع.

الطاقة والتكنولوجيا كمحركات للنمو

لم يعد من الممكن فهم مرونة “آسيان” من منظور اقتصادي ضيق فحسب.
فخلال العقد الماضي، ارتفع الطلب على الطاقة في جنوب شرق آسيا بنسبة تزيد عن 35%، بينما نما الطلب على الكهرباء بنسبة تتجاوز 60%، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة (IEA). وفي الوقت ذاته، تقترب المنطقة من نقطة تحول في عملية انتقال الطاقة؛ حيث أظهرت أرقام الوكالة أن الاستثمار في الطاقة النظيفة وصل إلى 47 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يعادل تقريباً حجم الاستثمار في الوقود الأحفوري.
إن مرونة “آسيان” باتت ترتكز بشكل متزايد على بناء اقتصادات ليست منفتحة وتنافسية فحسب، بل تتمتع أيضاً بالأمن الطاقي، والجاهزية المناخية، والقدرة الأفضل على التموضع في مسار التحول الأخضر.
وهذا هو السبب في الأهمية القصوى لسياسات الطاقة التعاونية. فبموجب “خطة عمل آسيان للتعاون في مجال الطاقة”، دفعت المنطقة بمبادرات تهدف إلى الترابط والمرونة، بدءاً من “شبكة كهرباء آسيان” وصولاً إلى مشروع تكامل الطاقة بين لاوس وتايلاند وماليزيا وسنغافورة.
وفي الوقت ذاته، تعكس مناقشات “آسيان” حول الطاقة النووية للأغراض المدنية اعترافاً بأن بعض الدول الأعضاء ترى في الطاقة النووية مكملاً محتملاً منخفض الكربون للطاقات المتجددة، شريطة السعي نحوها بأمان ووفقاً للمعايير الدولية.
وهناك تحول مماثل يجري حالياً في الاقتصاد الرقمي؛ حيث تهدف اتفاقية إطار الاقتصاد الرقمي “DEFA” إلى خلق نهج إقليمي أكثر تماسكاً تجاه التجارة الرقمية والبيانات والابتكار. وتشير دراسات الرابطة إلى أن هذه الاتفاقية قد تساعد في رفع قيمة الاقتصاد الرقمي في المنطقة من تريليون دولار إلى ما يصل إلى تريليوني دولار بحلول عام 2030.
وبالنسبة لمنطقة تتميز بطبقة متوسطة متنامية، وسكان من فئة الشباب، وتبنٍ سريع للتكنولوجيا، أصبح التعاون الرقمي ركيزة أساسية لمرونة “آسيان”.

تعزيز مرونة “آسيان” نحو المستقبل

سيتحدد الفصل التالي من مسيرة “آسيان” بمدى نجاح المنطقة في مواصلة تحويل حالة عدم اليقين إلى تعاون، وتحويل التعاون إلى قدرات ملموسة.
لقد كان هذا هو النمط السائد منذ عام 1967 – من الهشاشة الإقليمية إلى التكامل الاقتصادي، ومن الأزمات إلى ضمانات أقوى، ومن التوترات السياسية إلى مجتمع متوسع لا يزال يؤمن بالحوار والتعددية.
وفي ظل مشهد عالمي متشرذم، قد يثبت هذا النهج أنه الميزة الاستراتيجية الكبرى لرابطة “آسيان”.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات
المصدر: World Economic Forum

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر