مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - اليابان تقود “القوى الوسطى” في رسم مستقبل آسيا

اليابان تقود “القوى الوسطى” في رسم مستقبل آسيا

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 25 مايو 2021

ريتشارد جواد حيدريان

 

في هذه الأيام، أصبح من الشائع بين المحللين وصانعي السياسات اختزال الجغرافيا السياسية المعاصرة في آسيا إلى الصراع الصيني- الأمريكي على الهيمنة؛ ولكن الأمر الذي يغفله هذا السرد المبسط لصراع القوى الكبرى، هو دور ما يُعرف بـ”القوى الوسطى” التي تلعب دوراً محورياً ومتزايداً في رسم معالم مستقبل آسيا.

ويمكن القول إنه لا توجد قوة وسطى في آسيا في مثل أهمية اليابان، وهذا أمر مؤكد في جنوب شرق آسيا بشكل خاص؛ حيث لا تتصدر اليابان قائمة الاستثمارات في البنى التحتية ومساعدات التنمية الخارجية فحسب، بل تتمتع بسمعة طيبة للغاية بين شعوب المنطقة، وقادة الرأي فيها.

ومع استمرارها بالمحافظة على التزاماتها القانونية التي يفرضها دستورها السلمي، أصبحت اليابان تدريجياً مصدراً رئيسياً للمساعدة الأمنية البحرية للدول الجنوب آسيوية الأصغر، والتي كانت تقف على الطرف المتلقي للطموحات التوسعية الصينية في المنطقة.

وربما تعتبر الفلبين خير مثال على الدول التي تعبر عن الدور القيادي المتنامي لليابان. فعلى الرغم من التقلبات الشديدة في سياساتها الداخلية والخارجية، في السنوات الأخيرة؛ فإنه لا تزال هذه الدولة الجنوب شرق آسيوية تحتضن طوكيو بإخلاص كشريكٍ رئيسي في تحقيق الأمن والازدهار الإقليميين.

الدور الياباني المتغير

على مدى تاريخ آسيا الحديث، تحولت اليابان من قوةٍ إمبريالية في النصف الأول من القرن العشرين، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، إلى قوة اقتصادية كبرى في السبعينيات والثمانينيات.

غير أن الركود الاقتصادي الطويل الذي حدث في نهاية القرن الماضي أضر بمكانة اليابان العالمية، وسهَّل ظهور الصين كقوة آسيوية بارزة. وفي غضون ذلك، تحظر المادة التاسعة من الدستور الياباني على البلاد إظهار القوة العسكرية الهجومية أو تبني سياسات دفاعية عدوانية.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإن اليابان لا تزال قوة يعتد بها، فهي تمتلك ثالث أكبر اقتصاد في العالم، وأكثر القوى البحرية تطوراً في آسيا، وبعضاً من كبرى الشركات الصناعية في التاريخ. وقد قادت إدارة رئيس الوزراء شينزو آبي، في العقد الماضي، تحول البلاد إلى قوة وسطى بارزة في المنطقة وخارجها.

وعلى الرغم من افتقارها إلى النفوذ العسكري والدبلوماسي الذي تتمتع به القوى الكبرى كالولايات المتحدة والصين؛ فقد أسهمت اليابان بشكل فعال في السلام والاستقرار الإقليميين، وعززت تحالفاتها مع القوى المشابهة لها في التفكير على امتداد المحيطَين الهندي والهادي، وطورت تدريجياً قدراتها الدفاعية في ضوء التوترات البحرية في آسيا.

والنتيجة هي ظهور اليابان كلاعب محوري في تركيبة الأمن الإقليمي الآسيوية في القرن الحادي والعشرين، كما أصبحت دول جنوب شرق آسيوية كالفلبين مدافعاً رئيسياً عن دور طوكيو المستجد في المنطقة.

ولكن إذا كان هنالك من شيء وحيد ثابت في سياسة الفلبين الخارجية، فهو عدم ثباتها. فبينما كانت إدارة بينينو أكينو من أشد المدافعين عن توسيع الوجود العسكري الأمريكي في آسيا للحدّ من طموحات الصين، شككت إدارة خلفه رودريغو دوتيرتي، في أسس تحالفها مع الولايات المتحدة لصالح علاقات أكثر دفئاً مع الصين.

وبينما كان أكينو يشبه الصين بألمانيا النازية؛ فقد وصفها دوتيرتي بأنها المتبرع السخي للفلبين. ومع ذلك، وعلى الرغم من تناقض توجهاتهما الأيديولوجية والسياسية؛ فإن كلا الزعيمين قد سعى إلى إقامة علاقات أقوى مع اليابان. وخلال فترتَي ولايتيهما، قام الرئيسان الفلبينيان بزيارة طوكيو مرات عديدة؛ مما يؤكد الأهمية التي يوليانها للعلاقات الفلبينية- اليابانية.

في خطابه التاريخي أمام البرلمان الياباني عام 2015، شكر أكينو اليابان على “دعمها لإطلاق واستدامة النمو الاقتصادي في الفلبين”، وعلى “مساعدتنا في التعافي من الكارثة، وتعزيز قدراتنا على الصمود في وجه الصعوبات”.

وأيد الرئيس الفلبيني السابق بحزم وجود سياسة يابانية إقليمية استباقية، من خلال تأكيد مساهمات اليابان في “تعزيز السلام والاستقرار في المناطق التي تشهد صراعات في الإقليم”.

أما بالنسبة إلى دوتيرتي، فقد أشاد باليابان “كصديق أقرب من أخ”، و”كصديق ليس كغيره من الأصدقاء”، وبعيداً عن الإطراء والتملق “صداقة خاصة لا تقدر بثمن”. كان ذلك انعكاساً حقيقياً للعلاقات الودية التي استمرت على مدى عقود بين دوتيرتي عندما كان يشغل منصب عمدة دافاو، والقنصلية اليابانية في المدينة.

كما يعكس أيضاً الدور المركزي لليابان في ازدهار الفلبين واستقرارها السياسي الذي غالباً ما كان يتم تجاهله؛ فطوكيو هي المصدر الأول للمساعدات الإنمائية الرسمية للبلاد، وأكبر مصدر للاستثمارات، ووجهة تصدير رئيسية للصادرات الفلبينية، وكانت شريكاً رئيسياً في عملية السلام في مينداناو على مدى عدة عقود.

القوة العظمى الخفية

وفي المقابل، كانت الاقتصادات الديناميكية الجنوب شرق آسيوية، كالفلبين، جزءاً لا يتجزأ من سياسة “الصين زائداً واحداً” اليابانية لتنويع الاقتصاد. وقد وجدت طوكيو في الفلبين أكثر من أي مكان آخر في العالم جمهوراً متحمساً لسياساتها الخارجية والدفاعية الاستباقية.

لعبت اليابان في السنوات الأخيرة دوراً جوهرياً وبنَّاءً في المنطقة على ثلاث جبهات مختلفة؛ فأولاً تسمح دبلوماسية طوكيو الشخصية الرشيقة لها بتنمية علاقات عملية مع طيفٍ واسع من الدول والأنظمة في جنوب شرق آسيا، والحفاظ عليها، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ لأنه يسمح لليابان بأن تلعب دور السد المنيع في وجه النفوذ الصيني المتنامي على الأنظمة الاستبدادية التي عادة ما تكون علاقاتها متوترة مع الغرب، بسبب الخلافات القائمة حول قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية.

ظهرت هذه الديناميكية بوضوح خلال زيارة آبي رفيعة المستوى إلى الفلبين عام 2017، عندما أصبح الزعيم الياباني أول زعيم أجنبي يزور البلاد في عهد إدارة دوتيرتي المثيرة للجدل.

وذهب الزعيم الياباني السابق إلى حد زيارة منزل رجل الفلبين القوي في دافاو، في لمسةٍ دبلوماسية شخصية واضحة. وبعد ذلك بوقتٍ قصير تمكن آبي من التصرف بالفعل كقوة وسطى في التوسط في العلاقات المتوترة بين دوتيرتي والولايات المتحدة؛ مما مهد الطريق للتقارب بين الحليفَين المتنافرَين.

وفي غضون ذلك، بدلاً من انتقاد أو تأييد حرب الأرض المحروقة التي يشنها دوتيرتي على المخدرات، عرضت اليابان مساعدات في مجالَي الصحة العامة والعلم؛ مثل إنشاء مراكز إعادة التأهيل من الإدمان على المخدرات في الفلبين.

يتمثل التوجه الرئيسي الثاني لسياسة اليابان الإقليمية في توفير بديل فعلي لمشروع الحزام والطريق الصيني المثير للجدل. ففي الفلبين، تشارك اليابان بالفعل في العديد من مشروعات البنية التحتية الكبيرة؛ ومنها أول مشروع مترو أنفاق في العاصمة مانيلا، ومشروع السكك الحديدية بين الشمال والجنوب الذي يربط بين المراكز الصناعية الرئيسية في البلاد.

تتفوق اليابان على الصين في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، من حيث القيمة الإجمالية لاستثمارات البنية التحتية، بشقَّيها القديم والجديد. وفي الآونة الأخيرة، عززت اليابان علاقات التعاون مع دول المحيطَين الهندي والهادي ذات التوجهات المشابهة لتطوير بنية تحتية عالية التقنية للمنطقة؛ خصوصاً في مجال اتصالات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.

وما يجعل الاستثمارات اليابانية جذابة بشكل خاص هو أنها، على عكس نظيرتها الصينية، لا تلتزم بالحوكمة الرشيدة والاستدامة البيئية فحسب؛ ولكنها توفر أيضاً المزيج من فرص العمل للسكان المحليين.

وأخيراً، أصبحت اليابان شريكاً دفاعياً رئيسياً لدول جنوب شرق آسيا. وفي السنوات القليلة الماضية عززت اليابان قدرات دول أصغر؛ مثل الفلبين وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا، من خلال مساعدتها على تطوير قدراتها الدفاعية وإمكاناتها في المراقبة البحرية.

ولهذا الغرض تبرعت اليابان، من بين أشياء أخرى، بعشرة زوارق دورية متطورة، بالإضافة إلى طائرة استطلاع “TC-90” للفلبين. ومن المقرر بموجب صفقة دفاعية قيمتها 100 مليون دولار، أن تقوم اليابان بتصدير أنظمة رادار جوية إلى الفلبين، بالإضافة إلى سفن دورية أكبر متوقعة خلال العام المقبل. كما أبرمت إندونيسيا المجاورة، التي تواجه اعتداءاتٍ صينية في مياهها، صفقة دفاعية جديدة مع اليابان؛ لتعزيز قدراتها الأمنية البحرية.

ما يظهره دور اليابان البنَّاء وتعاونها المتنامي مع دول جنوب شرق آسيا، هو أن مستقبل المنطقة ليس محكوماً عليه بالاعتماد على أهواء القوى العظمى، وليس مقدراً له أن يتشكل بناء على المنافسة الصفرية بين الولايات المتحدة والصين.

 

المصدر: كيو بوست

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر