مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - المحددات الاستراتيجية للدور الأوروبي تجاه الصراع في شرق المتوسط

المحددات الاستراتيجية للدور الأوروبي تجاه الصراع في شرق المتوسط

التاريخ والوقت : الأربعاء, 2 ديسمبر 2020

د. أشرف محمد كشك

 

في كلمة له في السادس من أكتوبر 2020 أمام النواب أعضاء البرلمان الأوروبي قال شارل ميشيل رئيس المجلس الأوروبي «إن استقرار شرق المتوسط يعد مصلحة استراتيجية لأوروبا»، وواقع الأمر أن البحر المتوسط يكتسب أهمية بالغة بالنسبة للدول الأوروبية ليس على الصعيد الجيواستراتيجي فحسب كونه شريانا بحريا مهما يربط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا بل لكونه ممرًا للهجرة غير الشرعية وعمليات التهريب غير المشروعة التي أضحت التحدي الأمني الأول للدول الأوروبية عمومًا وجنوب البحر المتوسط وإيطاليا على نحو خاص، ومن ثم لم يكن مستغربًا أن تحظى تلك المنطقة باهتمام بالغ ضمن استراتيجيات الأمن القومي الأوروبية التي تم تطويرها غير ذي مرة، وضمن تفاعلات الصراع الراهن في شرق البحر المتوسط لوحظ بروز دور أوروبي عمومًا وفرنسي على نحو خاص والذي تجلى في دعوة فرنسا لقمة مجموعة الدول الأورومتوسطية لدول جنوب أوروبا السبع في العاشر من سبتمبر 2020 والتي عقدت بجزيرة كورسيكا وضمت كل من إيطاليا، إسبانيا، مالطا، اليونان، قبرص والبرتغال وخلال تلك القمة طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الدول الأوروبية للحديث «بصوت واحد وواضح» إزاء السياسات التركية في شرق المتوسط، إذ لوحظ وجود انقسام بين الدول الأوروبية إزاء السياسات التركية فضلاً عن القمة الأوروبية يومي الأول والثاني من أكتوبر 2020.

ومع الأخذ في الاعتبار أهمية منطقة البحر المتوسط بالنسبة للأمن الأوروبي إلا أنه في تقديري توجد ثلاثة محددات استراتيجية يمكن من خلالها فهم الدور الأوروبي إزاء أحداث شرق البحر المتوسط عمومًا أولها: يمكن تفسير حالة عدم الإجماع الأوروبي إزاء أطراف الصراع في شرق المتوسط في ضوء سعي الاتحاد الأوروبي لانتهاج استراتيجية تمزج بين الحلول الضاغطة والتوفيقية في التعامل مع السياسة التركية من خلال صياغة معادلة دقيقة تعبر عن عدم الرضا عن السياسة التركية من ناحية والحفاظ على اتفاق اللاجئين الموقع مع تركيا في عام 2016م والذي تعهد بموجبه الاتحاد الأوروبي بمنح تركيا 6 مليارات يورو للمساعدة في تلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين مقابل أن تعمل تركيا على الحيلولة دون بلوغ اللاجئين الأراضي الأوروبية. وقد هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوجان بإلغائه غير ذي مرة بما يعني الارتباط بين الصراع في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه، وهو ما يفسر جهود الوساطة التي قامت بها بعض الدول الأوروبية بين أطراف ذلك الصراع, ومنها الوساطة الألمانية، وثانيها: أنه لطالما أثير الجدل حول الدور الأمني الأوروبي على المستوى العالمي سواء بالنسبة لاضطلاع الولايات المتحدة بحماية المصالح الأوروبية عبر عقود إما بمفردها أو من خلال حلف الناتو، ومن ثم فإن نجاح الاتحاد الأوروبي في إدارة أزمة الصراع في شرق البحر المتوسط والخروج منها بمكاسب محددة يعني إيجاد موطئ قدم جديد للاتحاد الأوروبي في مواجهة تهديدات الأمن البحري عمومًا وهي الاستراتيجية التي بدأها الاتحاد الأوروبي من خلال عملية «صوفيا» التي أسسها في عام 2015م بهدف التصدي للهجرة غير المشروعة في البحر المتوسط، ومرورًا بمشاركة الاتحاد الأوروبي ببعثة لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن منذ عام 2008م وفقًا لقرارات أممية في هذا الشأن وانتهاء بالعملية البحرية «إيريني» التي أقرها الاتحاد الأوروبي في فبراير 2020م وتستهدف مراقبةَ حظر وصول الأسلحة إلى أطراف النزاع في ليبيا تطبيقًا للقرارات الأممية في هذا الشأن، وتتضمن نشر سفن وطائرات وتفعيل أقمار صناعية لهذا الغرض، ولاشك في أن المكاسب الاستراتيجية التي سوف يحصل عليها الاتحاد الأوروبي كمنظمة من تلك الأزمة سوف تعزز من التوجهات الداعية لتأسيس هوية أمنية أوروبية مستقلة عن حلف الناتو- على الرغم من تداخل عضوية 22 دولة أوروبية بين حلف الناتو والاتحاد الأوروبي- بالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية التي سوف يجنيها الاتحاد الأوروبي ليس أقلها قضية أمن الطاقة والتي تم إدماجها في أجندة السياسة الخارجية للاتحاد منذ عام 2007م كأحد أولويات الاتحاد، وخاصة تنويع واردات الاتحاد من الطاقة ومن بينها غاز البحر المتوسط وهو أمر من شأنه الحد من الاعتماد الأوروبي على روسيا وخاصة دول شرق وجنوب أوروبا، وثالثها: الارتباط الجيواستراتيجي بين أمن واستقرار ليبيا ومنطقة شرق البحر المتوسط والأمن الأوروبي عامة ودول مثل إيطاليا على نحو خاص التي تعد البوابة الأولى لتدفق الهجرة غير الشرعية لدول الاتحاد ومن ثم لم يكن مستغربًا حالة التقارب التي شهدتها العلاقات الإيطالية-الفرنسية خلال تفاعلات ذلك الصراع وهو أمر لم يكن معهودًا من قبل، فضلاً عن حرص الاتحاد الأوروبي على الانخراط في الجهود الدبلوماسية لحل تلك الأزمة من خلال التعاون مع المنظمات الإقليمية وأبرزها الزيارة التي قام بها جوزيف بوريل الممثّل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي لجامعة الدول العربية في الثالث من سبتمبر 2020م حيث اتفق المسؤول الأوروبي والأمين العام لجامعة الدول العربية على «خطورة التدخّلات العسكرية الأجنبية في الشأن الليبي بالمخالفة لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والحاجة إلى توحيد الجهود الدولية لتنفيذ مجمل مخرجات عملية برلين وكذا تعزيز التعاون والجهد التكاملي بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، في سبيل التوصل إلى تسوية سياسية ليبية وطنية لتلك الأزمة»، فضلاً عن لقاء جوزيف بوريل مع سامح شكري وزير الخارجية المصرية الذي أكد أن «الموقف المصري يؤسس على قرارات مجلس الأمن الدولي، ومخرجات مسار برلين، مشيرًا إلى أن مصر تتواصل بشكل مكثف مع دول الاتحاد الأوروبي لتبني أفضل الحلول للخروج من الوضع الحالي في ليبيا».

 وبغض النظر عما ستؤول إليه تطورات الصراع في تلك المنطقة التي تتسم أحداثها بالتعقيد والتشابك فإنه يمثل تحديًا هائلاً للاتحاد الأوروبي ودوله لثلاثة أسباب السبب الأول: أنه يعد اختبارًا حقيقيًا لدور الاتحاد الأوروبي الأمني في منطقة جنوب المتوسط التي لم تعد تحديًا للأمن الأوروبي فحسب لكن كانت سببًا في تغيير تركيبة النخب السياسية جراء قضية الهجرة غير الشرعية، أما السبب الثاني: فهو تحديد قدرات الدول الأوروبية الأمنية وكذلك السياسية التي لطالما كان اعتمادها على حلف شمال الأطلسي عمومًا والولايات المتحدة خاصة كمظلة أمنية، أما السبب الثالث: فهو تأثير نتائج ذلك الصراع على مسار الشراكة الأوروبية مع دول جوار المتوسط والتي تعول عليها الدول الأوروبية كثيرًا وخاصة في ظل احتدام الصراع الإقليمي والعالمي في تلك المنطقة الحيوية من العالم وما يتردد عن محاولات رسم ملامح وترتيبات إقليمية جديدة ليس أقلها إعلان الدول الموقعة على منتدى غاز البحر المتوسط تحويل ذلك المنتدى إلى منظمة إقليمية مقرها القاهرة.

المصدر: مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر