سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
د. أشرف محمد كشك
في السابع والعشرين من يناير 2021 أكد الرئيس الأميركي جو بايدن التزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وأن إدارته سوف تقوم بالتشاور مع الحلفاء بشأن المخاوف الأمنية وخاصة الأوضاع في كل من أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى مناقشة التحديات وخاصة سياسات كل من روسيا والصين، وكذلك سبل مواجهة الإرهاب الدولي، وذلك خلال اتصال هاتفي بين الرئيس بايدن وينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف، ولعل التصريح الأبرز في تلك التصريحات كان قول بايدن» ان حلف الناتو هو المكان الذي يلتقي فيه الأوروبيون والأمريكيون كل يوم وبإمكانهم معاً مواجهة التحديات التي لا يمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها». تلك التصريحات للرئيس بايدن التي ترسم مساراً مغايراً لسياسات سلفه دونالد ترمب التي كانت سمتها الأساسية التصادم مع الحلفاء تؤسس على ثلاثة عوامل واقعية تؤكد الأهمية الاستراتيجية للتعاون بين الجانبين، الأولى: أن الولايات المتحدة تسهم بحوالي 75% من ميزانية الناتو، بل إنها من دعمت إنشاء الحلف وكان هناك تحالف أصغر قبل تأسيس الحلف يجمع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قبل الحرب العالمية الأولى، والثانية: أنه في ظل وجود توجهات للحد من الوجود العسكري الأمريكي في بعض مناطق الصراعات، فإن الولايات المتحدة في الوقت ذاته لديها حرص على عدم ترك فراغات تتيح لمنافسيها التواجد في تلك المناطق، والثالثة: دور الحلف ودوله الرئيسية تجاه حسم بعض الأزمات سواء بتدخل الحلف بشكل مباشر (ليبيا عام 2011) أو من خلال مشاركة الأعضاء الرئيسيين في الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في الأزمات الأخرى ومن ذلك حماية ناقلات النفط الخليجية إبان الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، أو حرب تحرير دولة الكويت عام 1991 بما يعني أهمية حلف الناتو كإطار دفاعي جماعي لحماية مصالح الدول الغربية.
ومع أهمية ما سبق، فإن مهمة الرئيس بايدن في رأب الصدع الذي أصاب علاقات الولايات المتحدة بالحلفاء لن تكون من السهولة بمكان وخاصة في ظل استمرار التباينات ذاتها سواء بشأن الملف النووي الإيراني أو مساحة الوفاق أو الافتراق بين الدول الأوروبية والصين وروسيا وغيرها من القضايا الخلافية؟ وواقع الأمر الرئيس بايدن سيكون مدعوا للعمل مع حلف الناتو على جبهتين الأولى: رأب الصدع داخل الحلف ذاته، والثانية: التنسيق الأميركي الأطلسي خارج أراضي الحلف وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.
فعلى صعيد رأب الصدع داخل الحلف، ومع الأخذ في الاعتبار أن التحالف شهد عبر تاريخه أزمات داخلية عديدة، فإن ما يشهده الحلف الآن غير مسبوق لجهة الانقسام بين أعضائه والذي بلغ حد مواجهة عسكرية محتملة بين عضوي الحلف (تركيا واليونان)على خلفية النزاع في شرق المتوسط، صحيح أن حلف الناتو نجح في نزع فتيل ذلك التوتر بشكل مؤقت من خلال تأسيس آلية للتنسيق العسكري لمنع الاشتباك المسلح بين الدولتين، بيد أن ذلك لم ينه النزاع بشكل نهائي، من ناحية ثانية فإن وجود انقسامات بين أعضاء الحلف بشأن تهديدات الأمن العالمي لم تعد بخافية، وخاصة في ظل تأخر إصدار الحلف المفهوم الاستراتيجي الثامن الذي يصدر كل عشر سنوات وكان مقرراً له عام 2020، من ناحية ثالثة على الرغم من حرص كل الدول الأعضاء في الناتو على استمرار تلك المظلة الدفاعية والتي لم تعد مرتبطة بأجواء الحرب الباردة أو ما بعدها فإن ذلك لا ينفي وجود طموحات أوروبية لتأسيس هوية أمنية تعمل بشكل مستقل نسبياً عن حلف الناتو وهو ما عبر عنه مقترح الرئيس ماكرون عام 2018 بشأن الرغبة في تأسيس جيش أوروبي موحد.
وعلى صعيد التنسيق الأميركي- الأطلسي خارج أراضي دول الحلف وخاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط، فإن تلك القضية تثير ثلاث إشكاليات، الأولى: مسألة النفقات الدفاعية، فمع أن الرئيس بايدن لم يثر تلك القضية بعد إلا أنها مسألة شائكة لجهة استمرار تحمل الولايات المتحدة الجانب الأكبر من الميزانية الدفاعية للحلف ووجود مطالب أميركية بضرورة التزام تخصيص الدول الأوروبية لنسبة 2% من إجمالي الناتج القومي الإجمالي لأغراض الدفاع، والثانية: رؤية الإدارة الأميركية الجديدة للدور المتوقع للحلف تجاه مناطق الصراعات، فالمعروف أن الحلف ينهض بدور دعم قوات الأمن في بعض الدول ومنها العراق وأفغانستان، فهل سيكون مطلوبا من الحلف الانخراط بشكل أكبر في مناطق الصراعات كالقيام بمهام عسكرية على سبيل المثال أخذاً في الاعتبار أن الرئيس السابق دونالد ترمب طالب الحلف بدور أكبر في الشرق الأوسط، وهو ما رحب به الأمين العام للحلف في يناير عام 2020 إلا أن ذلك لا ينفي ما تردد من أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترمب طلبت من الحلف إرسال قوات إلى سوريا لتحل محل القوات الأميركية حال انسحابها وهو ما قوبل بالرفض من جانب الناتو، إلا أنه في الوقت ذاته وخلال اجتماع وزراء دفاع الحلف على مدى يومي 17-18 فبراير الجاري أعلن الحلف اعتزامه زيادة قواته لغرض تدريب قوات الأمن العراقية من 500 إلى 4000 جندي خلال الفترة المقبلة بشكل تدريجي، إلا أن مسألة تخفيض قوات الحلف في أفغانستان لم تحظ بتوافق بين أعضاء الحلف، والثالثة: فهي كيفية مواجهة منافسي الولايات المتحدة والحلف وخاصة روسيا والصين في ظل وجود نفوذ متنامٍ للدولتين في ذات مناطق شراكات الحلف وخاصة منطقة الشمال الإفريقي.
ويثير ما سبق تساؤلاً مهماً مؤداه: كيف سينعكس التنسيق الأميركي-الأطلسي على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي؟ وفي تصوري أن ذلك التنسيق يعد أمراً جوهرياً في ظل دخول أربع من دول الخليج العربي في شراكة استراتيجية مع حلف الناتو ضمن مبادرة اسطنبول منذ عام 2004 والتي تتضمن مجالات عديدة للتعاون الأمني والدفاعي وفي الوقت ذاته وجود شراكات دفاعية متميزة بين دول الخليج العربي والولايات المتحدة، من ناحية ثانية فإن المتتبع لمسار الأزمات الإقليمية الراهنة فإنها تظل بحاجة إلى عوامل ردع أو بالأحرى تحقيق مفهوم توازن القوى في ظل تنامي التهديدات الأمنية غير التقليدية والتي لدى الحلف والولايات المتحدة استراتيجيات بشأن مواجهتها، من ناحية ثالثة في ظل ما فرضته التهديدات الأمنية الإقليمية الراهنة والتي استهدفت أمن الطاقة، فإن ذلك كان مؤشراً جديداً على انتهاء الحدود الفاصلة بين مفهوم الأمن الإقليمي ونظيره العالمي وما يتطلبه ذلك من حتمية الاتفاق على آليات جماعية للحفاظ على ذلك المورد الحيوي.
إن الاحتياج الاستراتيجي المتبادل بين الولايات المتحدة وحلف الناتو من شأنه فرض استحقاقات متبادلة ستجد صداها في جدول أعمال قمة الحلف المتوقعة قبل نهاية العام الحالي.
سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر