سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
أدريان وولدريج
طالما كانت السياسة قائمة على العواطف والانفعالات بقدر قيامها على العقل والمصلحة الذاتية؛ فالكبار من رجال السياسة، أمثال وينستون تشرشل، كانوا قادرين على تحريك المشاعر الأكثر عمقاً. واللحظات السياسية الكبرى، مثل مسيرة نيلسون مانديلا نحو الحرية من سجنه في جزيرة روبن، هزَّت وجدان الناس وأعماقهم.
غير أن العواطف قد تخرج أحياناً عن السيطرة، وتؤدي بذلك إلى إقصاء العقل وإلحاق الضرر بالمصلحة الذاتية؛ ففي ثلاثينات القرن الماضي، وقعت دولتان من أكثر دول العالم حضارة؛ وهما إيطاليا وألمانيا، تحت وطأة نوبة عارمة من الاستثارة العاطفية، وكادتا تُسقطان العالم بأكمله في هوة سحيقة. وثمة مؤشرات مقلقة تدل على أن العاطفة السياسية باتت تتسنم الذروة وتسيطر من جديد، مدعومة بشكل مضاعف بواسطة أشكال جديدة من الذكاء الاصطناعي.
ويتحاور السياسيون في تيارَي اليسار واليمين على حد سواء وبشكل روتيني، بلغة حادة ومباشرة، عن “الأصدقاء” و”الأعداء”. كما يخرج التقدميون والقوميون بانتظام إلى الشوارع في مسيرات حاشدة.
ولماذا يعيش هذا العدد الكبير من الناس تحت تأثير هذه العاطفة الجياشة؟ السبب المباشر والأساسي أننا نسينا دروس ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، وفككنا تدريجياً الحواجز والضوابط التي أقامها جيل ما بعد الحرب، بألمه وحكمته، لمنع التاريخ من تكرار نفسه. فقد فكك اليمين الآليات التي أرساها جون ماينارد كينز وغيره لتلطيف الجوانب القاسية من الرأسمالية. وألقى اليسار بـ”السلطة للجمهور”، لا سيما في الانتخابات التمهيدية، متغافلاً عن أن الأكثر قدرة واستفادة من ذلك هم الحماسيون والمتطرفون.
وقد زادت سياسات الهوية من اشتعال الموقف الملتهب أصلاً؛ إذ ظن التقدميون أنه يمكن وضع قضايا العرق والجنس والميول الجنسانية في صميم السياسة دون المخاطرة بأي رد فعل عكسي. لكن اليمين لم يكتفِ بالرد على هذه المفاهيم الجديدة فحسب، وإنما أعاد إحياء مفاهيمه الخاصة مثل العقيدة والعلم والأسرة. وهل هناك ما هو أكثر تفجراً من تضارب الرؤى حول ما نثمنه أكثر من غيره بوصفنا بشراً؟ وهل هناك ما هو أقل انفتاحاً على السياسة القائمة على المساومة والتوافق؟
يُحمّل كثير من الناس الثورة التكنولوجية مسؤولية خلق عالمنا المليء بالعواطف الثائرة. ومع ذلك، فإن هذه الثورة تزيد الموقف اشتعالاً؛ فحجم المواد المتاحة بنقرة زر يشجع الناس على التقوقع داخل فقاعاتهم الخاصة، والتوقف عن الاستماع إلى من يشغلون فقاعات مغايرة. كما أن سهولة التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشجع الناس على تشكيل تكتلات تُعرف نفسها من خلال عدائها للتكتلات الأخرى. وتزيل وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً القيود والضوابط التي تمنع الناس من بث آرائهم الساخنة في القضايا الشائكة.
وقد عدّلت شركات الإنترنت نماذج أعمالها لتتوافق مع اقتصاد الانتباه، حيث تُعد الملاحظة والاهتمام البشري المورد الأكثر قيمة. وتشير إحدى الدراسات إلى أن كل كلمة عاطفية أو أخلاقية في تغريدة، تزيد من فرص إعادة نشرها بنسبة 20 في المائة. والطريقة المثلى للوصول إلى الانتشار الواسع على الإنترنت هي القول إن “أولئك” يهددون “نا” بطريقة خبيثة للغاية. وتتصرف شركات التكنولوجيا بهذه الطريقة؛ ليس لأنها شريرة بطبيعتها، وإنما لأنها مؤسسات تسعى إلى تعظيم أرباحها.
وقد طورت شركات التكنولوجيا أيضاً مجموعة قوية من الأدوات لاستغلال العواطف، عبر قياسها أو تحليلها أو التلاعب بها. وطالما تمكنت محركات البحث من إبراز وتتبع سجلات تصفحنا للإنترنت لبناء صور متكاملة عن تفضيلاتنا وأمزجتنا، ومن ثم بيع تلك المعلومات للمعلنين أو المؤثرين السياسيين. وقد جعل انتشار الرموز التعبيرية (الإيموجي)، التي يُستخدم منها 5 مليارات رمز يومياً، من عملية التنقيب هذه أكثر سهولة. غير أننا نشهد الآن تطورات متلاحقة وكبيرة فيما تسميه الدكتورة إيفا إيلوز، الأكاديمية في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس، “التقنيات العاطفية”.
فالتطبيقات الصحية القابلة للارتداء يمكنها رصد صحة الأفراد، بما في ذلك مستويات التوتر لديهم، من خلال مراقبة ضربات القلب والتنفس. كما يمكن لتطبيقات الصحة النفسية رصد علامات المشاكل العاطفية عبر الاستماع إلى نبرة صوت الأشخاص، بينما تستطيع تطبيقات التأمل مراقبة السلام الداخلي والحالة النفسية لديك. أما السيارات الذكية، فيمكنها مراقبة سائقيها لتقليل السرعة أو التحكم في عجلة القيادة إذا انخرطوا في شجار مع ركابهم، أو استسلموا لغضب الطريق. كذلك، ابتكرت شركات العلاقات العامة برامج تدريبية تستطيع، من خلال مراقبة حركة العين والرمش وتعبيرات الوجه الأخرى، إخبار الرؤساء التنفيذيين بما إذا كانوا يبدون صادقين من عدمه.
ثم هناك مفارقة الذكاء الاصطناعي: فالآلات الذكية التي يُفترض بها أن تكون ذروة العقل والمنطق، وعلى وشك الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، يمكن استخدامها أيضاً لتأجيج المشاعر والعواطف.
إن إخضاع الأهواء والنزعات السياسية للسيطرة يتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد تنظيم أفضل للإنترنت. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مقولة ألكسندر هاميلتون في المقالة الـ15 من “الفيدراليست”، والتي مفادها أن السبب في تأسيس الحكومة في المقام الأول أن “أهواء البشر ونوازعهم لن تخضع لإملاءات العقل والعدالة دون قيود وزواجر”. كما أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في بعض الافتراضات الأساسية التي سادت فترة ستينات وسبعينات القرن العشرين؛ فهل من الحكمة نقل السلطة إلى الجماعات الناشطة؟ أم أن هناك فائدة وميزة للغرف المغلقة وصناع القرار التقليديين؟ وهل ينبغي للجامعات والمؤسسات العامة الأخرى أن تتخذ مواقف صريحة وحازمة بشأن قضايا الهوية الخلافية؟ أم ينبغي لها اختيار الحياد؟
المصدر: الشرق الأوسط
سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر