سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
محمد عبدالهادي شنتير
في السوق السياسي تنتهج القوى والأحزاب السياسية البراجماتية السلوك النفعي في طريقها نحو الاستحواذ على السلطة، مما ينعكس على تسويق خطابها كسلعة سياسية لكسب التصويت في الانتخابات العامة والمحلية. وتضحي الاتجاهات البراجماتية خطيرة عندما تستمر كسلوك في الحكم وإدارة شئون الدولة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب المصالح العامة. تختزل الأزمة السياسية الراهنة في تونس صعوبات الانتقال الديمقراطي التي عاشتها معظم التجارب الديمقراطية؛ فمنذ عام 2011، تبحث تونس عن التحول من حالة النظام السلطوي إلى تثبيت أركان التجربة الديمقراطية الوليدة، ولكن عبر حلول مرحلية توافقية، هذا من ناحية. كما أن هذه الأزمة تتجاوز حدودها وأبعادها الداخلية لتمتد إقليميا لمنطقة الشرق الأوسط ككل، إذ تعبر عن قضية الصراع السياسي بين مشروعين سياسيين للحكم اجتاحا المنطقة فى تاريخها المعاصر، أحدهما تحديثي ينحاز للدولة الوطنية ويمثله معظم نخب الروافد القومية واليسارية والليبرالية والقيادات التي أفرزتها المؤسسات الوطنية في الدولة، والآخر ديني يرى الدولة في مفهومها الأممي العابر للقوميات تحت حكم نظام الخلافة السياسية وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين كتيار رئيسي في حركات الإسلام السني السياسي، من ناحية أخرى. وقد لحقت بحركة النهضة انشقاقات داخل صفوفها الحركية والحزبية على وقع انقسامات بين قياداتها، وخلافات جيلية بين أعضائها، ذلك في ظل تنامي سخط التونسيين على السياسات الاجتماعية والاقتصادية للحركة.
بلغت الأزمة ذروتها عقب القرارات الاستثنائية للرئيس التونسي قيس سعيد لمجابهة “حالة خطر داهم مُهدد للبلاد” إعمالا للفصل (80) من الدستور في (25) يوليو الماضي. وقد لخص مسبقا الرئيس قيس موقفه ودوافع قراراته بتعليقه الشهير عن محاولة حركة النهضة “اختطاف الدولة”، إلى جانب تبعيتها للخارج وانتهاكها السيادة الوطنية. تغيرت حركة النهضة شكليا على مستوى الممارسة السياسية، وشهدت تجربتها الحزبية القصيرة تعاريج براجماتية كثيرة. فإلى أي مدى انعكست التطورات السياسية الأخيرة على تفاقم الانشقاقات داخل حركة النهضة؟، وكيف تواجه حركة النهضة هذه التداعيات؟، وما دلالاتها؟
أولا- البراجماتية وتحولات النهضة من الحركة إلى الحزب السياسي:
تثير حركة النهضة الجدال وعلامات التعجب؛ فهي تمثل حركة إسلامية فى إطار جماعة الإخوان المسلمين ذات الدعوة العابرة للحدود السياسية والنافية لوجود الدولة الوطنية. ومبكراً، شهدت الحركة داخلها تيارًا فكريًا تجديداً هو “الإسلاميون التقدميون”، ثم تحولت إلى حزب سياسي يعلن عن عدم توظيف “المجال الديني”، على نحو ما جاء فى وثيقة المؤتمر العاشر للحركة، في 20 مايو 2016، من “فصل السياسى عن الدعوى” وإعادة تعريف وهيكلة الحركة. وقاد راشد الغنوشى هذا التحول الظاهرى للتموضع داخل الحياة السياسية.
تتسم حركة النهضة بالبراجماتية السياسية والجنوح نحو سياسات المنطقة الوسطى، واستفادت من مآلات الواقع الجديد الذى فرضته الثورة فى أواخر 2010، والتي كانت نقطة تحول جوهرية بالنسبة لقياداتها. وهناك مجموعة من العوامل أسهمت في التحول التدريجي، منها:
– التعاطي مع نمط الثقافة السياسية السائد في المجتمع التونسي من حيث التعددية والسيولة السياسية، وهي عوامل، من ناحية، قد أظهرت قدرة الحشد والتعبئة للروابط المدنية، مثل اتحاد الشغل، ومن ناحية أخرى، الصعود المفاجئ -بالنسبة لحالة تونس- للتيار السلفى والمناوئ لجماعة الإخوان المسلمين، مما دفع الحركة إلى استرضاء قطاعات عريضة من المواطنين التونسيين.
– أرجأ الدستور التونسي أموراً كثيرة في قواعد اللعبة السياسية للبت في مرحلة التطبيق وخيار التوافق السياسي، مما هيأ هيكل الفرصة السياسية لحركة النهضة لأن تكيف تدريجيا مطالب الثورة التونسية مع أهدافها الخاصة، وزيادة فاعليتها السياسية.
– محاولة قادة النهضة إظهار وجه مغاير عن “الإسلام السياسي” من خلال تبني مفهوم “الإسلام الديمقراطي” والحصول على استحسان النخب الغربية، ولكن انعكس ذلك سلباً على مسألة نفور عدد ليس بقليل من الجمهور الإسلامي المحافظ.
– سعي قادة حركة النهضة إلى تجنب فشل تنظيم الإخوان الإرهابي في مصر، وتوالي مؤشرات انحسار الجماعة في المنطقة العربية من خلال تغيير الأولويات السياسية للحركة.
بيد أن استمرار النقاش الفكري والتنظيمي داخل الحركة بشأن العلاقة بين السياسى والدعوى ليس سوى أحد المؤشرات الدالة على صعوبة مغادرة حركة النهضة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين “عقليا وقلبيا” على الأقل. فالحقيقة أن الولاء هو للجماعة الدينية ومؤسسها الأول ولا يفصل بين فروع الجماعة مكانياً إلا حدود الرقعة الجغرافية التى يقطنها أعضاؤها. وتجدر الإشارة إلى إخفاق سياسات حركة النهضة في تلبية احتياجات المواطنين الذين يعانون أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة أو تقصيرها في الاستجابة لمطالبهم.
ثانيا- عوامل تصاعد انشقاقات حركة النهضة ودلالاتها:
تشهد حركة النهضة انقسامات رأسية في صفوفها من حيث مستوى التنظيم الهرمي للحركة، والتفاوت الجيلي على مستوى العضوية. ويتمثل المأزق الحالي للقيادة التنظيمية في كيفية إعادة التوازن بين الطابع الإسلامي وعدم التفريط في عقيدة التنظيم ومبادئه، والتي كثيرا ما عدت مصدر إضفاء الشرعية على الحركة أمام جمهورها من الأصوليين والمُستقطبين الجدد، والصورة الديمقراطية التى تريد أن تكرسها لتحقيق منافع الوصول للسلطة والتمكين للحركة. فقد عانت النهضة قبل الانتخابات البرلمانية في عام 2019، انشقاقات واستقالات بعد “الانقلاب الداخلي” على تشكيل القوائم المترشحة للانتخابات، والتي حصلت فيها النهضة على (54) مقعدا من أصل (217) مقعدا برلمانيا. ويذكر أنه قد فشلت الحركة في تحقيق الهيمنة الجهوية والبلدية على الولايات التونسية في الانتخابات البلدية 2018.
القرارات الرئاسية الاستثنائية وتفاقم الانشقاقات:
عمقت القرارات الرئاسية الإصلاحية من الانقسامات في صفوف حركة النهضة. وقد تمثلت أهم تداعيات هذه القرارات على الانشقاقات النهضوية فيما يلي:
– تجميد نشاط البرلمان الذي يمثل نقطة الارتكاز بالنسبة لحركة النهضة، بالنظر إلى ترؤوس راشد الغنوشي المؤسسة التشريعية وهيمنة كتلته على قرارات مكتب البرلمان.
– أدركت حركة النهضة أن اعتماد أسلوب العنف وتحريض الشارع ضد قرارات الرئيس لن يثمر شيئا، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة أن الرئيس قيس سعيد يحظى بشعبية واسعة، كما قوبلت قراراته بردود أفعال إقليمية ودولية داعمة. لذلك، لجأت إلى التراجع والهدوء النسبي.
دلالات انشقاقات حركة النهضة:
تكشف الانقسامات السابقة والانشقاقات الراهنة في حركة النهضة عن مجموعة من الدلالات البالغة الأهمية، نجملها على النحو التالي:
– الانقسامات الجيلية وتصاعد حدة الخلافات داخل حركة النهضة بين قيادات تاريخية وجيل الشباب الحالي.
– الانقسام المؤسسى ووجود حالة من الاستقطاب والخلاف داخل تنظيم النهضة بين تيار قريب من الغنوشي، وتيار آخر يضم باقي القيادات والأعضاء المعارضين للغنوشي.
– تزايد احتمالات خسارة الحلفاء السياسيين داخل البرلمان، خاصة حزب قلب تونس. – يتزامن ما سبق مع تراجع شعبية حركة النهضة داخل المجتمع التونسي.
ختاما، تكشف التطورات السياسية عن استمرار الرئيس في الإصلاحات السياسية وإنقاذ للبلاد من النخبة السياسية الفاسدة، خاصة في ظل زيادة الدعم الشعبي والتأييد الحزبي داخل البلاد، والمساندة الخارجية للقرارات الرئاسية، واعتراف بعض قادة حركة النهضة بمسئولية قيادتها عن تدهور أداء الحكومات المتعاقبة، مما يرجح ذهاب تونس إلى انتخابات برلمانية مبكرة وتعديل الدستور، مع احتواء التيارات والقوى المعتدلة وتحقيق التعددية في النظام السياسي. مع التأكيد على أن أي ترتيبات جديدة أو تكميلية بين الرئاسات الثلاث والأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني لا بد أن تضع في سلم أولوياتها مصلحة المواطنين وتحسين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية والاقتصادية، ورفع مستوى أداء الخدمات العامة، والحفاظ على استقلال التراب الوطني وسيادة الدولة التونسية. فالمواطن الذى أراد الحياة وأسقط الاستبداد لا يرضيه إلا العيش بكرامة والتمتع بحرياته وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية، ولا يقبل أن تتجاذبه صراعات النخب السياسية أو الحزبية.
ومع تراجع شعبية النهضة، وإمكانية تصاعد انشقاقات مستقبلية، باتت حركة النهضة بين “شقي الرحاى”؛ فإذا تنازلت عن ما تبقى من أيديولوجيتها مجددا، أو انخلعت تماماً عن الإسلام السياسي، أو حتى إذا تنحى الغنوشي وغيرت قيادتها، فإن مستقبلها سيكون رهينا بقبولها مجددا من الشعب التونسي. كما أنه قد يواجهها من جانب آخر أزمات قضائية، منها: ملف التمويل الأجنبي، وتورط الجهاز السري للحركة في قضايا اغتيالات سياسية واتهامه بالتجسس والتخابر، وربما تتعرض الحركة إلى التجميد أو الحل قضائيا.
المصدر: مجلة السياسة الدولية
سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر