مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - الاقتصاد الإعلامي الخفي

الاقتصاد الإعلامي الخفي

التاريخ والوقت : الإثنين, 9 مارس 2026

د. تركي بن علي آل رشيد*

في اللحظة التي تشتعل فيها أزمة، ثمة جماعة لا تلوذ بالملاجئ، بل تفتح شاشاتها وتبدأ في عدّ المشاهدات والنقرات. فالأزمة عندهم فرصة اقتصادية لا تتكرر.

هذا ليس اتهامًا، بل وصف لما يحدث في كل مرة يواجه العالم حربًا. فحين بدأت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران في 28 فبراير 2026، كان هناك من يحصي إيراداته الإعلانية، ومن يصمم فيديو بالذكاء الاصطناعي للمعركة ليبيعه للخوارزميات.

الأزمات الكبرى في عصرنا لا تُدار على جبهة واحدة. فإلى جانب الميدان، ثمة جبهة أخرى لا تقل ضراوة، هي جبهة الفضول البشري، وفيها يُقاس النصر بالمشاهدات. حيث تتحوّل نشرات الأخبار إلى آلة ضخّ لا تتوقف طالما استمر التصعيد، والقنوات الإخبارية الكبرى تحفظ هذه المعادلة عن ظهر قلب.

حين اندلعت أحداث العراق عام 2003، قفزت مشاهدات Fox News بنسبة 379% في الأسابيع الأولى، وأنهت العام بنمو 45% في إجمالي مشاهدتها. وكررت CNN نفس الاستفادة حين اندلعت حرب روسيا وأوكرانيا عام 2022، إذ نمت مشاهداتها بنسبة 68% خلال الربع الأول من 2022. وفي أكتوبر 2023 مع حرب غزة، تدفّق المشاهدون نحو الشاشات التليفزيونية والإلكترونية بأرقام رأى فيها المحللون وميض الذهب لا دخان الميدان. ثم جاء مارس 2026، فسجّلت Fox News أعلى نسبة مشاهدة (يوم سبت) منذ أكثر من عشرين عاماً.

الرابط بين كل هذه الأمثلة أن هناك توتر يُنتج مشاهدات، والمشاهدات تجلب إعلانات، والإعلانات تدر أرباح تذهب إلى أطراف قد لا تكون منخرطة بالنزاعات.

لكنّ القنوات التلفزيونية باتت تمثّل الجزء الأقل أهمية في المعادلة، لأن ما جرى بالمنصات الرقمية كان أكثر إثارةً للتأمل. حين بدأت الحرب على إيران، أعلن إيلون ماسك أن منصة X سجّلت أعلى استخدام في تاريخها على الإطلاق. تلك المليارات من ثواني الاستخدام تنتج مليارات من مرات ظهور الإعلانات، والتي بدورها تدر ملايين الدولارات، والمنصة لم تُشارك في أي عملية، لكنها كانت المستفيد المالي المباشر من كل تصعيد.

الأمر لا يقف عند المنصات العملاقة، بل يمتد للحسابات الفردية وصانعي المحتوى. فقد كشفت دراسة نُشرت عام 2025 بعنوان The Algorithm Loves the War أن الخوارزميات تدعم محتوى مناطق التوتر وتوزّعه بسرعة تفوق أي محتوى آخر. ووثّقت دراسة نشرت عام 2025 بعنوان The rise of war influencers ظهور فئة جديدة أسمتها war influencers (أي مؤثرون متخصصون في تحويل الحروب إلى محتوى إعلامي قابل للانتشار وتحقيق الأرباح).

التطور الأكثر حدةً كان ظهور مقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الاصطناعي يبيعها أصحابها على أنها تصوير حيّ من قلب الأحداث، وكل مشاهدة وإعادة نشر تُترجَم إلى إيرادات. وأشهرها فيديو لصاروخ إيراني يستهدف طائرة أمريكية، حصد ملايين المشاهدات، قبل أن يتضح أنه مقتطع من لعبة فيديو ومعالَج بالذكاء الاصطناعي. وهذا ليس تضليل فحسب، بل نموذج عمل يتكون من: محتوى مثير + خوارزمية جائعة + نظام دفع لصانعي المحتوى = ربح موثّق من الأحداث الطارئة.

ما يجمع هذه المنصات أن أصحابها لم يُشاركوا في أي عملية، بل ضخّت الأزمة في حساباتهم ما لم يضخّه أي حدث عادي، وهو ما يُعرِّفه الاقتصاديون بـ”رأس مال الأزمة” أي أن يكون للنزاعات مستفيدون يُحوّلون التوتر إلى أرقام خضراء في قوائمهم المالية.

المنصات الإعلامية تمتلك النافذة التي ينظر منها الناس للأحداث، وهي قادرة على تحفيز اهتمامات الأفراد المدفوعين بالخوف وقت النزاعات.

 

*أستاذ الإعلام والاتصال المساعد – خبير إعلامي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر