سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
أ.د. محمد بن عبدالله العضاضي
في الاقتصاد الرقمي، لم يعد الابتكار يُقاس بعدد الإعلانات عنه، ولا بحجم الزخم الإعلامي المصاحب له، بل بقدرته على خلق قيمة قابلة للقياس، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتعزيز الإنتاجية. ففي زمن تتسارع فيه وتيرة الإعلان عن المبادرات قبل اكتمال جاهزيتها، يبرز الابتكار الهادئ كأحد أهم محركات النمو المستدام في الدول المتقدمة.
الابتكار، من منظور اقتصادي، هو عملية استثمار طويلة الأجل، تبدأ بتحديد فجوة واضحة في الأداء أو السوق، ثم تطوير حل عملي يخضع للاختبار والتحسين قبل التوسع. وهذه العملية لا تتوافق غالبًا مع إيقاع العناوين السريعة، لكنها الأكثر قدرة على تحقيق عائد استثماري مستدام، وتقليل المخاطر التشغيلية، ورفع كفاءة استخدام الموارد.
التجربة تثبت أن تسويق الأفكار قبل نضجها يرفع سقف التوقعات دون أن يرفع الجاهزية. فالمبادرات الرقمية غير المكتملة، مهما حظيت باهتمام إعلامي، تواجه تحديات حقيقية عند التطبيق، سواء على مستوى التكلفة، أو التكامل التقني، أو القبول المؤسسي. في المقابل، فإن الحلول التي تُبنى بهدوء، وتُختبر على نطاق محدود، ثم تُوسّع تدريجيًا، هي الأكثر قدرة على الاستدامة وتحقيق أثر اقتصادي فعلي.
في الاقتصاد الرقمي، لا يكون الابتكار دائمًا منتجًا جديدًا أو منصة ضخمة، بل قد يكون إعادة تصميم عملية، أو أتمتة إجراء، أو استخدامًا ذكيًا للبيانات يقلل الهدر، ويختصر الزمن، ويحسن جودة القرار. هذه التحسينات التراكمية، رغم هدوئها، تشكّل مصدرًا رئيسيًا لرفع الإنتاجية وتعظيم العائد، وهي جوهر التنافسية الحديثة.
الضجيج الرقمي، الذي تسهّله المنصات اليوم، غالبًا ما يصنع نجاحات مؤقتة لا تصمد أمام مؤشرات الأداء. فالمشروعات التي تعتمد على الترويج أكثر من القياس، وعلى الظهور أكثر من التنفيذ، سرعان ما تتراجع عند أول مراجعة مالية أو تشغيلية. أما الابتكار القائم على بيانات دقيقة، وتجارب واقعية، ومؤشرات أداء واضحة، فيفرض نفسه بنتائجه لا بخطابه.
وهنا تبرز أهمية البيئة المؤسسية الداعمة للابتكار الهادئ، تلك البيئة التي تسمح بالتجربة وتكون قليلة المخاطر، وتشجع التحسين المستمر، وتربط الابتكار بمؤشرات أداء واضحة، لا بشعارات عامة. في مثل هذه البيئات، يتحول الابتكار من نشاط جانبي إلى أداة إستراتيجية لخفض التكاليف، ورفع الكفاءة، وتحسين جودة الخدمات.
وفي سياق التحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية، أصبح الابتكار الرقمي عنصرًا محوريًا في رفع كفاءة الإنفاق، وتحسين الخدمات، وتنويع مصادر الدخل. غير أن التحدي لا يكمن في عدد المبادرات، بل في جودة تنفيذها، وقابليتها للتوسع، وقدرتها على تحقيق أثر اقتصادي قابل للقياس ومتوافق مع مستهدفات التنمية.
فالتحول الحقيقي لا تصنعه الحملات الإعلامية، بل تصنعه فرق تقنية وتشغيلية تعمل داخل المؤسسات، تطور الأنظمة، وتعيد هندسة الإجراءات، وتوظف البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين القرار وتجربة المستفيد. هذه الجهود، رغم هدوئها، تنعكس مباشرة على مؤشرات الأداء، وتعزز كفاءة الاقتصاد ككل.
الابتكار الهادئ في الاقتصاد الرقمي يشبه الاستثمار طويل الأجل إلا أن عوائده قد لا تظهر سريعًا، لكنها أكثر استقرارًا وأقل مخاطرة. أما الابتكار القائم على الضجيج، فعادة ما يحقق مكاسب آنية قصيرة العمر، سرعان ما تتلاشى عند أول اختبار للسوق أو الكفاءة.
وأخيراً، مع تسارع التحول الرقمي، تزداد الحاجة إلى ثقافة اقتصادية تُقدّر الحلول القابلة للتطبيق أكثر من العناوين، وتُقيس النجاح بالأثر لا بالظهور، وتربط الابتكار بالإنتاجية لا بالضجيج. فالمستقبل الاقتصادي لا تصنعه الأصوات الأعلى، بل الحلول الأذكى، والقرارات المبنية على بيانات، والعمل المؤسسي الهادئ القادر على تحويل الأفكار إلى قيمة مستدامة.
المصدر: الاقتصادية
سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!
تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر