الإرهاب والعولمة.. كيف يمكن فهم هذه العلاقة المعقدة؟ | مركز سمت للدراسات

الإرهاب والعولمة.. كيف يمكن فهم هذه العلاقة المعقدة؟

التاريخ والوقت : الأحد, 16 يناير 2022

سعود الشرفات

قليلة هي الكتب الأكاديمية الرصينة، سواء باللغة العربية أو باللغات الأخرى، التي تناولت موضوع العولمة والإرهاب بشكل مباشر.  

والكتاب الذي نعرض له هنا “الإرهاب والعولمة.. مقاربات تاريخية” هو من هذه القلة لمؤلفته الفرنسية جاني رافليك، بترجمة وتقديم معز مديوني، ومراجعة ناجي العونلّي، عن منشورات دار الجمل العراقية، الطبعة الأولى 2021، وقد صدرت طبعته الأولى باللغة الفرنسية العام 2016.

يشير المترجم أنّ علاقة الإرهاب بالعولمة لم تُثر فضول المؤرخين والسياسيين وحسب بل غدت موضوع نظر فلسفي

يتألف الكتاب من 491 صفحة، مقسمة إلى مقدمة للمترجم، ومقدمة للمؤلف، ويتكوّن فهرس الكتاب من (3) أبواب، وخاتمة، وقائمة بالمراجع والمختصرات.

 جاء الباب الأول ‏تحت عنوان: “من الأمس إلى اليوم، من العالمي إلى الكوكبي”، وشمل عدداً من العناوين الفرعية؛ وهي: الإرهاب العالمي، و”العبوطني”، والكوكبي، ومفهوم العالمية المضادة للإرهاب.

 أمّا الباب الثاني، فقد حمل عنوان: “اليوم والأمس، الديناميكيات الإرهابية والعولمة”، وشمل العناوين الفرعية: الإرهاب تجاوز الحدود دوماً، وأسطورة الإرهابي روبن هود، وهل الإرهاب تربة لتربية الإرهاب؟

وحمل الباب الثالث عنوان: “الإرهاب والعلاقات الدولية”، واشتمل على عدد من العناوين الفرعية مثل: هل الإرهاب برادايم جديد في العلاقات الدولية، والديمقراطيات الغربية في مواجهة الفخ الإرهاب، وهل الإرهاب استراتيجية الفشل؟  

يشير مترجم الكتاب في مقدمته إلى حقيقة مهمّة في دراسة الإرهاب، ألا وهي “أنّ البحث في علاقة الإرهاب بالعولمة أو الكوكبة، بصفتها مرحلة متقدمة من العولمة، لم تُثر فضول المؤرخين والسياسيين وحسب، وإنّما هو أيضاً موضوع نظر فلسفي”.

أمّا في المقدمات التي وضعتها المؤلفة، فقد أشارت إلى ما سمّته النشأة العسيرة للموضوع، وأنّه موضوع يزداد رسوخاً وانفلاتاً. وهي كمثل معظم المؤلفين في الموضوع لم تستطع الخروج عن طرح أسئلة علاقة الإرهاب بالعولمة، ودور أحداث 11 أيلول (سبتمبر)2001م في دخول الحياة العامّة لكل المجتمعات مباشرة أو من خلال كثرة من مفاعيله الثانوية. ثمّ تتحدث عن تبدل أشكال الإرهاب، ولا تنسى أن تركز على مسألة صعوبة تعريف الإرهاب وتعدد هذه التعريفات، وتعدد التأويلات، وتعود إلى القواميس الفرنسية القديمة والإنجليزية في القرنيين الـ18 والـ19، التي عرّفت الفعل الإرهابي، مثل قاموس لاروس، وقاموس أكسفورد، وتأكيد الأصل اللاتيني للكلمة التي لم ترَ النور إلا مع الثورة الفرنسية (ص15).

         المؤلفة اختصرت الكثير من الجدل حول مسألة صعوبة تعريف مفهوم الإرهاب الماثل حتى الآن

ثمّ تتحدث عن الصعوبة القانونية في تعريف الإرهاب، ومحاولات الأمم المتحدة بهذا الشأن وتقول: “إنّ تحليل أرشيف الأمم المتحدة في هذه المسألة يقف خلفه الأسئلة الخاصة بالصراع   الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فهو يعود إلى التساؤل عمّن يُعدُّ إرهابياً، هل هم الإسرائيليون أم الفلسطينيون؟ وبما أنّه من المستحيل إقامة اتفاق بهذا الشأن، فلا يمكن صياغة تعريف للإرهاب” (ص 26).

 وبحديثها هذا؛ أظن أنّ المؤلفة قد اختصرت الكثير من الجدل حول مسألة صعوبة تعريف مفهوم الإرهاب الذي ما يزال ماثلاً أمامنا حتى الآن، ومن هنا تأتي صعوبة تعيين الفواصل والحدود التي تواجه الباحثين في حقل الإرهاب عند الحديث عن الإرهاب، وحرب  التحرير، والعصابات، والعصيان.

لكنّها تؤكد على عنصرين مهمّين في تعريف الإرهاب يتفق عليهما كل الباحثين في الإرهاب منذ القرن الـ19 حتى اليوم، وهما: الطابع السياسي للإرهاب وأنّه مشروع سياسي، والثاني اعتماده على العنف. وهذان العنصران (السياسي والعنف) المرتبطان فيما بينهما، وفي علاقة توتر، هما متصلان بأمرين متزامنين (واحد يتأسس على الديمومة، والآخر على المباشر)؛ وبالتالي بديناميكيتين مختلفتين، لكنّهما يتصلان بعنصر ثالث، لا ينفصل عن سياق سيرورة العولمة” وتشير الباحثة إلى دور التاريخ، وبعض المتون والسرديات التاريخية لظاهرة الإرهاب في النصوص اليهودية التاريخية القديمة للجماعة الإرهابية اليهودية المعروفة بالسيكاريين أو الغيورين، وطائفة  الحشاشين (الإسماعيلية ـ النزارية) الإسلامية.

إنّ الاهتمام بدراسة الإرهاب بدأت في أوروبا منذ القرن الـ19 قبل الولايات المتحدة، رغم أنّ الإنتاج والتأليف العلمي حول دراسة الظاهرة يبدو أكثر في أمريكا، حيث طبقت الكثير من أساليب البحث، خاصة الدراسات الكمية الرياضية والإحصائية، والدراسات الاستشرافية، وتطبيق نظرية اللعب منذ 2002، بهدف توقع حصول العمليات الإرهابية.

عرضت المؤلفة الفرضيات والنظريات الغربية المتعارضة بشأن علاقة الإرهاب بالديمقراطية

تشير الباحثة في عنوان الباب الأول “الإرهاب العالمي، العبوطني (ترجمة المترجم لكلمة transnational  عبر قومي أو عبر وطني، للدلالة على الظواهر التي تتعدّى الحدود الترابية والثقافية) والكوكبي، إلى أنّ الإرهاب انتهازي، فهو يتعدى الحدود السياسية بغاية تعويضها بحدوده الخاصة، واستعمال المجالات الترابية (القومية) من أجل غاياته هو”.

وهكذا، فإنّ فكرة الإرهاب الكوكبي – وهي تقصد بالكوكبي هنا المرحلة الأخيرة في مسار العولمة- تبدو تابعة للفترة اللاحقة لعام 2001، وفكرة الإرهاب العالمي تابعة لأعوام السبعينيات والثمانينيات، بينما كان إرهاب الحركات الفوضوية في أوروبا في القرن الـ19 تابعاً لفكرة الإرهاب العبوطني (ص81).

وضمن هذه المصفوفة من العلاقات التاريخية والتقسيمات التي تختص أكثر ما تختص بنظريات العلاقات الدولية، تضع المؤلفة الجماعات والمنظمات الإرهابية التي نشطت عبر هذا الطيف الواسع من التقسيمات، وهي ترى أنّ تنظيم القاعدة هو أول تنظيم إرهابي كوكبي؛ لأنّه جمع أعضاء من جنسيات مختلفة لهدف كوكبي.

وتشير المؤلفة إلى نشأة التشريعات العالمية المضادة للإرهاب منذ 1927 في المؤتمر العالمي لتوحيد قانون العقوبات، وأنّ الكفاح ضد الإرهاب ينبع من مطلب العدالة أصلاً، وبالتالي من الحق. وتضيف بعد سرد طويل للجدل القانوني حول التعريفات للإرهاب أنّه كان ينبغي انتظار يوم 11 أيلول (سبتمبر) 2001 حتى يتغير الرأي العام وواقع العلاقات الدولية على الصعيد الكوكبي، باعتباره اليوم “الذي لم يسبق له مثيل في الإعلان عن مرحلة تصدٍّ عالمي للإرهاب” (ص160).

في الباب الثاني من الكتاب تركّز المؤلفة على فكرة أنّ الإرهاب أصلاً يحيل إلى فكرة الترهيب والخوف والانتماء إلى الفعل النفسي المتخطي للحدود الوطنية، وأنّ الإرهاب يرفض الحدود القائمة بين الدول والمجتمعات، “لكنّه يتجذّر إقليمياً، ومن الممكن أن يفضي إلى إعادة أقلمته”. وهي تشير بذلك إلى تجربة الجماعات الإرهابية الإسلاموية منذ عبد الله عزام، ثم تنظيم القاعدة، عبر فكرة الخلافة والأمّة الإسلامية (ص204).

وتناقش المؤلفة علاقة العولمة بالإرهاب، وأنّه دور معقد ومتناقض، وتمّت معالجته من بعض المؤلفين، لكنّه ما يزال موضوع جدال وسجالات بين الباحثين وأصحاب القرار، وضمن هذا السياق، تناقش دور التكنولوجيا الحديثة والعولمة الاقتصادية والإعلامية في الإرهاب، وتلاحظ أنّ تنامي الإرهاب، وتمويل العمليات الإرهابية، والدعاية والتجنيد، رافق الثورات الصناعية والتكنولوجية للقرنيين الـ19 والـ20.

وترى المؤلفة في الباب الثالث والأخير، ومن خلال قراءة لأعمال فرنسيس فوكوياما في “نهاية التاريخ”، وصامويل هنتنغتون “صدام الحضارات”، وأعمال جاك دريدا، ويورغن هابرماس، ومقارنة إرهاب فترة الحرب الباردة وما بعدها، أنّ الإرهاب اليوم هو برادايم جديد، يتّجه للعب دور رئيس على مستوى نظريات العلاقات الدولية، كما أنّه يظهر في مفترق عديد من الملامح المحددة للنظام العالمي”.

وحول علاقة الإرهاب بالديمقراطية، وهل الديمقراطيات أكثر عرضة للإرهاب‏؟ عرضت المؤلفة الفرضيات والنظريات الغربية المتعارضة بهذا الشأن، وتحدثت عن معضلة الأمن والحرية التي تواجه المجتمعات الغربية، وعن تسييس الإرهاب، وتوظيف العنف الإرهابي، وهل مكافحة الإرهاب حرب أم عمل بوليسي؟

وتشير المؤلفة إلى 3 أنواع تاريخية من الإرهاب؛ وهي: إرهاب الجماعات الفوضوية واليسار المتطرف في أوروبا في القرن الـ19، والإرهاب العرقي ـ الوطني، والإرهاب الهوياتي (الذي ينسب إلى الهوية)، وعلى رأسه حالياً الجماعات الإسلاموية (ص 438)، وأنّ ظاهرة الإرهاب المعاصر، وبالتالي الأنواع الـ3 التاريخية تولدت عن سيرورة العولمة منذ القرن الـ19.

في الخاتمة، يبدو الكتاب غنياً بالتفاصيل، ومفيداً لتأصيل بحث علاقة العولمة بالإرهاب العالمي، لكنّ نقطة ضعفه هي الإخراج، والترجمة، وصعوبة تتبع أفكار المؤلفة، وافتقار الكتاب إلى أيّ ترجمة للمؤلفة، وهي مؤرخة وأستاذة التاريخ المعاصر، متخصصة في تاريخ الإرهاب في جامعة نانت ـ فرنسا، ولذلك فقراءة الكتاب متعبة ومرهقة جداً حتى  للمختصّين.

المصدر: حفريات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر