مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - أوروبا لا تستطيع تجنب حلّ مُعضلات الذكاء الاصطناعي

أوروبا لا تستطيع تجنب حلّ مُعضلات الذكاء الاصطناعي

التاريخ والوقت : الأربعاء, 11 فبراير 2026

سونيا موزيكاروفا

عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، فإن أكبر تحديات أوروبا ليس وصول النماذج الأجنبية المتطورة المفاجئ أو انتشار المنصات الأمريكية والصينية في أسواقها. بل يكمن التحدي في اعتماد الاقتصاد السياسي الذي يحكم الذكاء الاصطناعي في عموم الأمر على ذات المجالات التي يتجلى فيها عجز أوروبا: القدرة على التوسع الصناعي، والقدرة الحاسوبية (مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية)، وسوق موحدة حقيقية تسمح بالتوسع الإستراتيجي.

لم يعد من الممكن تجاهل هذه النواقص، لأن هدف السياسة الأمريكية يتحول من “إدارة الصين” إلى “تخطي الجميع” على الصعيد العالمي. إلى جانب نظام مراقبة الصادرات، تهدف أحدث تعريفة جمركية بنسبة 25% على مجموعة مختارة من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة في ظل إدارة ترمب إلى اجتذاب مزيد من الاستثمارات في إنتاج أشباه الموصلات المتطورة للعودة إلى الداخل، بما يجعل التصنيع المحلي في الولايات المتحدة أكثر قدرة على المنافسة ويسرع من تطوير بنيتها الأساسية في مجال الذكاء الاصطناعي.

لقد تجاوزت الولايات المتحدة الاعتقاد بأن الأسواق ستعمل على تحسين سلاسل التوريد. فهي تفرض ضوابط على الصادرات إضافة إلى إعانات الدعم، والحوافز الضريبية، وسياسات الشراء لإعادة تشكيل أماكن تصميم، وتصنيع، ونشر الرقائق الإلكترونية. في الوقت ذاته، تعمل الصين على طرح “مسرعات الذكاء الاصطناعي” المحلية (رقائق جديدة)، وتوسيع قدرات التصنيع، وربط بنية الذكاء الاصطناعي الأساسية بإقراضها الخارجي ودبلوماسيتها الاقتصادية.

الآن، تجد أوروبا نفسها محصورة بين قوة تحريفية عدوانية (روسيا) تختبر بالفعل دفاعاتها وإدارة أمريكية مستعدة لاستخدام ارتباطاتها في مجالات الصناعة والبنية الأساسية والتجارة مع القارة كسلاح. إذا استغلت الولايات المتحدة قدرتها على الوصول إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة قسريا، فقد تكون التأثيرات فورية.

قد تواجه شبكات الدفاع الأوروبية، وأنظمة الاستخبارات، والمستشفيات، والأسواق المالية، والشركات الصناعية قيودا مفاجئة على الخدمات السحابية الحيوية، مع قِلة من البدائل المحلية.

نظرا لهذه المخاطر، يتعين على أوروبا أن تتجاوز تركيزها على التميز التنظيمي، وتصنيفات المخاطر، وأنظمة الامتثال. ما لم تحقق تقدما جادا في تشييد البنية الأساسية المادية والمالية التي تحتاج إليها صناعة الذكاء الاصطناعي الأوروبية المحلية، فإن هذه الشواغل ستتحول إلى عبء أكثر من كونها ميزة.

النبأ السيئ هنا هو أن أوروبا لا تستطيع تغيير مسارها بين عشية وضحاها. الواقع أن تكلفة إنشاء مركز بيانات واحد متطور قد تتجاوز بسهولة مليار يورو (1.2 مليار دولار) وقد يستهلك مقادير من الطاقة أكثر من تلك التي تستهلكها مدينة أوروبية متوسطة الحجم، كما أن إنشاء مصنع متطور (منشأة لإنتاج الرقائق الإلكترونية) يتطلب الآن أكثر من 20 مليار يورو من النفقات الرأسمالية الأولية.

لكن أسعار الطاقة في أوروبا مرتفعة بالفعل، وأسواق رأس المال الاستثماري هناك ضحلة، والبنية الأساسية السحابية تهيمن عليها شركات أجنبية، وتظل أهدافها في مجال أشباه الموصلات طموحة إلى حد كبير. تشير تقديرات إحدى التحليلات الحديثة إلى أن تحديث صناعة الذكاء الاصطناعي في أوروبا يتطلب استثمارات تبلغ نحو 3 تريليونات يورو على مدار السنوات الخمس المقبلة.

أما الخبر السار فهو أن أوروبا لا تبدأ من الصفر. فهي تسيطر على عدد كبير من التكنولوجيات الحيوية. على سبيل المثال، تحتكر شركة ASML الهولندية مجال الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية، حيث تدعم أجهزتها خطوط الإنتاج الأكثر تقدما لشركتي TSMC وSamsung.

بعد الحوسبة، يعد رأس المال من المدخلات الأكثر ندرة في أوروبا في سباق الذكاء الاصطناعي. ولكن على عكس الحوسبة، من الممكن أن ينتقل رأس المال بسرعة استجابة للإشارات والحوافز السياسية. على الرغم من تأخر أوروبا في التكنولوجيا الشاملة وتمويل الذكاء الاصطناعي ــ اجتذبت شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية نحو 47 مليار دولار في 2024، مقارنة بنحو 11 مليار دولار للشركات الأوروبية ــ فقد أنتجت شركات بادئة عالية التقنية أكثر من تلك التي أنتجتها الولايات المتحدة بين 2019 و 2024 (وإن كانت قيمة الصفقات لم تتجاوز 62 مليار دولار في 2024، مقارنة بنحو 209 مليار دولار في الولايات المتحدة).

علاوة على ذلك، تنامى التمويل المخصص للذكاء الاصطناعي بالفعل من قاعدة منخفضة، حيث جمعت الشركات الأوروبية نحو 3 مليارات يورو عبر 137 صفقة في 2024، بزيادة تقرب من 35% على العام السابق. وارتفعت استثمارات رأس المال المخاطر في تقنيات الدفاع والأمن الأوروبية إلى مستويات قياسية، بما يعكس إعادة تقييم الصناعات الإستراتيجية في القارة.

يجب أن يبدأ الاتحاد الأوروبي في اللعب بقوة أيضا. وهذا يعني الاستفادة من قوة السوق الأوروبية من خلال ربط الوصول إلى السوق والمشتريات والموافقات التنظيمية بالتزامات محلية ملموسة ــ التعبئة المحلية، وبناء مراكز البيانات، والتجميع، أو مشاريع البحث والتطوير ــ كما فعلت الولايات المتحدة بموجب قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم مع شركة TSMC في أريزونا.

أخيرا، يتعين على أوروبا أن تتعامل مع الطاقة، والحوسبة، ونشر مراكز البيانات على أنها تحد تخطيطي واحد، وليست 3 قضايا منفصلة. يجب عليها أن تعمل على المواءمة بين الأسعار، والتراخيص، والبنية الأساسية بحيث تتمتع المصانع وتكتلات الحوسبة بطاقة كهربائية واتفاقيات شراء ومواقع يمكن التنبؤ بها. ما يدعو إلى التفاؤل أن ضمان مثل هذا الاتساق يقع ضمن نطاق قدرة المؤسسات الأوروبية.

الدرس المستفاد من التغييرات الأخيرة في سياسة الولايات المتحدة ليس أن أوروبا يجب أن تلغي الضوابط التنظيمية، بل أن التنظيم بدون الأجهزة، والقدرة الحاسوبية، ورأس المال يجعلها معرضة لخطر كبير في عالم يتسم بالتنافس الشديد. لا يزال بإمكان أوروبا اللحاق بالركب، ولكن فقط إذا بدأت في بناء القدرات التي تجعل التنظيم جادا.

المصدر: الاقتصادية

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر