مركز سمت للدراسات مركز سمت للدراسات - أفريقيا الوسطى وتحديات تحقيق العدالة ومكافحة الفساد

أفريقيا الوسطى وتحديات تحقيق العدالة ومكافحة الفساد

التاريخ والوقت : الإثنين, 26 أكتوبر 2020

إن جمهورية أفريقيا الوسطى وهي مستعمرة فرنسية سابقة قائمة على أساس نظام فرق تسد الاستغلالي تعد مثالاً حياً على كيفية خطف دولة ما وإعادة توظيفها ومن ثم تنظيمها لغايات النهب والسلب لمصلحة الغرباء إلى حد كبير فهل العدالة ممكنة في بلد لم يعرف سوء الإفلات من العقاب والدولة فيه هي عبارة عن آلة قاتلة؟

تتمتع جمهورية أفريقيا الوسطى بموارد طبيعة وفيرة بما في ذلك النفط واليورانيوم والخشب الثمين والمجوهرات والذهب ولكن تلك الموارد تقع تحت سيطرة شبكات إجرامية عنيفة مرتبطة بسياسيين محليين وحكومات أجنبية ومصالح تجارية تعتمد على شباب يائسين مدججين بالسلاح وهذا يشعل صراعاً إقليمياً إضافة إلى الاتجار بالأسلحة والموارد الطبيعية.

إلى جانب علاقات قادة جمهورية أفريقيا الوسطى بمثل تلك الشبكات الإجرامية، يعمل هؤلاء القادة على إثراء أنفسهم بشكل مباشر من خلال هياكل حكومية قاموا بصياغتها لتحقيق هدف وحيد وهو رعاية مصالحهم الشخصية وهم يستخدمون القوات المسلحة في البلاد – إضافة إلى الميليشيات – من أجل حماية سلطتهم وحتى لو أدى ذلك إلى استخدام العنف المفرط.

في هذا السياق، فإن مليارات الدولارات التي تتلقاها جمهورية أفريقيا الوسطى من المانحين ومنظمات الإغاثة كل سنة هي ليست أكثر من ضمادات إنسانية لمعالجة أخطر الجروح. لقد وضع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمؤشر التنمية البشرية في العام الماضي جمهورية أفريقيا الوسطى في المرتبة 188 من أصل 189 بلداً، كما تم تصنيفها أنها أسوأ بلد في العالم بالنسبة للشباب.

إن قصص السيدتين – ماري وأدجارا – تظهر مدى مأسوية الحياة في جمهورية أفريقيا الوسطى. إن ماري هي امرأة في أوائل العشرينيات ومنطقتها «محافظة الينداو الفرعية» غنية بالذهب، وتعد قاعدة لميليشيا وحشية من المقاتلين المتشددين. لقد شعرت ماري بالرعب من العنف هناك وعليه هربت مع 12 ألفاً آخرين إلى مخيم للمشردين بالقرب من الكنيسة في بلدة الينادو، وذلك بالقرب من مكان تمركز وحدة لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

اعتقدت ماري أنها وجدت الأمان ولكن عوضاً عن ذلك استيقظت في أحد الأيام لتجد الفوضى والعنف إضافة إلى شعورها بصدمة لا يمكن تصورها فلقد شنت الميليشيا هجوماً استخدمت فيه الأسلحة الأوتوماتيكية والقذائف الصاروخية ضد المخيم والكنيسة ما أدى إلى احتراقهما بالكامل وخلال الهجوم، تمكنت الميليشيا من قتل نحو 100 مدني بمن في ذلك طفلا ماري كما قاموا باغتصاب العديد من النساء وماري نفسها تعرضت للاغتصاب في أعقاب الهجوم، وأصبحت حاملاً نتيجة لذلك.

ادجارا هي امرأة في منتصف العشرينات من بانغاسو وهي مدينة رئيسة تقع بالقرب من احتياطات الذهب واليورانيوم وفي صباح أحد الأيام تمكنت ميليشيا طائفية متعصبة من اجتياح الحي المسلم الذي تقطن فيه، وبينما كانت تركض باتجاه المسجد، شنت الميليشيا هجوماً باستخدام المناجل ما تسبب في مقتل ابنها الرضيع الذي كانت تحمله بين ذراعيها، وبعد ذلك أخذوا ادجارا إلى غرفة واستمروا في اغتصابها مدة 72 ساعة وهي الآن تعيش في فقر مدقع وتطاردها ذكريات الأهوال التي عانتها.

إن الخلفية التي جاءت منها هاتان المرأتان تضعهما على طرفي النقيض في منطقة حرب ممزقة، ولكن عندما تم سؤالهما عن كيفية التصدي للعنف في بلادهما، ذكرت ماري وادجارا نفس الجواب وهو العدالة ولكن كيف؟

إن أوضح نموذج للعدالة هو النهج القانوني الذي يؤسس للمسؤولية الجنائية لأولئك المسؤولين عن ارتكاب تلك الانتهاكات، سواء في المحكمة الجنائية الدولية التي أكدت اتهامات بجرائم حرب ضد اثنين من أمراء الحرب في جمهورية أفريقيا الوسطى أو في المحكمة الجنائية الخاصة وهي هيئة هجينة ضمن البلد نفسه، ولكن العدالة الجنائية نفسها قد تكون بطيئة بشكل مؤلم وعادة قلة من أفراد الميليشيا من الرتب المتدنية هم من يواجهون العدالة.

إن نهجاً آخر قد يركّز على العقوبات التي تستهدف الشبكات والتي يجب أن تبدأ باستهداف الشبكات خارج جمهورية أفريقيا الوسطى – الاستغلاليون الأجانب الذين يسعون لتحقيق الربح الفاحش وأعضاء المنظمات الإجرامية – والمتواطئة في الاستغلال العنيف هناك. إن البنوك الدولية المهددة بالعقوبات من قبل الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لتعاملها بالمال القذر، يجب أن تزيد من إجراءاتها للتحقق من التعاملات المالية المرتبطة بجمهورية أفريقيا الوسطى وذلك من أجل الإبلاغ عن أي عمليات غسيل أموال محتملة من قبل مهربي الموارد الطبيعية والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

يمكن أيضاً فرض العقوبات على أولئك المتورطين داخل جمهورية أفريقيا الوسطى في سرقة المساعدات وتحويلها لأغراض أخرى وفي الوقت نفسه فإن بإمكان الحكومات والمؤسسات المانحة – وخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي – ربط المزيد من المساعدات بتحقيق معايير طموحة تتعلق بالحوكمة ومكافحة الفساد. إن آليات تدقيق الحسابات الفعالة ستساعد على التحقق من أنه لن يتم تحويل الأموال والإمدادات لأغراض أخرى.

 

المصدر: صحيفة البيان

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر