مركز سمت للدراسات مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة وتوليد الكهرباء ورؤية السعودية 2030 | مركز سمت للدراسات

مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة وتوليد الكهرباء ورؤية السعودية 2030

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 20 فبراير 2018

كتب: نظمي الخميس وإيمان أمان

1- مقدمة

تشدد رؤية السعودية 2030 على إدراج مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، وهي الألواح الشمسية والطاقة الشمسية المركزة وطاقة الرياح، في الشبكة الكهربائية ومزيج الطاقة السعودي كخيار استراتيجي. إن الزيادة المطردة في استهلاك الكهرباء، ونضوج بعض تكنولوجيات المصادر، جعلت الاستثمار أكثر ملاءمة. إن إحداث اختراق كبير لمصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في الشبكة الكهربائية، يعتمد على المواءمة بين التكلفة المعدلة على المدى القصير، وتكاليف زيادة مرونة الشبكة على المدى المتوسط، والمنافع المستقاة من إدراجها ككبح التغير المناخي وأمن الطاقة وذلك على المدى الطويل. فقرار إدراجها هو قرار استراتيجي لا تقطف منافعه، إلا في المستقبل.

فيما يلي استعراض لتكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، لفهم مدى نضوجها، أو ما يمكن أن تكون عليه في المستقبل، ومن ثم عرض لاقتصاداتها عند حدوث إدراج بسيط لها، أو عند حدوث اختراق كبير والأمور الممكنة لهذا الخرق، ومعوقات إدراجها وسياسات دعمها. ثم ننتقل للحديث عن مستقبلها، يتبع ذلك ما تطرحه “رؤية السعودية 2030” من مستقبل هذه التكنولوجيات.

2- تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة

تستمد الأرض جزءًا يسيرًا من الطاقة الشمسية، يُقدر بحوالي  على شكل أشعة ضوئية من مقدار الطاقة الناتجة عن الاندماج النووي للهيدروجين في الشمس البالغة حوالي. ويشكل هذا المقدار اليسير، طبيعة الحياة على وجه الكرة الأرضية. ففي مجال الطاقة، ساهمت هذه الطاقة في تكوين الوقود الأحفوري في باطن الأرض. وأيضًا، تساهم في تكوين الرياح الجيوستروفية وإمكانية توليد طاقة الرياح منها، وإمكانية الاستخدام المباشر لها في تكنولوجيا الألواح الشمسية وتكنولوجيا الطاقة الشمسية المركزة. وتستمد هذه الأنواع الثلاثة، صفات التغايرية وعدم الاستمرارية لتباين استقبال هذه الأشعة الضوئية في الوقت والمكان على سطح الكرة الأرضية.

2.1- تكنولوجيا الألواح الشمسية

يرجع اكتشاف ظاهرة التأثير الكهروضوئي إلى عام 1887، حيث قام العالم الألماني هنري هيرتز، بإجراء تجربة لتوليد موجات كهرومغناطيسية، حيث استطاع من خلالها توليد تيار كهربائي بين قطبين كهربائيين بينهما مسافة صغيرة نسبيًا. ولفهم أعمق لهذه الظاهرة، قام العالم الفذ ألبيرت أينشتاين، بتفسيرها عن طريق نظرية الكم التي نال على إثرها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921. وفي عام 1954، قامت مختبرات “بل” في أميركا بابتكار أول خلية سيلكون قادرة على توليد تيار كهربائي. وفي عام 1958، استخدمت وكالة “ناسا” خلايا سيلكون في القمر الصناعي “يو إس فان جارد” في الفضاء الخارجي لتشغيل أجهزة الاتصال. أمَّا أول استخدام تجاري على الأرض، فكان عن طريق شركة “شارب” اليابانية، عام 1963، حيث استطاعت صنع لوح شمسي بقدرة W242.

خلية السيلكون البلوري، الأكثر استخدامًا، تتكون من رقاقتين من السيلكون عالي النقاء(99.999%) والمتكونة ذراتهما بنظام محدد وذات سمك محدد أيضًا، بحيث تكون الرقاقة المعرضة للضوء مطلية بطبقة رقيقة جدًا من الفضة وموصولة بقطب من الألمنيوم. أمَّا الرقاقة الأخرى، فهي متصلة من الأسفل برقاقة كاملة من الألمنيوم ويمثل القطب الآخر، ويبلغ مساحتها تقريبًاcm215 قادرة على توليد W5-W4، توضع مع خلايا متماثلة، بين 60 و96، بمساحة 1m×1.5m لتكون اللوح الشمسي، الذي يُغطى بطبقة شفافة من الزجاج للحماية والدعم، بسمك إجمالي يبلغcm4، قادر على توليد W260 – W320. وعند التشغيل، تمتص الرقاقة الأعلى من الخلية الضوئية ضوء الشمس المتكون من حزمة من الأشعة المختلفة ذات الأطوال الموجية المختلفة عن طريق الإليكترونات. وعند الامتصاص بطاقة تفوق حد الربط مع أنوية الذرات، تتحرر بعض الإليكترونات إلى القطب الأعلى، تسمى ظاهرة التأثير الكهروضوئي الداخلية، مكونة فرق جهد مع الرقاقة الأدنى، وتيارًا كهربائيًا مستمرًا بين قطبي الألومينيوم. ولكي يتصل اللوح الشمسي بالشبكة، لا بدَّ أن يتحول التيار المستمر إلى متغير عند تردد معين، وفرق الجهد عند حد معين أيضًا. ونظام التحويل عبارة عن إليكترونيات تسمى “نظام التوازن”.

الوصف الأعلى هو للخلية الأبسط، ولكنها في الوقت نفسه عالية التكلفة، وكفاءتها مرتفعة نسبيًا (20% – 30%). والتطوير يتمثل في الموازنة بين ثلاث صفات: ترقية كفاءة امتصاص ضوء الشمس، وتقليل كمية المواد المستخدمة في صناعتها، وتخفيض كلٍّ من التكلفة وتعقيد صنعها. وبناء على ذلك، طُوِّر جيلان آخران على أساسين هما: تقليل كمية المواد المستخدمة في صناعتها، وتخفيض كل من التكلفة وتعقيد صنعها، سُمِّيا بالشريحة الرقيقة والشريحة الرقيقة المبتكرة، حيث لا يزالان في طور الاختبار والتطوير في المعمل. حيث خفض سمك الرقاقات إلى درجة كبيرة جدًا، وتمت إضافة عناصر عالية الامتصاص للضوء في الجيل الثاني، وطرق مبتكرة لامتصاص الضوء في الجيل الثالث، كالخلايا متعددة الوصلات وخلايا النقـاط الكمومية الشمسية، مع تخفيض كمية المواد المكونة للقطبين في كليهما. مع التكلفة العالية، ما زال الجيل الأول يستحوذ على النسبة العظمى من أسواق الألواح الشمسية بواقع 85% لكفاءة امتصاص ضوء الشمس العالية، مقارنة بالجيلين الثاني والثالث المسوقين تجاريًا، واللذين لم تنضج تكنولوجياتهما بعد.

كذلك لاختيار المكان ذي الإسقاط الإشعاعي الكبير ومدة إشعاع الشمس الطويلة والظروف الجوية والمناخية التي تحجب أشعة الشمس لفترة طويلة، أثر كبير في كفاءة تحويل أشعة الشمس إلى طاقة كهربائية.

2.2- تكنولوجيا الطاقة الشمسية المركزة

المبدأ الذي يقوم عليه عمل الطاقة الشمسية المركزة، هو تركيز وتجميع ضوء الشمس الساقط على أسطح عاكسة، ذات هندسيات محددة، في نقطة أو خط مستقيم يمكن تجميعه في طور طاقة حرارية لسائل ما، قد تصل درجة الحرارة إلى 500 درجة مئوية. غالبًا ما يكون هذا السائل زيتًا مصنعًا بحيث يتصف بكفاءة عالية في نقل الطاقة الحرارية، ويسخن الماء لتكوين البخار. يدير البخار توربينًا وهو بدوره يدير مولدًا للكهرباء.

يمكن تصنيف تكنولوجيات الطاقة الشمسية المركزة على أساس الشكل الهندسي للسطح العاكس، فهناك المرايا الشمسـية المقعرة، وهي التكنولوجيا الأكثر شيوعًا بنسبة 88%، حيث يتركز الضوء في خط مستقيم، أو تكنولوجيا البرج المركزي المكلفة والمعقدة، حيث يتركز الضوء في نقطة أعلى البرج، أو مرايا “فرنل” الطولية، حيث يتركز الضوء في خط مستقيم، ويتكون فيه البخار، ولا تحتاج إلى سائل لنقل الطاقة الحرارية، أو تكنولوجيا طبق “ستيرلنج”، حيث يتركز الضوء في نقطة التركيز البؤرية التي يتكون فيها البخار، ولا تحتاج، أيضًا، إلى سائل لنقل الطاقة الحرارية. كذلك، قد لا يكون البخار ويتم الاحتفاظ بالطاقة الحرارية بالسائل الملحي. وتتيح هذه التكنولوجيا، إمكانية الاستغلال المتلازم لمحطات الطاقة الحرارية من الوقود الأحفوري في دورة توليد الكهرباء من البخار، أو محطات تحلية المياه. فيما عدا المرايا الشمسـية المقعرة، ما زالت بقية التكنولوجيات في طور البحث والتطوير وذات تكلفة مرتفعة نسبيًا. وكما في تكنولوجيا الألواح الشمسية، فإن اختيار المكان أساسي لتعظيم تحويل أشعة الشمس إلى طاقة كهربائية.

2.3- تكنولوجيا طاقة الرياح

سعي الإنسان للاستفادة من طاقة الرياح قديمًا، وأول تسجيل لهذا الاستخدام يعود إلى دولة البابليين في العراق، لاستخدامها في الري قبل حوالي 3700 سنة. أيضًا، هنالك بعض الآثار تدل على قيام الإنسان باستخدام طاقة الرياح في طحن الحبوب قبل حوالي 2600 سنة. وكان استخدام القدماء لهذه الطاقة تبعًا لمقدرتهم على الوصول بالتوربين الهوائي لارتفاعات منخفضة تتسم بضعف تيار الهواء وتغايره الكبير. أمَّا الاستخدام الحديث لتوليد الكهرباء، فلم يبدأ إلا في نهاية السبعينيات من القرن المنصرم في الدنمارك، عندما فُطن إلى قوة تيار الهواء على ارتفاعات أعلى.

ولكن، لماذا يكون الهواء عند ارتفاعات عالية؟ ولماذا يتغاير بشكل يختلف من موقع إلى آخر؟ يكمن الجواب في أن حركة الرياح تتم – بشكل عام – نتيجة لفرق ضغط الهواء بين منطقة وأخرى. وعندما تسقط الأشعة الشمسية، فإنه تسخن طبقات الجو المختلفة التي تحتوي على الهواء، بحيث يصل التسخين في منطقة خط الاستواء أقصاه، وعند القطبين يكون أقل بشكل كبير، وتنخفض كثافة الهواء كلما زادت درجة الحرارة. والهواء عند منطقة خط الاستواء ذي الكثافة المنخفضة نسبيًا، يرتفع إلى الأعلى وينتشر بشكل كبير في طبقات الجو العليا، مما يكون ذا ضغط منخفض عند منطقة خط الاستواء، مما يدفع الهواء من القطبين للحركة نحوه. من جهة أخرى، وبسبب دوران الأرض حول نفسها، تتحول الرياح المتجهة من خط الاستواء إلى القطب الشمالي إلى اليمين، أو عكس عقارب الساعة، وتتحول الرياح المتجهة من خط الاستواء إلى القطب الجنوبي إلى اليسار أو مع عقارب الساعة، ويكون هذان التحولان في خطوط شبه مستقيمة. تسمى هذه الظاهرة بتأثير “كوريولس”، على اسم مكتشفها العالم الفرنسي جوستاف كوريولس في عام 1835. أمَّا التغاير وعدم الاستمرارية في سرعة واتجاه الرياح، فيحدث بتفاعل الرياح مع عوامل محلية، كنسيم البر، أو نسيم البحر، أو احتكاك الهواء مع التضاريس المحلية، أو العمران مما يحدث اضطرابات في تدفق الرياح وتغيرًا في السرعة والاتجاه. هذه الاضطرابات تكون أكبر بالقرب من سطح الأرض وتخف تدريجيًا كلما اتجهنا إلى الأعلى.

لكي تتم الاستفادة المثلى لطاقة الرياح، لا بدَّ من اختيار المكان الذي تكون فيه حركة الرياح منتظمة وقوية قدر الإمكان على مدار اليوم، وأيضًا على مدار السنة، ولا تتأثر بشكل كبير بالتأثيرات المحلية، وكثافة الهواء، فالهواء الحار أقل كثافة ويحمل طاقة أقل. ويكون اختيار الارتفاع بالمفاضلة بين تقدير تكلفة بناء البرج الهوائي، والفائدة الاقتصادية المتوخاة من توليد الطاقة الكهربائية من قوة وانتظام حركة الرياح في الموقع والارتفاع. وعند اختيار كلٍّ من الموقع والارتفاع، يتم تصميم مكونات البرج الهوائي لتتناسب مع قوة الرياح وارتفاع البرج لتعظيم الاستفادة منها، أو تعظيم “عامل السعة” الذي يُعرف على أنه النسبة بين ما يتم إنتاجه بالتصميم بظروف تغير سرعة الرياح، واتجاهها إلى معدل طاقته القصوى، فيما لو انتظمت سرعة الرياح واتجاهها على مدى فترة زمنية معينة. فهو ليس مقياسًا لكفاءة أداء البرج الهوائي، وإنما مقياس لفاعلية تصميم التوربين في توليد الطاقة الكهربائية، وهو الأكثر كلفة بين مكونات البرج.

فيتم، مثلاً، اختيار عدد وتصميم أجنحة البرج لكي تجني أقصى طاقة حركية من الرياح، وغالبًا ما يكون العدد ثلاثة أجنحة. وأمَّا شكلها ونصف قطرها، فيجب أن يتناسبا مع قوتي الرفع والسحب الممكن تعظيمهما بالنظر إلى سرعة الرياح، واللتين تؤديان إلى دوران الأجنحة المرتبطة بدوّار المولد الكهربائي عبر محور قوي. وتبعًا للمفاضلة بين تعظيم عامل السعة “الممكن” وتخفيض التكلفة، يتم تصميم “دوّار” المولد الكهربائي.

3- اقتصاديات مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة

من عرض تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة تتضح ثلاث نقاط، أولاً، هنالك طيف واسع من التكنولوجيات، وكثير منها ما زال في مرحلة البحث والتطوير، وأن الفصل حاليًا في المفاضلة بين فعالية التحويل إلى طاقة كهربائية والتكلفة، قد لا يكون منطقيًا. ثانيًا، إن فعالية التحويل إلى طاقة كهربائية في التكنولوجيات الناضجة منها، تعتمد بشكل كبير جدًا على الموقع الذي تثبت فيه وأن جدواها الاقتصادية تعتمد بشكل كبير على مواءمة التصميم الهندسي لظروف المكان. وأخيرًا، التغايرية وعدم الاستمرارية المتأصلة في مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، تمثلان تحديًا كبيرًا لتضمينهما في الشبكة الكهربائية.

في الطرف المقابل، هنالك منافع مستقاة من تبني مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة كخيار استراتيجي لأي اقتصاد. أولاً، تمثل مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة ضمانًا لأمن الطاقة على المدى البعيد. فهي تضمن توافر الطاقة الكافي والدائم في مقابل المصادر غير المتجددة التي يزداد نضوبها الاقتصادي مع مرور الوقت، وهي تعتمد على مصدر أساسي مستدام وهو الشمس، وعناصر بيئية متوفرة بكميات هائلة جدًا كالسيلكون، أو عناصر يمكن إعادة استخدامها أو إعادة تدويرها كالمعادن. ثانيًا، إن في تبنيها منافع في كبح التغير المناخي بتثبيت انبعاثات الغازات الدفيئة للمستوى المنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية، وذلك بفصل النمو الاقتصادي عن الحاجة لنمو هذه الانبعاثات في المستقبل. ولأن الاستغناء عن المصادر غير المتجددة، ليس واقعيًا على المدى المنظور، فإن تبني مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، هو الخيار الاستراتيجي على المدى البعيد في كبح التغير المناخي. ثالثًا، لتبني مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، منافع اقتصادية كتعزيز تنافسية الاقتصاد عند تبني البحث العلمي في مجال تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، وما يتبع ذلك من نمو التصنيع ذي القيمة المضافة الكبيرة، والانتشار غير المباشر لمخرجات البحث العلمي على القطاعات الاقتصادية الأخرى. وأخيرًا، سوف يكون لها دور كبير لإيصال الطاقة الكهربائية لحوالي 1.6 بليون إنسان.

فيما يلي يتم التركيز على تكلفة تبنيها على المدى القريب، وكذلك على التغايرية وعدم الاستمرارية، اللتين تمثلان تحديًا أكبر كلما زادت مساهمة مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في توليد الطاقة الكهربائية في الشبكة الكهربائية على المدى المتوسط. وفي الفصل القادم يتم التركيز على دوافع تبنيها كخيار استراتيجي على المدى البعيد.

3.1- تكلفة الضم للشبكة الكهربائية على المدى القريب

عند مناقشة ضم مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة للشبكة الكهربائية على المدى القريب، فإن تبنيها محدود نسبيًا، بحيث لا يستلزم تغييرات في الشبكة الكهربائية على أساس التحديات الناتجة عن التغايرية وعدم الاستمرارية، أو تضمين المنافع ذات البعد الاستراتيجي، وأيضًا تقييم التكلفة على أساس التكنولوجيا في وضعها التجاري القائم. والهدف من التقييم الاقتصادي، هو الحصول على تكلفة ضم مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة للشبكة الكهربائية على المدى القريب لكل وحدة طاقة كهربائية، أو ما يطلق عليه “التكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء”.

تتضمن التكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء، عدة عوامل لتقييم كلفة المصدر “الحالية” “التقريبية”، فهي رأس المال الثابت وتكلفة خدمته، وتكلفة التشغيل والصيانة، وتكلفة الوقود خلال العمر الافتراضي للمصدر، وكذلك لا بدَّ من افتراض السعة الإنتاجية للكهرباء لكل مصدر حتى يتم احتسابه، والتي تتأثر بالمكان المقترح إقامتها فيه كثيرًا، مما يسمح للمخططين بالمقارنة مع المصادر البديلة على اختلاف أعمارها الافتراضية، أحجامًا مختلفة للمشاريع عند تكاليف مختلفة لرأس المال، وكذلك دراسة العوائد والمخاطر. هناك جهود حثيثة من مجموعة كبيرة من الباحثين لتضمين التكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء كسعر الكربون، وتأثير برامج الدعم الحكومية، وإمكانية عمل المصدر وقت الذروة، وكذلك تأثير إضافة مصدر ما بشكل كبير للشبكة الكهربائية على افتراض تقليص أو زيادة مرونة الشبكة، ولكنها تفتقر إلى الإجماع لصعوبة الاتفاق على مقاييس محددة للعوامل المفترضة إضافتها. لذلك التكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء لا تصلح إلا للمقارنة على المدى القريب، وعندما يكون الهدف إضافة مصدر ما بشكل محدود بالنسبة لحجم الشبكة الكهربائية.

بالمقياس الحالي، وهو التكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء، لا تبدو مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في وضع تتنافس فيه مع مصادر الوقود الأحفوري، خصوصًا عندما يكون سعر الوقود منخفضًا. مع ذلك، لا تزال الدول المتقدمة اقتصاديًا والاقتصاديات الصاعدة تستثمر بشكل كبير جدًا. ففي الفترة بين عامي 2000 و2011 كان نمو استخدام طاقة الرياح بنسبة فلكية بلغت حوالي 27%، بينما نما استخدام الألواح الشمسية بمعدل بلغ 44%. وهذا يدل على أن التكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء قاصرة في تقييم المنافع والتحديات على المديين المتوسط والقريب.

3.2- تحدي التغايرية وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ

تستمد مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة طاقتها من مصادر طبيعية كأشعة الشمس وطاقة الرياح ذات تقلبات على نطاقات زمنية مختلفة، فلا الشمس تشرق طوال اليوم، ولا الرياح تهب طوال السنة، فهي دورات طبيعية كدورة الليل والنهار، وتأثيرها على استخدام الطاقة الشمسية، أو تأثير دورة الفصول الأربعة على سرعة الرياح يطلق عليه التغايرية، وهي ظاهرة يمكن التنبؤ بها وأخذها في الحسبان، فهي تؤدي إلى الحد من فعالية مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، خصوصًا إذا كان وقت الأحمال المرتفعة في الليل. إن القدرة على إدارة مخاطر التغايرية يكون في طور التخطيط.

أيضًا، هنالك بعض الظواهر الطبيعية لا يمكن التنبؤ بها قبل وقوعها، إلا قبل فترة زمنية قصيرة نسبيًا، حيث يرجع الباحثون السبب إلى “الطبيعة المعقدة للعمليات التي تحدث في الغلاف الجوي”، والتي تحد من القدرة على التنبؤ، في بعض الأحيان، كأحوال الطقس اليومية، أو تأثيرات ظاهرة النينو والتغير المناخي. فمثلاً، تكوُّن الغيوم يحد من تدفق أشعة الشمس، ونسيم البر ونسيم البحر يؤديان إلى اضطراب حركة الرياح. إن حالة عدم القدرة على التنبؤ، تحديها يبرز في جعل الشبكة الكهربائية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة السريعة لعدم تطابق الأحمال والطاقة المولدة، ويبرز هذا التحدي بشكل أكبر عندما تكون مساهمة طاقة الرياح في توليد الطاقة الكهربائية كبيرة نسبيًا.

إن تلازم كل من التغايرية وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ بمصادر توليد الطاقة الكهربائية، تؤديان إلى تقييد أوقات التوليد وتذبذبه على مدى الدقائق واليوم والسنة، مما يقضي بأن تكون الطاقة المنتجة غير ثابتة على المديين القصير والطويل، وتقلصان خاصية الاعتمادية، وتفضيان، نتيجة لذلك، إلى تحد كبير في التكامل مع الشبكة الكهربائية والمحافظة على موثوقية الخدمة. إن الحل الحاسم، يكمن في زيادة مرونة الشبكة كلما ازداد اختراق مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة لها لزيادة اعتماديتها.

3.3- مقومات التكامل مع الشبكة الكهربائية: مرونة الشبكة الكهربائية

إجمالاً، من الممكن تشبيه أثر كل من التغايرية وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ، بتذبذب أحمال الشبكة الكهربائية المعتادة، فتواجه بمرونة الشبكة. مرونة الشبكة على المدى القصير، أو “المرونة التشغيلية”، تقوم على قدرتها على إعادة التوازن بين الأحمال الكهربائية والطاقة المولدة التي تحدث في نطاق زمني يمتد بين اليوم الواحد والدقائق المعدودة. عن طريق المرونة التشغيلية، يتم التعامل مع تذبذب إنتاج المصادر من الكهرباء عن طريق ما يسمى “بالخدمات الملحقة” التي وظيفتها المحافظة على موثوقية الشبكة على المدى القصير، وتحتوي على عناصر متعددة، من أهمها وأكثرها كلفة المصادر القادرة على زيادة أو تخفيض التوليد أو التشغيل باستجابة سريعة وضبط تردد الشبكة، وكذلك تكنولوجيات تخزين الطاقة سريعة الاستجابة، وأيضًا “مثبتات” تردد الشبكة الكهربائية. بشكل عام، كلما زاد اختراق مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، زادت الحاجة إلى زيادة المصادر ذات الاستجابة السريعة. كذلك، فإن تحسين القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ، أصبحت من الأمور الملحة للحفاظ على موثوقية واعتمادية الشبكة الكهربائية وتقليل الاعتماد على المصادر ذات الاستجابة السريعة، وتساعد على اختراق أكبر للشبكة من مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة.

أمَّا التغايرية المرتبطة بالدورات الطبيعية كدورة الليل والنهار ودورة الفصول الأربعة، فإن المرونة المطلوبة مختلفة وأكثر عمقًا وتمس بنيان الشبكة الكهربائية. وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى عامل مهم آخر يتعلق بتوليد الطاقة الكهربائية من الألواح الشمسية وطاقة الرياح، فكلاهما غير قابلين للترحيل، أي أنهما يعملان دائمًا بطاقة التوليد القصوى، في معظم المحطات القائمة، مما يؤدي اختراق أكبر من قبلهما إلى تقليص مرونة الشبكة الكهربائية، إلى إنشاء اتجاه حديث في التطوير الهندسي، خصوصًا طاقة الرياح، لجعلهما قابلين للترحيل. لكي نقدر مؤدى إضافة هذه المصادر لا بدَّ من فهم مقومات المرونة في الشبكة. مقومات مرونة الشبكة الكهربائية يمكن إيجازها في النقاط التالية: أولاً، وكما أشير سابقًا، وجود المصادر ذات الاستجابة السريعة لتعمل كاحتياطي للطوارئ كمولدات الغاز الطبيعي التوربينية وتكنولوجيات تخزين الطاقة سريعة الاستجابة. أمَّا المولدات التي تعتمد على الفحم والبخار والطاقة النووية، فإنها بطيئة الاستجابة ومحدودة، وتستغرق وقتًا طويلاً جدًا لبدء التشغيل. من جانب آخر، فإن تشغيلها منخفض التكاليف نسبيًا، عدا الطاقة النووية، ووجودها ذو أهمية عظمى للحد من تغير تردد التيار والحفاظ على استقرار الشبكة. ثانيًا، تطوير عمليات الترحيل والجدولة في الشبكة، لتتواءم مع تغايرية مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، وكذلك تحسين القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ. ثالثًا، تحسين استجابة الأحمال لتوفر الكهرباء المولدة، بمساعدة شبكة الكهرباء الذكية، وإطلاق العنان لقوى السوق بتحرير التعرفة. رابعًا، تعظيم قدرة خطوط نقل الطاقة لتجنب الوصول إلى حالة “عنق الزجاجة” عند اختراق أكبر للشبكة من مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة. خامسًا، زيادة توزع مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة جغرافيًا لتقليل أثر التغايرية وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ، وتقليص نطاق تذبذب الطاقة المولدة، وكذلك تنوع المصادر، قدر الإمكان. وأخيرًا، الربط الكهربائي مع شبكات أخرى تختلف في خطوط الطول وظروف الطقس والمناخ.

أضحت علاقة توليد الطاقة الكهربائية من كلٍّ من الغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، علاقة تنافس وتكامل، في الوقت نفسه. فبسبب ارتفاع تكلفة تخزين الطاقة، تحتاج مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة إلى مصادر التوليد من الغاز الطبيعي للحد من تحدي التغايرية وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ فيما يسمى “بمتابع الأحمال”. وفي الطرف المقابل تحتاج مصادر التوليد من الغاز الطبيعي إلى مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة ضمن مزيج توليد الطاقة الكهربائية لكبح انبعاثات الغازات الدفيئة، عند حد معين، وضمان أمن الطاقة. ومن جهة أخرى هما يتنافسان تنافسًا محمومًا على حصة توليد الكهرباء. إن مزيج توليد الطاقة الكهربائية المحتوي على مصادر التوليد من الغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة المتغيرة الوازن للمخاطر والمنافع، قادر اقتصاديًا على قيادة تحول الطاقة إلى حال الاستدامة، عندما تنضج تكنولوجيات الطاقة المتجددة المتغيرة وتكنولوجيات تخزين الطاقة. ويستطيع هذا المزيج توزيع الأحمال من الحمل الأساسي وحمل الذروة.

ونتيجة لذلك، فإن زيادة اختراق مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في الشبكة الكهربائية، تزيد من الاحتياج للمولدات الغازية التوربينية وبتكلفة إضافية. ومن الممكن إيجاز التكلفة المباشرة في النقاط التالية: أولاً، تشغيل المولدات ذات الاستجابة السريعة بجزء من طاقتها الكاملة لتوفير احتياطي الطوارئ من طاقة التوليد، هو تشغيل غير اقتصادي لها. ثانيًا، إن هذا التشغيل الجزئي لها، لا يجعلها تعمل بكفاءة تشغيلية. وأخيرًا، الاحتياج إلى توفر احتياطي الطوارئ، يستلزم زيادة عدد المولدات، وبالتالي الاحتياج إلى رأس مال أكبر وتغطية تكلفة إضافية للتشغيل والصيانة.

إن أي زيادة في مساهمة هذه المصادر في طاقة التوليد الكلية، تفضي إلى تقييد مجموع التوليد بأوقات عملها وأنماطه المتنبأ بها، وكذلك الأنماط التي من غير المقدور التنبؤ بها، فيتحتم أن يتبع ذلك زيادة في مرونة الشبكة على المديين القصير والطويل، مما يستلزم تكلفة أكبر تضاف إلى التكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء. فبعض هذه الإجراءات أساسية، كإضافة طاقة توليد ذات استجابة سريعة من مصادر أخرى، وبعضها الآخر تكون إضافتها لأمور أخرى مختلفة، قد لا تتعلق مباشرة بإضافة هذه المصادر، كترقية الشبكة للشبكة الكهربائية الذكية، وزيادة عناصر الخدمات الملحقة الأخرى، والاستثمار في تحسين خطوط نقل الطاقة، تساهم إلى درجة كبيرة على اختراق أكبر للشبكة من قبل مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة.

3.4- قيود اختراق مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في الشبكة الكهربائية بشكل كبير

بناء على ما سبق ذكره، هنالك قيود لا تسمح بإضافة مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، إلا بنسبة صغيرة في مزيج مصادر التوليد، أخذًا في الاعتبار الممكنات التكنولوجية المتاحة. وتتعلق هذه القيود بأربعة أمور أساسية يترتبط بعضها ببعض: أولاً، إمكانية توفر المكان المناسب لنصب المشاريع وتأثيره على كلٍّ من كفاءة امتصاص الأشعة الشمسية، وعامل السعة. ثانيًا، البنية التحتية للشبكة الكهربائية القائمة، وإمكانية ترقية مرونتها اللازمة عند إضافة المصدر، وما يتبع ذلك من تغييرات بنيوية وتغييرات تمس تشغيل الشبكة. ثالثًا، التقدم التكنولوجي وأثره في كلٍّ من كفاءة امتصاص الأشعة الشمسية، وعامل السعة. رابعًا، تكلفة إضافة المصدر “المجمعة” لكل وحدة طاقة مقابل تكلفة المصادر البديلة.

إن قيود المكان والقيود التقنية لترقية مرونة الشبكة، هي قيود حاكمة مهما ارتفعت تكلفة المصادر البديلة. ونتيجة لذلك، هنالك مستوى معين من الاختراق لا يمكن لهذه المصادر – مجتمعة – تجاوزه، عند التكنولوجيات القائمة. ولكن إذا ما تطورت تكنولوجيات تخزين الطاقة، بحيث تستطيع ترقية مرونة الشبكة، فإنها تصبح أقل تقييدًا. كما أن هناك أمورًا، كتبني الشبكة الكهربائية الذكية، وترقية المصادر لكي تكون قابلة للترحيل، تساعد على زيادة مرونة الشبكة. إن مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة وتخزين الطاقة، هما صنوان لطاقة المستقبل، وتُعقد عليهما الآمال في المساهمة في أمان الطاقة، وكبح الغازات الدفيئة.

3.5- مقومات التكامل مع الشبكة الكهربائية: تخزين الطاقة والشبكة الكهربائية الذكية

تكنولوجيات تخزين الطاقة طيف واسع من الخيارات الواعدة، ذات أبعاد كثيرة ومختلفة، لكل واحدة منها خصائصها، ومعظم هذه التكنولوجيات لم تنضج بعد. إن تطور هذه التكنولوجيات الحتمي لا غنى عنه في المستقبل لكهربة استخدامات الطاقة، وكذلك لإحداث اختراق واسع لمصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في الشبكة الكهربائية. إن اختراقها للشبكة الكهربائية، سيكون مرهونًا بتكلفتها الاقتصادية مقارنة بالبدائل، تبني الأسواق المجمعة، وتبني الشبكة الذكية، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي أيضًا. ولا يجب أن يقتصر التفكير في أهميتها كاحتياطي طوارئ ليعمل كمتابع الأحمال ومثبت لتردد الشبكة فقط، ولكن كمكملة مستقبلية موثوق بها لتجاوز تحدي تغايرية مصادر التوليد التي تحدث على مدى اليوم أو السنة بخزن الطاقة عند عملها لتستخدم في فترات توقفها عن العمل، أو ما يصطلح عليه “بتسوية الأحمال”. من جانب آخر، لا تقتصر فوائدها على ترقية مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في الشبكة، فمن الممكن أن تعمل كمرجع لتردد حال الحاجة للتشغيل البارد للمولدات الحرارية، واستخدامها في وقت الذروة، ويعمل كاحتياطي للطاقة الكهربائية لتجنب حدوث حالة عنق الزجاجة إذا ما عجزت خطوط النقل أو التوزيع لنقل الكهرباء لمنطقة جغرافية ما.

من الممكن تصنيف تكنولوجيات تخزين الطاقة إلى ثلاث فئات بحسب فترة تفريغ الطاقة: فالنوع الأول يسمى بجودة الطاقة، ويدوم التفريغ من ثوانٍ إلى دقائق، فهو سريع الاستجابة، ويهدف إلى استقرار الشبكة على المدى القصير جدًا، وكذلك ضبط تردد الشبكة كالمكثفات عالية السعة وتخزين الطاقة المغناطيسية عالي التوصيل. وأمَّا النوع الثاني، فيسمى بتجسير الطاقة، ويدوم التفريغ من دقائق إلى ساعة، فهو سريع الاستجابة ولكن بدرجة أقل، ويعمل كمتابع للأحمال كالبطاريات التي تعمل على أساس كيميائي وهي عديدة. والنوع الثالث يسمى بإدارة الطاقة، ويدوم التفريغ ساعات، ويستخدم في “تسطيح” الأحمال وحل معضلة عنق الزجاجة، ومن أنواعه تخزين الطاقة الحرارية الذي يتكامل حاليًا مع الطاقة الشمسية المركزية. وفي الوقت الحاضر، لا تزال هذه التقنيات عالية الكلفة، لذلك فإن استخدامها ما زال على نطاق ضيق جدًا، رغم فاعليتها الكبيرة.

الشبكة الذكية هي مفهوم يقوم على استغلال التقدم التكنولوجي في مجالات الاتصال، وتكنولوجيا المعلومات، والبرمجيات الذكية، والحساسات الإليكترونية، ونظم السيطرة والتقدم في تكنولوجيات الطاقة بدمجها في نظام متكامل لترقية الشبكة الكهربائية بها لتعزيز موثوقيتها واعتماديتها ومرونتها. ولموازنة الأحمال والطاقة المولدة بوجود التغايرية وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس والمناخ، تقدم الشبكة الذكية مجموعة من الحلول منها: نظام محسن للتنبؤ بالطقس يقوم على التوزيع الذكي للحساسات على المناطق الجغرافية، ومعالجة المعلومات الواردة بالذكاء الصناعي. استجابة الأحمال بحيث تقوم أجهزة القياس الذكية بإعلام المستهلك بالسعر الآني والمستقبلي، لكي يكيف استخدامه تبعًا لذلك عبر برمجيات معدة لهذا الغرض. تضمين أنواع تخزين الطاقة المختلفة والموزعة جغرافيًا في شبكة الكهرباء، أنظمة قياس سريعة التحديث.

3.6- عوائق استخدام مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة

هنالك عوامل كثيرة تثبط اختراق مصادر الطاقة المتجددة للشبكة الكهربائية، وتصنف إلى: عوامل السوق، والعقبات المالية، والعوامل المؤسساتية، والعوامل التقنية. وتكمن عوامل السوق المثبطة، في خلل بنيوية أسواق الطاقة، وتشويشها، فالخلل البنيوي  يتلخص في مركزية الأسواق، أو تحكم طرف واحد فيها، أو تركزها في أطراف محددة، وغياب الشفافية في السعر والتكلفة، وغياب البنية التحتية لكي تتضافر قوى السوق في تحديد الأسعار. أمَّا التشويش، فينشأ من ثلاثة أمور: سياسة دعم الأسواق المنافسة كدعم سعر الغاز الطبيعي، وكذلك عدم تضمين سعر الأسواق المنافسة تكلفة ضررها كانبعاثات الغازات الدفيئة، وتحرير سعر الكهرباء. ترث الأسواق المالية عوامل السوق المثبطة، فيصبح الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة غير ذي جدوى، ويساعد على ذلك أن الاستثمار فيها يحتاج إلى رأس مال كبير، وبخاصة في المشاريع الكبيرة، مما يضعف حصول المشاريع فيها على التمويل. والعوامل المؤسساتية تتلخص في ضعف مشاركة القطاع الخاص، وغياب مؤسسات الأبحاث والتطوير، وكذلك غياب الجهات التي تستدرك الحاجة إلى دعم الاستثمار فيها. أمَّا العوامل التقنية، فقد تمت مناقشتها وتتلخص في عامل خصوصية المكان الذي تثبت فيه، وترقية مرونة الشبكة.

3.7- سياسات ترقية مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في الشبكة الكهربائية

بسبب العوائق السابقة، لا بدَّ من سياسات ترقية لاختراق أكبر لهذه المصادر في الشبكة الكهربائية. وتصنف هذه السياسات على النحو التالي: سياسات سعرية، وسياسة تحفيز إنتاجها للكهرباء، وسياسة تحفيز الاستثمار، وهنالك أيضًا سياسات أخرى غير مباشرة. وأهم أداة في السياسات السعرية، هي التعرفة التفضيلية، التي تقوم على منح المطور دعمًا ثابتًا على دفعات محددة على مدى زمني يصل إلى 15 سنة أو أكثر، على أساس الفرق بين سعر الكهرباء المتنبأ به، وتكلفة تكامل هذه المصادر بالشبكة الكهربائية لتحفيزه على الاستثمار فيها. وتضمن التعرفة التفضيلية، تدفق الدعم لكل وحدة طاقة، حتى إن لم يتم إنتاج ما تمَّ توقعه عند سنها، ولا تختلف باختلاف سعر الكهرباء. لذلك فهي أداة مأمونة بشكل كبير للمطور، ولقد أثبتت نجاحها بشكل كبير في ألمانيا لتصل مساهمة هذه المصادر في إنتاج الكهرباء إلى حوالي 28% (12% ألواح شمسية، و16% طاقة رياح) في عام 2015. وهنالك أداة الدعم لإنتاج الكهرباء، فهي تدعم المستثمر على أساس إنتاجه من الكهرباء من هذه المصادر، وهي تتغير بتغير سعر الكهرباء، ففيها جانب أكبر من المخاطرة من قبل المطور. وسياسة تحفيز إنتاجها للكهرباء من هذه العناصر، فهي مرتبطة بوضع سقف لكمية انبعاثات الغازات الدفيئة في منطقة ما، مما يشجع المطورين على الاستثمار في هذه المصادر. وأمَّا محفزات الاستثمار، فهي كالقروض منخفضة الفائدة وتخفيض الضرائب. وأمَّا السياسات غير مباشرة، فتقوم على تحفيز المستهلكين على تثبيت هذه المصادر. ومنها أيضًا برنامج “آلية التطوير الأخضر” التي تقوم على استثمار الشركات التي تسبب الانبعاثات في الدول الصناعية على الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة في الدول النامية.

4- مستقبل مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة

4.1- تحول استخدام مصادر الطاقة وتغير أنماط الاستهلاك

كانت – وما زالت – أسواق الطاقة تمر بمراحل تحول، مدفوعة، بشكل عام، بما يمكن أن تقدمه الأسواق من خدمات جديدة أو محسنة للمستهلكين. إن التغيير في أنماط الاستهلاك، يؤثر بعدة أوجه في مزيج الطاقة، ويغير في التناسب بين مساهمة المصادر فيه. وينتقل هذا التأثير لمزيج الطاقة عبر ما يصطلح على تسميته “بالناقل” كالكهرباء ووقود السيارات، الذي ينقله من الخدمات عبر ما يسمى “بالمحول” كمكيفات الهواء والسيارات. هنالك نمو كبير في المستهلكين الذين يستخدمون الكهرباء، وكذلك في الخدمات التي تستخدم الكهرباء كناقل فيما يسمى “بكهربة الخدمات” ككهربة قطاع النقل أو استخدام الكهرباء في التصنيع بشكل متزايد، أو زيادة استخدام المستهلكين الأفراد لتطبيقات جديدة تعتمد بشكل متزايد على الكهرباء، لذلك فإن مزيج الطاقة يميل بشكل أكبر للمصادر التي تولد الطاقة الكهربائية كالفحم والغاز الطبيعي في العقود الأربعة الماضية. هذا النمو قابلته زيادة كبيرة في انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للتغير المناخي.

يبذل صناع السياسات حول العالم، مساعي حثيثة لكبح التغير المناخي عبر حزمة من السياسات، وهي بدورها أصبحت تشكل معالم التحول في أسواق الطاقة. من هذه السياسات، فرض ضريبة الكربون، وترقية كفاءة استخدام الطاقة، وتحرير أسعار الطاقة، وتقليص استخدام المصادر الأكثر تسببًا في انبعاثات الغازات الدفيئة، وتشجيع البحث والتطوير في تكنولوجيات الانبعاثات السلبية، وكذلك تشجيع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة. ومن جهة أخرى، فإن تفعيل هذه السياسات له دافع آخر، وهو التنمية المستدامة بما فيه من أمن الطاقة. أيضًا هنالك عامل مهم يؤثر في هذا التحول، وهو السعي لربط حوالي 1.6 بليون إنسان بالطاقة الكهربائية.

4.2- مستقبل مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة

بناء على سبق، فإن تحول أسواق الطاقة باختراق كبير لمصادر الطاقة المتجددة المتغيرة في مزيج الطاقة أمر حتمي. إن هذا الاختراق في عالم مقيد بالكربون يعزز التنمية المستدامة في ظل زيادة سكان الأرض ونمو اقتصادي يدعم الطلب على الكهرباء بشكل متزايد. ولكي يتم ذلك، لا بدَّ من إزالة عوائق استخدام المصادر، وتبني سياسات ترقية مصادر، وتعزيز تمويل البحث والتطوير في مجال تكنولوجيات المصادر وتكنولوجيات تخزين الطاقة، وترقية الشبكات الكهربائية إلى الشبكة الذكية لإحداث أكبر خرق ممكن.

5- الطاقة المتجددة في “رؤية السعودية 2030”

5.1– ما هي “رؤية السعودية 2030”

في الخامس والعشرين من شهر أبريل لعام 2015م، تمت الموافقة من قبل مجلس الوزراء السعودي على إقرار ميثاق وطني جديد في المملكة العربية السعودية يعرِّف “رؤية السعودية 2030″، بأن يتولى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وضع الآليات ومتابعة الوزارات والجهات المستهدفة من خلال مؤشرات الأداء الرئيسية في تطبيق برامج وآليات “رؤية السعودية 2030”. وتعد هذه الرؤية خطة عريضة لضم وتنظيم العمل الحكومي والخاص للعمل على تحقيق أهداف الرؤية. ومن بين الأهداف المتضمنة في “رؤية السعودية 2030”: وجود خطة متخصصة تسعى لتنويع وتنمية الاقتصاد السعودي، حيث تأمل هذه الخطة الطموحة في التحول باقتصاد المملكة من المرتبة العشرين حاليًا، لتصبح ضمن أفضل خمسة عشر  اقتصادًا في العالم. وستعمل المملكة على زيادة إيراداتها غير النفطية ستة أضعاف من 43.5 مليار دولار سنويًا إلى 267 مليار دولار سنويًا! وتماشيًا مع أهداف الرؤيا حدث تغيير وزاري حيث أضحت وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية المتعددة المهام، بدلاً من وزارة البترول والثروة المعدنية. والجدير بالذكر أن هذا التعديل الوزاري يدل على نية المملكة العربية السعودية، الاهتمام فعليًا بالطاقة الشمسية.

5.2- البرنامج الوطني للطاقة المتجددة

يعد البرنامج الوطني للطاقة المتجدد، مبادرة استراتيجية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وتنضوي هذه المبادرة تحت مظلة “رؤية السعودية ٢٠٣٠” وبرنامج التحول الوطني ٢٠٢٠. ويعمل البرنامج الوطني للطاقة المتجددة على إنتاج ٩.٥ جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول ٢٠٢٣م، إضافة إلى هدف مرحلي بتحقيق ٣.٤٥ جيجاوات بحلول ٢٠٢٠م.

5.3- السياسات والأطر التنظيمية

وبحسب ما ذكر في نص “رؤية السعودية 2030” بوجود عوائق تحد من انتشار مشاريع الطاقة المتجددة، لذلك لا بدَّ من الحاجة إلى الدعم السياسي لتحسين فرص الطاقة المتجددة لتساهم في مزيج الطاقة الحالي. والهدف من سياسات الدعم للطاقة المتجددة، هو دعم التصنيع والتطوير في هذا القطاع الواعد، وبناء القدرات التسويقية، والعمل على خفض الكلفة الاقتصادية للألواح الشمسية، والتركيز على الدور الهام الذي تؤديه الطاقة المتجددة للتخفيف من تبعات التغير المناخي وتلبية الاحتياج المحلي من الطاقة، مما يساهم في تعزيز أمن الطاقة.

والجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية تحتاج إلى البدء بتكوين إطار قانوني وتنظيمي ملائم لجذب القطاع الخاص للاستثمار في الطاقة المتجددة والمساهمة في تحقيق أهداف “رؤية السعودية2030”. وتعتبر “هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج”، هي الواجهة المنوط بها تنظيم صناعة تحلية المياه وإنتاج الكهرباء في المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى ذلك، فهي تعمل على بناء وتطوير سياسة وطنية للطاقة المتجددة. ويشمل ذلك، خطة وطنية لصناعة الكهرباء ودعم القطاع الخاص في توليد الطاقة الكهربائية من خلال منتجين مستقلين لتحقيق التنافسية في هذا القطاع؛ مما سيسمح للمستهلكين بالحصول على خدمات الكهرباء بصورة مباشرة من الموردين بحسب الأسعار المتفق عليها.

6- الخاتمة

لعلنا نختم بالتأكيد على سعي المملكة العربية السعودية لاستغلال مواردها الطبيعية بما يمكنها من الوفاء باحتياجات الجيل الحاضر وتطلعاته، وكذلك حفظ حق الأجيال القادمة من ثروات الموارد الطبيعية. وهذا ما تتبناه “رؤية السعودية 2030” بأن طريق المملكة للاستدامة يتطلب منها دعمًا وتطويرًا لمصادر الطاقة المتجددة والبديلة وتكنولوجيات الاستخدام الأنظف للوقود الأحفوري ووقود الهيدروجين. وكذلك التأكيد على دور الطاقة المتجددة في منظمة مزيج الطاقة الوطني ودوره في تغذية جانب الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية، باعتبار أن الطاقة المتجددة هي داعمة ومكملة للوقود الأحفوري، وليست بديلة له، وهذا يمكن المملكة من إطالة عمر أو فترة استخدام مصادر الوقود الأحفوري الثمينة والناضبة، والتشجيع على استخدامات آمنة للبيئة مثل مصادر تكنولوجيا الوقود الأنظف. فلا بدَّ للمملكة من العمل على نقل وتوطين وإنتاج المعرفة التقنية اللازمة، ودعم وتفعيل مخرجات البحث العلمي ودراسة الآثار البيئية الناجمة عن استخدام مصادر الطاقة المختلفة.

والجدير بالذكر أن التوجه إلى مصادر أخرى للطاقة ليس بخيار الرفاهية، على الرغم من أن المملكة العربية السعودية دولة منتجة ومصدرة للنفط! ولكن كما خرج إليه البحث، فإن أمن إمدادات الطاقة من الوقود الأحفوري، وتأمين العائد من تجارة النفط، سيتأثران سلبًا بتأمين كمية المنتج النفطي للتصدير، وذلك بسبب الضغط من الارتفاع المتنامي للاستهلاك المحلي للطاقة الكهربائية المنتجة من حرق النفط بشكل رئيس لتلبية احتياج الصناعات الثقيلة وتحلية المياه المالحة والاستهلاك التجاري والمنزلي. ولذلك، فإن تنويع سلة مصادر الطاقة في المملكة، يهدف إلى التأكيد على الدور الريادي الذي تؤديه المملكة كونها شريكًا رئيسًا موثوقًا في المساهمة في نمو الاقتصاد العالمي. وقد كانت المملكة العربية السعودية لعقود مضت ولسنوات قادمة – إن شاء الله – منتجًا موثوقًا للطاقة ومرفأً آمنًا لإمدادات الطاقة التقليدية والمتجددة على حدٍّ سواء.

متخصص في السياسات الاقتصادة للنفط والطاقة*

@knadhmi

متخصص في السياسات وتشريعات الطاقة*

@aman_eamanii

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر