ما بعد النسوية

التاريخ والوقت : الإثنين, 10 يونيو 2019

أريج الجهني

 

“نحن مهتمون بالبشر لا بالرجال والنساء”.. هكذا تمامًا انطلقت هذه الفكرة في منتصف الثمانينيات مع ظهور الطور الثالث من الحركة النسوية. وفي حين بدأ الاهتمام بالتحول الثقافي في مفهوم “المرأة والرجل” والتنميط المجتمعي جاءت فكرة ما بعد النسوية. ولعل أقوى أطوار الفكر النسوي هو الطور اللغوي الذي يتضح انعكاسه على الإعلام وصناعة المحتوى التي طالت حتى إمبراطورية ديزني، حيث أصبحت الجهات الإعلامية أكثر دقة في تناول مصطلح المرأة وحتى الرجل. لكن هذه الفكرة لاقت انتشارًا واسعًا، سواء كان هذا بشكل إيجابي لشموليتها أو حتى لاستمرار التحيز المعرفي ضد المرأة عبر الثقافات.

في أدبيات الفكر الغربي نجد فعليًا أنهم تجاوزوا الكثير من المصطلحات التي لا تزال بعض المجتمعات الشرقية في حالة توجس ورهبة منها، فالغرب الآن يناقش ما بعد النسوية، وما بعد الحداثة، وما بعد الليبرالية، وغيرها، والذي يهمنا هو هذا الإطار المفاهيمي الذي يعنون بما بعد النسوية. وأعتقد أن هذا الإطار رغم حداثته إلا أنه أكثر نضجًا ووضوحًا في فهم القضايا النسوية من الالتصاق بأساسيات الفكر النسوي وهي “صوت المرأة”. وحتى لا نكون منظرين على أرض الواقع، هناك مبررات حقيقية تجعل المهتمين بالفكر النسوي في المجتمعات العربية لا يزالون عالقين في الطور النسوي الأول أو حتى الوجه النسوي الراديكالي ولكلٍّ وجهته، حيث ما زالت المرأة في المجتمعات العربية تعامل “كموضوع”، بل في بعض البقاع لا يزال صوتها “عورة”. ورغم كل هذه التطورات إلا أن لعنة الديموغرافيا تلعب دورًا كبيرًا في حضور أو غياب المرأة، وهذه قضية ممتدة.

من المهم الآن أن لا نغفل غياب دور الترجمات الموضوعية بشكل واضح في كل ما يختص بالفكر، بل من المهم أيضًا توثيق خضوع الكثير من المواضيع الثقافية والمناظير الفكرية كالبراغماتية وغيرها لأيديولوجيا المترجم أو حتى سطوة السلطات. لكن هل الفكر النسوي ما زال في قائمة الاتهام! يؤسفني القول نعم، بل حتى لوقت قريب تداولت الأوساط الغربية جدلاً يربط بين النسوية والنازية، وهو جدل ساخر يحلل اللغة التي تتناول المفهوم النسوي وكأنه خطر وتتجاهل الأخطار الحقيقية كالفقر والجهل والأمراض.

إن فكرة ما بعد النسوية فكرة صحية جدًا إن تمَّ التركيز عليها، فالانطلاق من حيث انتهى الآخرون أفضل من إعادة اختراع العجلة، ومعالجة التمكين والحضور والصوت جدير أن يكون للجنسين. وبالتأكيد أن المرأة بحاجة لطاقة مضاعفة، لكن هذا لا يعني أن نظل عالقين في فكرة “أولية” دون أن نكمل خطوات الوعي والنهوض بالثقافة. هنا نأتي لجوهر ما بعد النسوية، حيث يرى أصحاب هذا التوجه أن المحك الحقيقي الآن هو الاهتمام بالكل.

يرافق هذا التوجه عالميًا مفهوم “الهوية  غير المحددة أو المائعة”، وهي نتاج التوجه النسوي الذي يرى أن الهوية المرتبطة بالنوع مجرد صناعة مجتمعية، فيقال “لا يوجد شيء اسمه مرأة! المرأة صناعة المجتمع”. إن هذا المستوى المعقد من الطرح النسوي تمَّ تمييعه بالمساقات العربية، أو بالأحرى التشويه والتطفيف عليه. ليس مهمًا أن نتفق أو نختلف مع هذه الاتجاهات، فالحقيقة أن كل هذه الأفكار البشرية لا يوجد بها حق مطلق ولا شر مطلق. كل اتجاه له مميزاته ومشكلاته، والنضج المعرفي هو الذي يجعلنا قادرين على معالجة هذا النتاج العلمي وطرحه بشكل موضوعي نزيه.

على شفا حفرة، فإن التقدم بخطوة نحن الأمام قد لا يكون تقدمًا إن كنت تقف على رأس الهاوية. وبالتأكيد معالجة كل ما سبق تكاد تكون فكرة معقدة ومخاطرة معرفية، فبعض المهتمين حاليًا بالفكر النسوي ما زالوا عالقين بالطور الأول. نحن هنا لا نوجه – بالتأكيد – أي لوم أو تشكيك، بل العكس، هذا النص رسالة للتأمل ومراجعة المفاهيم النسوية بشكل محدث، وتجاوز الأطوار الطفولية الأولى والتركيز على فكرة “الخطاب المجتمعي” كمفتاح رئيسي للعلاج المضمون لمشكلات المرأة، وأيضًا التمسك بفكرة “التمكين للجميع” وتفهم الضعف المعرفي.

في الختام، إن اتخاذ أشكال الصدامية والعدائية مع المجتمع لا يخدم أحدًا. بالتأكيد أن الجذور الراديكالية في المجتمعات الشرقية تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز هذا النزاع، لكن مهم أن نؤمن بصوت العلم في السنوات القادمة. علينا أن نكون مستعدين لتقبل التنوع، وحين نقول التنوع فهو التنوع في كل شيء من الفكر والنوع والصوت. الخروج من أطوار الفكر النسوي الأولية أمر طبيعي، لكن المهم أن لا يكون خروجًا مشوهًا أو ولادة متعسرة.

 

كاتبة سعودية*

[email protected]

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر