مركز سمت للدراسات الأمير محمد بن سلمان ورؤية السعودية 2030 | مركز سمت للدراسات

ماذا لو لم تطلق السعودية رؤية 2030؟.. قراءة في السيناريوهات المرعبة

التاريخ والوقت : الأحد, 25 أبريل 2021

حبيب الشمري

 

ليس من السهل سرد الأثر الكبير الذي أحدثه قرار السعودية إطلاق “رؤية المملكة 2030” بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، في 2016. لكن يمكننا تخيل الأوضاع لو لم تطلق الرؤية، ولم توجد لها تلك الإرادة السياسية، لأنه “بضدها تعرف الأشياء”.

في يناير من عام 2015 عندما تسلم الملك سلمان مقاليد الحكم في البلاد، كانت أسعار البترول العالمية تراوح عند الـ30 دولارًا، ولا يوجد بوادر أو توقعات أن تتحسن على المدى المنظور، وبالتالي فإن أكثر مبلغ يمكن أن يدخل الخزينة العامة هو 300 مليار ريال، بينما فاتورة الرواتب فقط أكثر من 500 مليار ريال، وإذا أضفنا الاحتياجات التنموية الرأسمالية والنفقات الأخرى التي تحتاج 500 مليار ريال آخر، فإن الدولة ستقوم بسحب ذلك من الاحتياطي العام للدولة البالغ آنذاك تريليوني ريال. 

وعلى افتراض استمرار انخفاض أسعار البترول لمدة أربعة سنوات – وهو ما حدث بالفعل – فهذا يعني أن الاحتياطيات المالية سيتم استنزافها بالكامل في عام 2018. وبالتالي ستبقى البلاد بلا احتياطي مالي يحمي العملة الوطنية، ويقابل الواردات. وهذا يعني بالمفهوم الاقتصادي (إفلاس الدولة)، وسيترتب عليه انفجار التضخم، وزيادة الدين العام بفوائد عالية جدًا، وتوقف المشاريع التنموية، والاضطرار إلى تخفيض الرواتب، وتسريح كثير من الموظفين، وشلل تام في الاقتصاد، حيث سترتفع فوائد القروض للمؤسسات والأفراد والحكومة. رغم أن تلك الصورة تخص الوضع المالي فقط، فإنها تعكس صورة مقربة لما يمكن أن تؤول إليه الأمور بشكل عام، لولا إطلاق مشروع الإصلاح الجريء “رؤية المملكة 2030”.

على صعيد الطاقة، كانت الشركة الوحيدة التي تنتج الكهرباء في البلاد  – عصب الحياة – تحرق أكثر من 800 ألف برميل من الزيت الثقيل هباء، وتسجل خسائر متراكمة، وترزح تحت طائلة ديون لشركة أرامكو تتجاوز 160 مليار ريال، وتفوت فرصة بديلة على البلاد تبلغ أكثر من 50 مليار ريال سنويًا فيما لو تم تحرير هذه الكميات وضخها في السوق العالمية، بينما تدفع الحكومة أكثر من 60 مليار ريال أخرى عبارة عن دعم عام لاستهلاك الكهرباء يذهب أكثر من 80% لكبار المستهلكين، في حين أن ملاحقة النمو على الطلب على الكهرباء كان يتطلب أكثر من 300 مليار ريال خلال عشر السنوات التي تنتهي في 2025. صورة مرعبة أخرى على الخزينة العامة، لم تكن ظاهرة لكثيرين، ولا توجد بوادر لحلحلة المشكلة، ولا النظر في الخيارات المتاحة، وخاصة في مجالات الطاقة المتجددة، وترشيد الطاقة وكفاءتها.

على صعيد البطالة وفرص العمل، كانت الصورة أكثر قتامة، والجامعات تزج بمزيد من الشباب والشابات إلى سوق العمل الذي يغص بالأجانب، ويتغذى على ثدي الإنفاق الحكومي الذي لا يمكن ضبط إيقاعه لارتباطه بتذبذب أسعار البترول العالمية. كان المرعب من هذه الزاوية غياب أي رؤية لمقابلة عشرات الآلاف من المقبلين على العمل؛ لأن القطاع الخاص لا يعرف توجهات الدولة، ولا يرى خطوات عملية منها في هذا الإطار. بينما على الجانب الآخر، ترتفع فاتورة الرواتب والمكافآت الحكومية بشكل لا يقابل الجهد ولا المنجز، وهو ما يمثل بكل وضوح (بطالة مقنعة) تضع مستقبل البلاد على خيارات صعبة.

على الصعيد الاستثمار، توقفت دورة الزمن بصندوق الاستثمارات العامة بملكيته لمحافظ في سوق الأسهم المحلية فقط، تمثل دخوله كمؤسس لدعم بعض القطاعات التنموية خلال الخطط الخمسية، بينما لا تتجاوز أرباحه 1% فقط، مع تنازل الحكومة عن أرباحها في شركة كبيرة مثل الكهرباء. وتلك صورة مخيبة للآمال – آنذاك – عن صندوق سيادي يفترض أن يكون الممول الرئيس للخزينة العامة أسوة ببقية دول العالم.

ماليًا، لم يكن في المملكة سوق دين متين يمكن اللجوء إليه لتغطية جزء من العجز المالي المتوالي في الميزانية العامة للدولة، كما أنه لا يوجد نظام ضريبي كفء يمكن الاعتماد عليه لتغطية بعض النفقات المالية، حيث يندر أن يكون هناك اقتصاد في العالم يمكن أن يبقى على قيد الحياة بدون ذلك.

في قطاع الإسكان، عجزت هيئة الإسكان التي تحولت في تلك الفترة إلى وزارة عن تحريك القاطرة، وغصت في تنفيذ 16 ألف وحدة سكنية تعثرت، ولم يجرِ تسليمها منذ 2008، في حين لا يتجاوز التمويل العقاري 3% من المحفظة الإقراضية البنكية التي كانت موجهة للقروض الشخصية والاستهلاكية نظرًا لإحجام البنوك عن الدخول في هذا المجال لغياب التشريعات التمويلية والسكنية، كما أن التطوير العقاري في المملكة يئن تحت وطأة البيروقراطية، وتجاذب المسؤوليات، ويتطلب الحصول على التراخيص المطلوبة لتطوير أرض في المدن الرئيسية بين عامين وثلاثة أعوام، في وقت يرتفع الطلب على المساكن بنسب تتجاوز 300 ألف وحدة سكنية سنويًا، ولا تتجاوز نسب التملك 47% على أحسن تقدير.

في الجانب السياحي، كان البلد مغلقًا تمامًا، ولا يسمح بدخول الأجانب، ومواقع الجذب السياحي والتاريخي مهجورة، بل إنها تتعرض للتخريب والإهمال والعبث. بينما مستوى خدمات الإيواء في المملكة متدنية بشكل لا يليق إطلاقًا ببلد ضمن مجموعة العشرين العالمية. وهكذا، فإن موردًا اقتصاديًا ضخمًا مهمل، ولا توجد أي بوادر لاستثماره. وتعليميًا، كانت مئات من المشاريع المدرسية متعثرة، والمناهج الدراسية تزدحم بحشو تعليمي لا يتواءم مع التطورات العالمية، ولا سوق العمل، ولا ثورة الاتصالات، وتبدو العملية التعليمية في أزمة حقيقية نظريًا وعمليًا.   

على صعيد التحول الرقمي، لم يكن الربط الحكومي ذا فائدة، خاصة فيما يتعلق بالخدمات الاستراتيجية، وسوق العمل، والخدمات الحكومية، وكانت كل جهة لها طريقتها الخاصة في هذا المجال، وربما ربطت بعض المنجزات (التقنية) بأشخاص أو جهات بعينها، ما يكشف حجم الافتقار إلى رؤية واضحة، ومستهدفات محددة زمنيًا وكميًا.  

 لذلك، اختزل الملك سلمان كل خبرة السنين في مؤسسة الحكم، وتجاربه الثرية مع خمس ملوك مروا على المملكة، ليعيد هيكلة الدولة، ويضخ الدماء في عروقها، واختار لهذه المهمة (الشاب) محمد بن سلمان ليطلق “رؤية المملكة 2030” عبر 13 برنامجًا استراتيجيًا، ومئات المستهدفات، وفق حوكمة واضحة وشفافة. بعد وضع الخطوط العريضة، تم إطلاق برنامج التحول الوطني 2020، وإصلاح الأجهزة المركزية مثل: النيابة العامة، وأمن الدولة، وهيئة مكافحة الفساد، ثم بدأ بعملية مكافحة الفساد، التي تعتبر الأجرأ في العالم، حيث لم تستثنِ أحدًا، سواء من أبناء الأسرة الحاكمة أو المسؤولين والوزراء أو المواطنين.

كيف هي الصورة اليوم ونحن نحتفل بمرور 5 سنوات، لا يمكن لظروف المساحة إلا أن تقدم لمحة بسيطة فقط، وإلا فإن الحقائق على الأرض هي الشاهد الأكبر:

– لا تزال الاحتياطيات المالية بحدود تريليوني ريال، مشكلة حاجز حماية للريال السعودي.

– تم تأسيس سوق دين محلية استقطبت شركات تمويل عالمية، يمكن اللجوء لها في أي وقت.

– تم تأسيس نظام ضريبي فعال، ساهم في حماية اقتصاد المملكة خلال جائحة كورونا، وساهم في ضبط الأنشطة الاقتصادية وشفافيتها.

– تم إطلاق برنامج خادم الحرمين للطاقة المتجددة، بحيث يتم إنتاج 50% من الكهرباء في 2030 من الطاقة المتجددة، والباقي من الغاز.

– تم توقيع عقود مشاريع طاقة شمسية تنتج 3600 ميجاوات، كمرحلة أولى.

– دخل إلى الخدمة أول مشروع للطاقة الشمسية في سكاكا بطاقة 300 ميجاوات.

– يقترب مشروع لطاقة الرياح من الدخول في الخدمة بطاقة 400 ميجاوات.

– عند الانتهاء من مشاريع الطاقة المتجددة ستوفر أكثر من مليون برميل من النفط، وهو ما يعني توفير أكثر من 800 مليار ريال على مدى السنوات العشر المقبلة.

– صندوق الاستثمارات العامة رفع أصوله إلى أكثر من 400 مليار دولار، وفي محفظته حاليًا أكثر من 200 استثمار محلي ودولي.

– أطلقت أعمال المشاريع الاستراتيجية الكبرى مثل: القدية، بوابة الدرعية، والبحر الأحمر، ونيوم، وآمالا، التي ستشكل نقلة نوعية في مجالات السياحة، وستستقطب أكثر من 100 مليون سائح في 2030.

– انخفاض أرقام البطالة، وخلق مئات فرص العمل للجنسين في القطاعين، على الرغم من الجائحة.

– ارتفاع تملك المساكن إلى أكثر من 52% مقارنة بـ47% عند إطلاق “رؤية المملكة 2030″، وأقر مثال على ذلك استفادة أكثر من 70 ألف أسرة خلال الربع الأول 2021 من برنامج “سكني”.

– في التحول الرقمي المرتبة الـ12 بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، والـ27 عالميًّا في مؤشر البنية الرقمية ضمن مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية أيضًا، متقدمة بأكثر من 40 مركزًا.

– في المجالات الاجتماعية لا يمكن اختزال الصورة، لكن يكفي ما حدث في تمكين المرأة.

– في الرياضة أصبحت المملكة الوجهة الرياضية الأولى عالميًا بمناسبات ضخمة مثل: نزال الدرعية، والفورميلا، وبطولات الأندية العالمية.

– في الترفيه، أصبحت المملكة وجهة أولى لدول المنطقة، رغم أن تجربتها لم تتجاوز عامًا واحدًا في هذا المجال، ويمكن الاستشهاد بمواسم السعودية.

كاتب وصحفي سعودي*

[email protected]

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر