ماذا تفعل روسيا في إفريقيا؟

التاريخ والوقت : الأربعاء, 11 ديسمبر 2019

جوزيف دانا 

 

عندما كان معظم العالم مهووسًا بتورط روسيا في السياسة الأميركية وقوتها المتنامية في الشرق الأوسط، تمكنت موسكو من تحقيق نجاحٍ كبيرٍ في جميع أنحاء إفريقيا. فروسيا تعمل كقوة موازنة للنفوذ الصيني الضخم وتراجع الوجود الأميركي في القارة الإفريقية، ولهذا أقامت موسكو شراكات عسكرية جديدة بمساعدة من العديد من الشركات بالقطاع الخاص لإعادة تأسيس نفسها كقوة رئيسية في إفريقيا. موسكو لم تمارس الكثير من النفوذ من أنغولا إلى زنجبار منذ الحرب الباردة. كما هو الحال مع سوريا، حيث لم تكن مناورة روسيا ممكنة لو لم تخلق الولايات المتحدة فراغًا ليملأه  شخصٌ ما. وبداية من الرئيس السابق باراك أوباما ومحوره في آسيا واستمراره في ظل رفض الرئيس دونالد ترمب “الإفراط في توسيع” القوة والنفوذ الأميركي في جميع أنحاء العالم، خفضت الولايات المتحدة بشكل واضح من مواقعها الاقتصادية والثقافية والعسكرية في القارة الإفريقية.

لقد تُرِكَت العديد من السفارات الأميركية بدون سفير أو موظفين أساسيين. فالسفير الأميركي في جنوب إفريقيا، وهو أحد أهم المراكز الدبلوماسية في القارة، وصل فقط في أكتوبر، أي بعد أكثر من ثلاث سنوات. وكان ترمب بالكاد يخفي احتقاره لإفريقيا. وبعد الإشارة إلى بعض الدول الإفريقية عارض الرئيس إعادة النظر في السياسات تجاه بعض الدول الإفريقية الكبرى. فخلال خطاب ألقاه في الأمم المتحدة عام 2017، أشار ترمب إلى البلد الإفريقي غير الموجود “نامبيا” مرتين. ومع تراجع الولايات المتحدة، استفادت روسيا من فرصة تحدي قوة الصين في إفريقيا. وفي إطار “مبادرة الحزام والطريق” (BRI)، وهو مشروع طموح مُصمَّم لإعادة توجيه التدفقات التجارية من الغرب إلى الصين، حيث قدمت بكين ائتمانات ونفوذًا عبر القارة. ومن خلال تمويل المشاريع العامة للبنية التحتية في الدول الفقيرة، أدخلت الصين العديد من البلدان الإفريقية في مدارها الاقتصادي من خلال الديون. فالدبلوماسية تقع في فخ الديون من خلال هيمنة الصين التكنولوجية.

ومن خلال إغراق القارة بالهواتف الذكية الرخيصة والتطبيقات الصينية مثل WeChat، فرضت بكين نفسها كقوة عظمى هناك. ومع تركيز ضئيل على التكنولوجيا والبنية التحتية، تعمل روسيا على مد نفوذها في المقام الأول من خلال المساعدة العسكرية والمرتزقة ووسائل الإعلام. ووفقًا لصحيفة “ديلي مافيريك”، وهي صحيفة جنوب إفريقية، فإن روسيا تعدُّ حاليًا أكبر مورد للأسلحة إلى إفريقيا، حيث وقعت عددًا من الاتفاقيات العسكرية مع 21 دولة إفريقية. وبجانب الصفقات العسكرية وشراكات التدريب مع ما يقرب من نصف دول إفريقيا، فهناك شراكات في مجال الطاقة النووية مع مصر ورواندا وإثيوبيا وأوغندا وزامبيا. وفي الوقت الذي تكافح فيه جنوب إفريقيا لتنشيط اقتصادها، فإنها قد تقع قريبًا في المدار الروسي.

والملاحظ على العديد من هذه الشراكات العسكرية أنها تتعزز بصناعة المرتزقة الخاصة المتنامية في روسيا. وعلى غرار المقاولين الأميركيين العاملين في العراق بعد صدام حسين، قامت الشركات الروسية ببناء شركات تستخدم قدامى المحاربين في النزاعات الشيشانية والأوكرانية. وتتمثل أنجح وأهم هذه الجماعات في مجموعة “فاجنر”، التي يديرها الأوليغارجي “يفغيني بريغوزين” في سان بطرسبرغ، والمعروف أيضًا باسم “طباخ بوتين” بسبب ملكيته للمطاعم. أصبحت أهمية مجموعة “فاجنر” واضحة في أكتوبر بعد مقتل سبعة من المتعاقدين معها في شمال موزمبيق، حيث كانوا يقاتلون المسلحين المرتبطين بـ”داعش”. وقد كشف الحادث عن مدى حاجة موزمبيق للمساعدة الروسية لإخماد التمرد المتزايد في البلاد، بدلاً من اللجوء إلى جنوب إفريقيا المجاورة أو حتى الاتحاد الإفريقي طلبًا للمساعدة، حيث تعتمد موزمبيق على القوات الروسية. والقصة نفسها تتكشَّف في كل مكان تنظر إليه. كما وقَّعَت تنزانيا أخيرًا اتفاقية تعاون توفر فيها القوات الروسية تدريبات عسكرية في مقابل الحصول على إذن لتطوير واختبار الأسلحة في البلاد. وتمَّ ــ أيضًا ــ توقيع صفقات أخرى في النيجر ونيجيريا والسودان ومالي ومدغشقر وإريتريا. ونتيجة لكل هذه الصفقات نجد مستوى مثيرًا للإعجاب للنمو في تجارة روسيا مع إفريقيا، من 17.4 مليار دولار في عام 2017 إلى 20.4 مليار دولار في عام 2018. وفي أكتوبر، نظم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أول قمة روسية – إفريقية في سوتشي لعرض ثمار جهود روسيا في القارة، وقد حضر 43 من أصل 55 رئيس دولة في إفريقيا. وبعد أن استفاقت على حقيقة أن روسيا تدفع نفسها لأن تكون في واحدة من أسرع المناطق نموًا في العالم، فإن الصحافة الأميركية تغطي حاليًا كافة جوانب التدافع الجيوسياسي لموسكو لصالح إفريقيا. وعلى سبيل المثال، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن روسيا تنشر “أسلحتها الدعائية الدولية” في شكل قناة “روسيا اليوم” RT  التلفزيونية المملوكة للدولة ووكالة “سبوتنيك” الإخبارية للأنباء في مختلف البلدان لنشر الرسالة التي تقول: “في الوقت الذي تواصل فيه أوروبا الغربية والولايات المتحدة تقليدًا منذ قرون في استغلال إفريقيا، فإن موسكو على استعداد للتفاعل مع إفريقيا بشروط متبادلة المنفعة”.

لكن الحقيقة تبدو مختلفة بالطبع. وكما في حالة بكين وواشنطن من قبل، ترى موسكو أن إفريقيا يمكن أن تعمل كأداة ثمينة في مدارها الجيوسياسي الجديد. وفي هذا السياق نجحت روسيا في الدخول للشرق الأوسط. لكنها تركز أعينها في الوقت نفسه على ما يمكن القول بأنه بيئة أكثر ملاءمةً للنمو والموارد الطبيعية. لكن هذا التحول ربَّما يحدث بشكلٍ أقل فاعلية بسبب تحفظ أميركا على الحفاظ على موقعها كقوةٍ عظمى عالميةٍ. هنا نشير إلى أن المخاطر التي تنطوي عليها لعبة الجغرافيا السياسية تبدو كبيرة جدًا. وبالتالي، فإن إفريقيا باتت معلقة من قِبَل مستعمريها السابقين وتدخُّل قوة جديدة لملء الفراغ.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر:Syndication Bureau

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر