خريطة الجماعات المسلحة في مالي والساحل

التاريخ والوقت : الأحد, 15 سبتمبر 2019

أندرو ليبوفيتش

منذ عام 2012، واجهت مالي سلسلة من الصراعات العنيفة. فقد كشف تمرد الطوارق واحتلال الجماعات الجهادية اللاحق لشمال مالي في ذلك العام عن العديد من الانقسامات في المجتمع والحكم. ورغم أنها ليست جديدة، فإن الأمور ازدادت سوءًا بمرور الوقت. ذلك أن فقدان الحكومة السيطرة على أكثر من نصف مساحة اليابسة في البلاد، بجانب الضغوط التي تمارسها على المناطق المحلية نتيجة للتنافس على الموارد، وانتشار الأسلحة، والأيديولوجيات الصدامية، كل ذلك وغيره من العوامل أدى إلى تفاقم الصراعات الداخلية في مالي، وهي الأنماط التي ظهرت أيضًا في أماكن أخرى.

لقد أدى التدخل الفرنسي تحت ستار عملية “سيرفال” في يناير 2013 إلى طرد الجماعات الجهادية من مدن مالي، لكن لم يتم القضاء عليها. لقد انزلقوا نحو إعادة تنظيمهم، وعادوا لمهاجمة بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام التي أنشئت في مالي، والبعثة المتكاملة، وكذلك القوات المالية والفرنسية والأهداف المدنية في العاصمة “باماكو” وحتى خارج حدود مالي.

وفي مواجهة ذلك الواقع، فإن أي شخصٍ يحاول فهم طبيعة النزاع المسلح في مالي ومنطقة الساحل يعتريه مجموعة كبيرة من التحديات. ويكمن أولها في تداخل هذه الصراعات في معظم الأحيان. فالنزاعات القائمة بين الجماعات العرقية المختلفة، وكذلك القائمة بين الجماعات الجهادية والحكومة، والجماعات المسلحة، ليست لها في الغالب حدود واضحة.

أمَّا التحدي الآخر، فيكمن في وجود العديد من الجماعات المسلحة العاملة في المنطقة، والتي أحيانًا ما تكون ذات أهداف مختلفة، وأحيانًا تشترك فيما بينها وفي بعض الأحيان تختلف. حتى إن الخطوط الفاصلة بين الجماعات المسلحة “الجهادية” و”غير الجهادية” غالبًا ما تكون غير واضحة.

كما أن هناك مزاعم موثوقًا بها حول التعاون بين الجماعات المسلحة سواء كانت جهادية أو غير جهادية. فغالبًا ما يمر المقاتلون ذهابًا وإيابًا عبر كافة المجموعات، بناءً على معطيات الجغرافيا أو الظروف المحلية. وقد أدت هذه السيولة إلى مشكلات متكررة ومزاعم بأن كلاً من الجماعات المسلحة الموالية للحكومة والجماعات المسلحة الانفصالية أو غير الجهادية السابقة، تعاونت مع مختلف الجماعات الجهادية. وبالنظر إلى التحولات المستمرة في الوضع الأمني ​​والسياسي في المنطقة، فإن أي محاولة لتعيين هذا العدد الكبير من المجموعات هي بطبيعتها غير دقيقة.

ويمكننا القول إن الجماعات الجهادية تسعى إلى حد بعيد إلى إعادة صياغة نسختها من الشريعة الإسلامية وطرد القوات الأجنبية في مالي ومنطقة الساحل،بينما تسعى أيضًا للاستفادة من التوترات المجتمعية والاستياء المتنامي ضد الحكومات المحلية لزرع نفسها بشكل أكثر أمانًا،كما أنهم يشاركون في النزاعات المحلية حيث قدّموا في بعض الأحيان حماية للمجتمعات المحلية من الهجمات،سواء كانت من الطوارق في الشمال أو قبيلة الفولاني التي يشار إليها محليًا باسم “بيول”،في مناطق الوسط.

أمَّا بالنسبة للجماعات الأخرى، فإنها تمثل في بعض الأحيان مصالح محلية أو مجتمعية، في حين أن آخرين يروجون لأهداف سياسية أخرى، مثل الاستقلال أو الحكم الذاتي واسع النطاق في شمال مالي أو أساليب جديدة أقل هرمية للحكم والبنية المجتمعية. وهنا يمكن أن نلقي نظرة عامة واسعة على هذه المجموعات ومجالات عملياتها، مع ملاحظة أن هذا ليس وصفًا دقيقًا أو شاملاً، بل فقط تركيز على مالي وتطرق إلى منطقة الساحل، مع استبعاد تنظيم “داعش” في منطقة غرب إفريقيا (ISWAP)، التي يشار إليها باسم “بوكو حرام”، التي تنشط في منطقة بحيرة تشاد.

لقد كانت مشاركة الجماعات المسلحة في عملية السلام مسألةً صاخبةً، بسبب وجود مشاكل في الاتفاقيات نفسها، وكذلك الجهات الفاعلة والمصالح المختلفة العديدة والمتضاربة بين جميع أطراف الصراع، وكذلك الجماعات الجهادية نفسها، وما إذا كان بإمكانها أو ينبغي عليها في أي وقت مضى أن تنخرط في اتفاق سلام في نهاية المطاف. وقد شمل التوقيع على اتفاقات 2015 كلاً من الحكومة المالية، وتحالف الميليشيات الموالية للحكومة المعروفة باسم “بلايت فورم” (اسمها الرسمي هو بلايمفورم دي موفين)، وتنسيقية حركات أزواد (CMA)، وتحالف يضم عددًا من المجموعات العربية من أصل عرقي والطوارق، وذلك رغم أن أفراد الجماعات الأخرى منضمين أيضًا في هذه المجموعات. لكن حدثت انشقاقات عديدة منذ توقيع هذه الاتفاقات وطالبت بعض الجماعات ومن بينها أحد الفصائل التابعة لحركة “السلام في أزواد” (MSA) بإدراجها في الاتفاقية.

وطالبت مختلف الجماعات المسلحة والميليشيات الأخرى بالحصول على مزايا من هذه الاتفاقيات، وخاصة تلك التي تتعلق ببرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج التي من شأنها أن تضمن مزايا ومنافع وربَّما إعادة دمج قوات الدفاع والأمن في مالي لبعض المقاتلين.

كما أن المؤسسات المشرفة على الاتفاقات كانت تعمل من مواقع الصراعات والعنف على مقربة من الجماعات الجهادية والجماعات غير الجهادية. في حين أن السلطات المؤقتة مثل هيئات الإدارة المحلية المؤقتة المنشأة بموجب الاتفاقات التي تهدف إلى المساعدة في إعادة الخدمات الأساسية لمناطق الشمال، تضم ممثلين عن كافة الجماعات المسلحة، إلا أنها كانت بطيئة في أن تتحول لتصبح أكثر فاعلية، كما أنها تشكو بانتظام من النقص في المال والتدريب والدعم.

وبالمثل، فقد عانى فريق تنسيق العمل (MOC)، الذي يعمل على إعادة تجميع المقاتلين من أجل إجراء عملية نهائية لنزع السلاح والتسريح وإعادة التأهيل والاندماج، في مناطق “غاو” و”كيدال” و”تمبكتو”. ففي “غاو”، أسفر تفجير مدمر لأحد المخيمات في يناير 2017 عن مقتل العشرات من المقاتلين، بينما في “تمبكتو” كانت هناك جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) التي أعلنت مسؤوليتها عن مقتل قائد فريق العمل التنسيقي، “سالم ولد مبوي”، في سبتمبر 2018.

لقد اختلفت الحكومة والجماعات المسلحة الموقعة على عدد من القضايا المتعلقة بنزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج وإصلاح قطاع الأمن. وحتى الآن لا يوجد أي اتفاق على الرتب العسكرية التي تمنح للضباط الذين فروا خلال التمرد، أو على العدد النهائي للمقاتلين الذين سيتم دمجهم في القوات المسلحة.

وفي بعض الأحيان علقت بعض الجهات مشاركتها احتجاجًا على القرارات التي اتخذتها أو لم تتخذها الحكومة. حتى إن هذه الجهات دفعت في اتجاه التأثير على قضايا الإصلاح السياسي، بما في ذلك الوعود التي تضمنتها الاتفاقات الخاصة بالإصلاح الدستوري وقوانين اللامركزية الجديدة.

واستجابةً لشكاوى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن التنفيذ البطيء لاتفاقيات السلام، اتفقت الأمم المتحدة وحكومة مالي على تسريع عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج وذلك بغرض المساعدة في بدء إعادة إدماج الفارين من المقاتلين السابقين. حيث سيخضع نحو ألف وثمانمئة من المقاتلين الذين سيتبعون هذا الأمر في البداية، حيث سينضم إليهم أعضاء الجماعات المسلحة خارج الأطراف الموقعة على الاتفاق وذلك في إطار عملية تسجيل سريعة للأسماء، بالإضافة إلى فترة وجيزة من التدريب العسكري والمدني في جنوب مالي. ثم إعادة الانتشار في الشمال كجزء من “جيش مالي المعاد تشكيله”. ومع ذلك، فإن المراحل الأولية لبرنامج التأهيل والدمج في وسط مالي لا تزال غير واضحة حول كيفية عملهم، ومن سيعينونهم، أو ما إذا كان الجهاديون السابقون سيكون لديهم الفرصة للمشاركة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر