حانت لحظة الحقيقة بالنسبة للعلاقات الأميركية التركية

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 16 يوليو 2019

جوش روجين

 

منذ ما يقرب من عامين، حذَّرت الولايات المتحدة الحكومةَ التركيةَ من الحصولِ على نظامِ الدفاعِ الصاروخي الضخم من روسيا. وقالت واشنطن حينها إنه لو حدث ذلك، فلن يكون أمامها خيار سوى فرض عقوبات ربَّما تزيد من شلل الاقتصاد التركي، وتقييد دور تركيا في إطار حلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى تغيير التحالف القائم بين الولايات المتحدة وتركيا للأبد. لكن تركيا قامت، هذا الأسبوع، بحركةٍ خادعةٍ؛ حيث تتسلم المعدات الروسية. لكن المشكلةَ بالنسبة لتركيا تكمن في أن إدارة ترمب لم تكن مخادعة.

فقرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالمُضيِ نحو الحصول على نظام الدفاع الصاروخي الروسي “إس 400″، يبدو بمثابة تحدٍ مباشرٍ للكونجرس والحكومة الأميركية؛ وهو الأمر الذي لا يتعلق بالولايات المتحدة وتركيا فحسب. فمن خلال جرأة فريق ترمب على تطبيق قانون يعاقب أي دولة تتعامل مع الصناعات الدفاعية الروسية، فإن الخطوة التركية تمثل تحديًا لمصداقية سياسات العقوبات الأميركية بكافة أنحاء العالم.

وربَّما يكون ذلك أحد الأسباب التي تجعل إدارة ترمب غير واقفة على الجانب الآخر. فقد أخبرني العديد من المسؤولين أن الإدارة الأميركية تجهز لعقوبات قوية ستكون قيد الإعداد بعد فترةٍ قصيرةٍ من تأكيد تركيا على قيامها باستلام أنظمة الدفاع الصاروخي “إس 400″، حتى لا يستطيع أردوغان القول بأنه لم يتم تحذيره.

لقد قلنا في مناسبات عديدة إنه ستكون هناك عواقب ليست جيدة بالنسبة لتركيا، وإنها أيضًا ليست جيدة بالنسبة للولايات المتحدة هي الأخرى، لكنها ستكون ضرورية. فقد قال ممثل الولايات المتحدة في الناتو “كاي بيلي هتشيسون” الشهر الماضي: “ليس لدينا خيار”.

فبالإضافة إلى العقوبات المفروضة بموجب القانون الصادر عام 2017، والمسمى بـ “قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات” (CAATSA)، والذي ربَّما يؤثر على قطاعات واسعة في الاقتصاد التركي، فإن تركيا معرضة لأن يتم طردها بالكامل من برنامج “الطائرات المقاتلة من طراز إف 35”.

فالقرر الخاص بذلك البرنامج يبدو شديد الوضوح، لأن الطائرات الأميركية الأكثر تقدمًا لا يمكنها مشاركة نفس المساحة الجغرافية مع الأنظمة الدفاعية الروسية المصممة لاكتشافها. وقال “هتشيسون” إنه “يمكن لتركيا الحصول على (إس 400) أو (إف 35)، لكن لا يمكنها الحصول على الاثنين”. وفيما يتعلق بالعقوبات الموسعة، فإن هناك مجموعة من العقوبات التي يمكن للإدارة الأميركية أن تختار تنفيذها. فالقانون ينص على فصل الكيانات التركية عن المؤسسات المالية الأميركية، ومنع منح التأشيرات للمسؤولين الأتراك، بل وتجميد أصولهم الأميركية، وكذلك الحد من قدرة تركيا على الحصول على الأموال من المؤسسات الدولية. ورغم عدم اتخاذ قرارات نهائية، فقد أخبرني عدد من المسؤولين أن رد الإدارة الأميركية سيكون قاسيًا.

كما أن الكونجرس يصر على إنزال عقوبات قاسية على تركيا. ففي شهر يونيو الماضي، أصدر بالإجماع قرارًا يدعو إدارة ترمب لفرض عقوبات صارمة ضد أنقرة إذا لم يرتدع أردوغان عن مساره نحو “إس 400”. ذلك أن “القانون واضح ولا لبس فيه”، حسبما أخبرني “روبرت مينينديز” العضو بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والنائب عن ولاية نيوجيرسي. وقال أيضًا “كما حذرنا مرارًا، فقد يكون لهذه العقوبات عواقب وخيمة على الاقتصاد والدفاع في تركيا”.

ويقول المسؤولون إن تلك الرسائل تمَّ إرسالها مرات عديدة على أعلى المستويات بين الحكومتين التركية والأميركية. لكن الرئيس ترمب قوَّض تلك الرسالة عندما التقى أردوغان على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في “أوساكا” باليابان الشهر الماضي. وكان ترمب ألقى باللوم على إدارة أوباما لعدم اعتراضها على بيع أنظمة صواريخ “باتريوت” الأميركية. وقال مسؤولون في إدارة ترمب إن الرئيس الأميركي كان يشير إلى الشروط التي وضعها أوباما للبيع، وإن الإدارة الأميركية عرضت على تركيا شروطًا أفضل. وبغض النظر، لا يبدو أردوغان مهتمًا بالأمر؛ ففي مؤتمرٍ صحفيٍ فيما بعد، قال ترمب “إنها صفقة معقدة، لكن سنرى ما يمكننا القيام به”.

وفيما بعد قال أردوغان إن ترمب قدَّم له تأكيدات بأن الحكومة الأميركية ستبحث عن طريقةٍ لتجنب العقوبات ضد تركيا. فقد قال أحد مسؤولي إدارة ترمب إنهم لن يقوموا في الحقيقة بذلك، حيث اقترح أردوغان تشكيل مجموعة عمل مشتركة لدراسة الأمر، لكن مسألة تأخير العقوبات ليست البداية.

إن العقوبات على تركيا لا تتعلق فقط بتركيا أو الناتو أو حتى روسيا؛ فقد زادت إدارة ترمب بشكل كبير من استخدام العقوبات الأحادية كأداةٍ رئيسيةٍ لاستراتيجيتها الهادفة لتغيير سلوك البلدان الأخرى. وفي الوقت الحالي قال المسؤولون إن الصين تنتهك العقوبات الأميركية ضد إيران بشكلٍ صارمٍ من خلال الاستمرار في قبول شحنات النفط الإيراني. وفي حين كان هناك نقاش وجدل داخلي حول تقديم الصين عددًا من التنازلات، فإن إدراك إدارة ترمب يميل نحو اعتبار أن الولايات المتحدة سوف تضطر إلى معاقبة الصين لإجبارها على التعاطي مع التهديد بالعقوبات الأميركية.

بجانب ذلك، فإن العقوبات ليست حلاً سحريًا؛ حيث تتهم إدارة ترمب بالإساءة إليهم، وذلك على خلفية النفور الذي تبديه تجاه التدخل العسكري وتصميمها الأحادي الجانب على المضي في هذا المسار. حيث يعتقد فريق ترمب أن القوة الاقتصادية للولايات المتحدة لا تزال مهيمنة بدرجةٍ كافيةٍ ولديها القدرة على إجبار الدول الأخرى على تنفيذ ما تهدد به. كما يقول بعض منتقديها إن الإفراط في استخدام العقوبات يمكن أن يسرع في الوصول إلى اللحظة التي يتغير فيها الأمر عن هذا النحو.

أخيرًا، فمن الواضح أن أردوغان قرر اليوم أنه أكثر اهتمامًا بعلاقاته مع روسيا من علاقته بالولايات المتحدة. فعندما يتم إقرار العقوبات، سيشعر شعبه ببعض الآلام الاقتصادية. وهو ما قد يدفعهم إلى الإدراك أنهم بحاجة لقادةٍ يرون أمن تركيا ورفاهها في المستقبل في علاقتها مع الغرب، وليس مع موسكو.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: واشنطن بوست

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر