مركز سمت للدراسات حادثة إطلاق النار في بافلو: تحديات مواجهة إرهاب اليمين المتطرف | مركز سمت للدراسات

حادثة إطلاق النار في بافلو: تحديات مواجهة إرهاب اليمين المتطرف

التاريخ والوقت : الإثنين, 30 مايو 2022

وليام ألشورن

 

مقدمة

في مشهدٍ أضحى مألوفًا للغاية، وفي ظهيرة يوم السبت 14 مايو 2022، هاجم شاب مدجج بالسلاح يرتدي ملابس عسكرية، المتسوقين والعاملين في سوبر ماركت في مدينة بوفالو، نيويورك، ما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين.

كان معظم الضحايا من السود -يقع السوبر ماركت في حي تقطنه أغلبية من السود- حيث استهدف مطلق النار الأفراد السود على وجه التحديد، ويُقال إنه امتنع عن مهاجمة الأفراد البيض. بُثت عملية إطلاق الرصاص مباشرة عبر منصة الألعاب المعروفة باسم “تويتش”، وسجلت باستخدام كاميرا مثبتة أعلى خوذة التي يرتديها، وطبق فنون ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول.

في اللحظات التي سبقت إطلاق النار، أصدر الجاني بيانًا على الإنترنت -تكتيك شوهد في العديد من عمليات إطلاق النار الأخيرة لليمين المتطرف- وأصدر مذكراتٍ أيضًا على “ديسكورد”، منصة شعبية أخرى عادة ما يستخدمها هواة الألعاب الإلكترونية في التواصل، ويستغلها اليمينيون المتطرفون.

وقد تحدث في هذه المذكرات على وجه التحديد عن استهداف الأقلية السوداء في الولايات المتحدة، وحدد شكواه الرئيسة: نظرية مؤامرة “الاستبدال العظيم” مع ما يصاحبها من معاداة مسعورة للسامية، ومشاعر معادية للمتحولين جنسيًا.

أنماط القدرة على التنبؤ في هجمات بوفالو.. وغيرها من هجمات اليمين المتطرف الإرهابية

ربما كانت واحدة من أكثر الحقائق المحبطة التي ظهرت بعد الهجوم هي ضعف القدرة على التنبؤ بالأعمال الإرهابية (واكتشافها). أولًا، اتبع الهجوم والبيان (مذكرات المنفذ) النمط نفسه الذي اتبعته الحوادث الإرهابية السابقة في السنوات الخمس الماضية، التي كان يرتكبها يمينيون متطرفون في شكلٍ فردي أو ما يُطلق عليه الذئاب المنفردة.

في الواقع، ذكر مُطلق النار، في مذكراته على تطبيق ديسكورد، أنه بدأ في متابعة منتدى الرسائل فور تشان (4chan)، بعد بضعة أشهر من جائحة كوفيد-19 في عام 2020، وأنه تأثّر بشدة ببرينتون تارانت، الذي قتل 51 شخصًا في عملية إطلاق النار بشكلٍ مكثّف على مسجدين في كرايستشيرش، نيوزيلندا، في عام 2019. كما كتب أنه خطط في الأصل لشنِّ هجومه في 15 مارس، الذكرى السنوية الثالثة لهجوم تارانت.

ثانيًا، في السياق ذاته، تُظهر التقارير أنه منذ يونيو من العام الماضي، زارت شرطة ولاية نيويورك مُطلق الرصاص وأحالته لاحقًا للتقييم النفسي، بعد أن قام بمشروع في المدرسة الثانوية حول جرائم القتل والانتحار.

وفي الواقع، قبل عدة أشهرٍ من الهجوم، قاد المشتبه به سيارته لمراقبة السوبر ماركت ذاته في بوفالو، وأوقفه حارس أمن بسبب سلوكه المريب. ولما بادره الحارس بسؤالٍ حول سبب تواجده، رد بأنه يجمع “بيانات تخص تعداد السكان”. وقد وصف ما حدث ذلك اليوم في مذكراته على موقع ديسكورد بأنه “نجا بأعجوبة”.

وقد شارك مذكراته على ديسكورد -التي تُعتبر كنزًا للباحثين والممارسين في مجال مكافحة الإرهاب- قبل 30 دقيقة من الهجوم. في الواقع، مثل هذا السلوك “الكاشِف” الذي تركه المهاجم كان واضحًا أيضًا على الإنترنت، حيث نشر أسئلة وصورًا لذخائر ودروع واقية على “سيرفر” عام منفصل لتطبيق ديسكورد.

الجانب الثالث من الهجوم الذي اتبع نمطًا يمكن التنبؤ به كان مسار التطرف الذي سلكه المهاجم، وتوافر الأسلحة، والجانب الشبابي من ملفه الشخصي. إذ يبدو أن مُطلق النار قد مرّ برحلته إلى التطرف إلى حدٍّ كبير عبر الإنترنت، ومن خلال الانخراط في منصات بديلة، حيث يتابع هؤلاء الأشخاص المهاجمين السابقين من اليمين المتطرف متابعة المريد لشيخه، ويكون الاستعدادُ للتضحية بأنفسهم في سبيل قضيتهم أمرًا عاديًا.

ويتضح أيضًا أن المهاجم شابٌّ (18 عامًا فقط) وكيف أصبحت هذه سمة واضحة بشكلٍ متنام (أي كونهم ينتمون إلى فئة الشباب والذكور) لأولئك الذين استوقفتهم السلطات في مرحلةٍ مبكرة أو حاكمتهم أو الذين نفذوا هجماتٍ إرهابية يمينية متطرفة، في السنوات الخمس الماضية.

علاوة على ذلك، يتبين من مذكرات المهاجم أنه لم يجد صعوبة في الحصول على الذخائر اللازمة للهجوم. في الواقع، استغل التفاصيل الدقيقة في قانون الأسلحة في نيويورك من أجل ضمان تنفيذ هجومه، وباع العديد من ممتلكاته لتوفير أموال كثيرة تكفي لشراء الأسلحة النارية الثلاثة (مطبوع عليها شعارات وشارات فاشية وعنصرية لتفوق البيض) لتنفيذ هجومه.

وقد كتب مُطلق النار في وقتٍ لاحق في 30 يناير، أنه لو كان قد أُدخل بشكلٍ غير طوعي في برنامج لتقييم صحته العقلية، لما تمكّن من شراء السلاح بشكلٍ قانوني. وزعم ما يلي: “لأنني تمسكتُ بقصة أنني كنت خارجًا من الفصل وأنني كتبتُ ما كتبت بغباء. هذا هو السبب الذي يجعلني أعتقد أنني ما زلتُ قادرًا على شراء الأسلحة”.

الجانب الرابع من القضية يتبع نمطًا معروفًا جيدًا الآن يتعلق بالاستجابة في أعقاب الهجوم، والدروس المستخلصة التي يجب تعلمها. في أعقاب الهجوم مباشرة -وهو الأمر الذي ربما يُعتبر إشكاليًا للغاية- تعاملت السلطات مع الهجوم على أنه “جريمة كراهية، وعمل من أعمال التطرف العنيف الناجم عن دوافع عنصرية”، وليس عملًا إرهابيًا.

وفقًا لمعظم التعريفات، فإن الطبيعة المتعمدة، والتواصلية، والسياسية للهجوم، تستوفي بوضوح شروطَ تصنيفها كجريمةٍ إرهابية، ولكن هذا لم يحدث بعد.

إن المعايير المزدوجة التي تطبَّق على الإرهابيين اليمينيين المتطرفين، مقارنة بالإرهابيين الإسلامويين كثيرة، والفشل المتمثل في تصنيفها ببساطة على أنها جريمة كراهية أمر عادي بشكلٍ محبط.

حتى الآن، دفع المشتبه به ببراءته من تهمة واحدة هي القتل من الدرجة الأولى. وفي حال إدانته، فسيواجه عقوبة قصوى بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط، وإن كان بعض المسؤولين يعتقدون أن ثمة اتهامات أخرى قد توجه إليه.

الدروس المستفادة

تشير القدرة المحبطة على التنبؤ بهجوم بوفالو إلى جملةٍ من الدروس التي ينبغي لصانعي السياسات والممارسين تعلمها عند التحقيق في إجهاض المؤامرات والهجمات الإرهابية اليمينية المتطرفة المحتملة.

الأول هو البحث عن سلوكٍ كاشِف في سرية، ومضاعفة هذه الجهود بقوةٍ بالغة. فيما يتعلق بالرد على الهجوم، ينبغي الأخذ بالنهجٍ المعمول به في مجال الصحة العامة، لاكتشاف علامات الإنذار المبكر لمثل هذه الهجمات، وتحميل الأجهزة الرئيسة في الدولة والمواطنين مسؤوليتها في التدخل. وقد ينطوي ذلك على تدريبٍ أفضل، وقدرات التدخل السريع، وقوانين أكثر صرامة بشأن حيازة الأسلحة والذخيرة.

فيما يخص الجانب الأول، بدأنا مؤخرًا أول برنامج ماجستير من نوعه في الجامعة الأمريكية في لندن، التي تقع في ريتشموند، لمساعدة الجيل القادم من ضباط إنفاذ القانون، والصحفيين، والمتخصصين في التكنولوجيا، في فهم القضايا المرتبطة بالتطرف والإرهاب اليميني، ولكن من الواضح أيضًا أن هناك حاجة إلى نهج أكثر وقائية، أي “تدابير ما قبل وقوع الهجوم”.

ويجب تطبيق مثل هذا النهج على المستوى المجتمعي لتعزيز محو الأمية الرقمية، وتعزيز الثقة في معرفة كيفية التصرف، عندما يبدو أن صديقًا أو زميلًا أو قريبًا يتحوّل في اتجاهٍ مثير للقلق.

ولهذا فنحن بحاجة إلى وعي أفضل بمؤشرات التطرف. ومن شأن وجود وعي أفضل بالسلوكيات الكاشِفة أن يكون عاملًا أساسيًا في منع وقوع هجماتٍ مثل ما حدث في كرايستشيرش في نيوزيلاندا، وباواي وهاله في ألمانيا، وهاناو في ألمانيا، وإل باسو أو بوفالو في الولايات المتحدة.

المصدر: كيو بوست

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر