السيسي وماكرون.. وأردوغان

التاريخ والوقت : الإثنين, 21 سبتمبر 2020

عماد الدين حسين

 

نعلم جميعا أن أردوغان كان دائم التهديد والوعيد للجميع، ويتصرف كأنه ملك ملوك العالم، ويتدخل في معظم دول المنطقة، من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا وصولا إلى الصومال. هو تجاوز كل الحدود والأعراف.

صبرت مصر كثيرا وتحملت الكثير من الأذى، وعندما «طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى، ولم يبق في قوس الصبر منزع»، كانت مصر هي أول من وضع الخطوط الحمراء للرئيس التركى، حينما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى في 20 يونية الماضى قرب الحدود الليبية، أن الخط الأحمر لمصر في ليبيا هو «سرت ــ الجفرة»، وأي تجاوز لهذا الخط يعتبر مساسا بالأمن القومى المصرى، وإذا حدث ذلك، ستتدخل مصر عسكريا في ليبيا، ومن يومها بدأ الجميع، خصوصا تركيا يتعاملون باحترام مع المصالح المصرية.

بعد مصر جاء الخط الأحمر الثاني من فرنسا، حيث، قال ماكرون في يوم ٢٤ أغسطس الماضى: «إن أنقرة تحترم الأفعال وليس الأقوال. وحينما يتعلق الأمر بالسيادة في شرق المتوسط، يجب أن تكون أقوالى متسقة مع أفعالى، ويمكنني أن أبلغكم أن الأتراك لا يدركون ولا يحترمون إلا ذلك، ما فعلته فرنسا هذا الصيف كان مهما، إنها سياسة وضع خطر أحمر، وهو الأمر الذى تفهمه تركيا جيدا.

نتيجة هذا الحزم المصري والفرنسي، والإصرار اليوناني والقبرصي، وإقناعهم لعدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي والعالم بذلك، رأينا بداية تراجع تركى ملحوظ، وتهدئة واضحة.

في يوم الجمعة الماضي، تفاجأنا بأن الرئيس التركي يعلن استعداده للتباحث مع مصر بشأن الوضع في شرق المتوسط، وأنه مستعد لاستئناف الجلوس مع رئيس الوزراء اليوناني للتوصل لحلول سلمية للنزاع بينهما.

قبلها بأيام قليلة سحبت حكومة أردوغان «السفينة عروج رئيس» التي كان أرسلها للتنقيب عن الغاز بالمنطقة المتنازع عليها مع اليونان في البداية بحجة إجراء الصيانة، لكن أردوغان أعلن يوم الجمعة أن السحب جاء لإتاحة الفرصة للجهود الدبلوماسية.

وفي نفس اليوم قال أردوغان إن بلاده مهتمة بإجراء مباحثات مع مصر بشأن شرق المتوسط وليبيا. وقبلها بأسبوع كان نائبه ومستشاره ياسين أقطاي، يمتدح الجيش المصري الذي وصفه
بـ«العظيم»، وأن بلاده تريد تنحية الخلافات مع مصر جانبا.

لا نعلم حقيقة النوايا التركية وراء كل هذا التراجع. لكن تفسير ماكرون يبدو هو الدقيق حتى الآن. أردوغان يدمن سياسة حافة الهاوية، لأنه ربح منها أكبر قدر من المكاسب في سوريا والعراق وليبيا والاتحاد الأوروبي، عبر ابتزازه بورقة المهاجرين وقبلها ابتزاز حلف الأطلنطي بورقة قاعدة إنجرليك العسكرية.

لكن يبدو أن أردوغان أخطأ في المرة الأخيرة. هو راهن على الانقسام الأوروبى بشأن الوقوف مع اليونان وقبرص، وهما دولتان عضوان فى الاتحاد الأوروبي، الذى يعانى فعلا من انقسام واضح بشأن كيفية التعامل مع أردوغان، هل يظهر العين الحمرا، أم يمارس سياسة الاحتواء، أم يختار موقفا وسطا كما تفضل ألمانيا وإيطاليا؟!

انشغال أميركا بالانتخابات وكورونا، والموقف الفرنسى الحازم جعل بعض دول الاتحاد تغير موقفها المهادن، وتتحدث بلغة حازمة، وتلمح إلى اتخاذ إجراءات عقابية بحق أردوغان وحكومته، إذا استمرت سياسته المتحرشة باليونان وقبرص، والعربدة العسكرية أمام السواحل الليبية.

فرنسا اتبعت سياسة الأفعال، وأرسلت سفنا حربية وطائرات إلى اليونان وقبرص. ومصر أجرت العديد من المناورات العسكرية برا وبحرا، والأهم أنها وقعت اتفاق ترسيم الحدود مع اليونان، مما وجه ضربة مؤلمة إلى أردوغان، الذى هاجم الاتفاق كثيرا، ثم عاد وزير خارجيته مولود شاووش أوغلو، ليعترف بأن مصر عبر الاتفاق، لم تقترب من الجرف القارى التركي.

ماكرون فهم أردوغان جيدا، ونفذ خطوطه الحمراء، والسيسي فهم أردوغان منذ اللحظة الأولى، وتعامل بصورة راقية معه ومع بلاده، ولم يرد على كل الانتقادات والشتائم والتدخل الفج فى الشئون الداخلية المصرية، لكن في النهاية أعلن الخطوط الحمراء المصرية سواء في ليبيا أو شرق المتوسط، والنتيجة أن أردوغان بدأ يتحدث عن ضرورة الجلوس مع مصر ومع اليونان والحلول السلمية للخلافات بعد أن كان لا يكف عن التهديد والوعيد واللغة العنترية.
هذا الدرس يقول لنا إن أي سلام أو تنمية من دون قوة، كلام في الهواء.

 

المصدر: صحيفة الشروق

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر