مركز سمت للدراسات الانتخاب الطبيعي للأفكار: المتطلبات الأساسية وانعكاساتها على السياسة والفلسفة والتاريخ | مركز سمت للدراسات

الانتخاب الطبيعي للأفكار: المتطلبات الأساسية وانعكاساتها على السياسة والفلسفة والتاريخ

التاريخ والوقت : الإثنين, 19 سبتمبر 2016

نايف الروضان

لماذا تبقى بعض الأفكار والنماذج السياسية، على حين البعض الآخر يُصبح باليًا أو مرفوضًا؟

لقد شغلت هذه المسألة المعارف السياسية والفلسفية لآلاف السنين، وتفترض هذه المقالة وجود أربعة شروط لبقاء الأفكار، وتزعم بأن الأدوات الحديثة لفهم الطبيعة البشرية مثل تلك التي يقدمها علم الأعصاب، توفر لنا رؤى غير مسبوقة حول الميول البشرية واحتياجاتها.

وبناء على هذه النتائج، يمكننا أن نتصور بشكل أفضل لماذا تنجح بعض الأفكار، على حين أن البعض الآخر لا ينجح. وأيضًا يمكننا تصور آثارها المُحتملة على العلاقات الدولية.

إن حاجة الإنسان للكرامة أمر أساسي لهذا التفسير: فلا يمكن أن تزدهر الأفكار إذا لم تضمن وتُصن كرامة الإنسان. في عام 1859م، قدّم داروين مفهوم الانتخاب الطبيعي في أصل الأنواع، وتحرّى جون ستيوارت ميل عن ازدهار الأفكار في عمله “عن الحرية”. ففي الانتخاب الطبيعي تتلاشى تلك المورثات التي لا تساهم في بقاء الكائن الحي، وتضمحل بمرور الأجيال حتى يتم الاستغناء عنها لاحقًا، وما ذاك إلا لافتقار أصحاب تلك المورثات للقدرة التنافسية للتزاوج، وعجزهم بالتالي عن تمرير جيناتهم للأجيال اللاحقة. وكذلك طبق ميل حجة مماثلة للأفكار: فالأفكار الجيدة تبقى رغم صرامة النقاش النقدي. ولكن ليس هناك أي وسيلة لاكتشاف أي الأفكار ستصمد بمعزل عن اختبارها. وسأتجه لعلم الأعصاب في محاولة مني لمواصلة هذا النقاش، إذ إن التقدم في علم الأعصاب والتصوير الدماغي يُطلعنا على النزعات الكامنة في طبيعتنا؛ مما يشير إلى أننا سنكون أكثر ميلاً للاختيار والتحقق من صحة بعض الأفكار وتقديمها على غيرها. إن مهمتي هنا هي تفكيك هذه الفرضية من خلال النظر في الشروط الأساسية الأربعة للانتخاب الطبيعي للأفكار.

لقد اختلف الفلاسفة لعدة قرون فيما إذا كان البشر أخلاقيين بطبيعتهم أو غير أخلاقيين، ولهذا يقدم علم الأعصاب طرقًا جديدة لفهم الطبيعة البشرية كالفكرة الإبستيمولوجية (الصفحة البيضاء).

فالفرد ليس صفحة بيضاء تمامًا، لكنه مجهز مع مجموعة مضعّفة من غرائز البقاء  التي تُدرك – بشكل ملحوظ – من خلال التجربة الانفعالية، وهذا يعني أن تطور بوصلتنا الأخلاقية يتأثر بشكل كبير من خلال محيطنا بالأنوية الانفعالية وقيمة البقاء. وبالمثل، فإن استقبال واعتماد الأفكار يعتمد إلى حد كبير على الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الاحتمالات، فإن الأفكار يجب أن تستوفي مجموعة من الشروط للبقاء. ولأجل بقاء الأفكار وازدهارها، يجب أن تتحقق الشروط التالية:

١- الأفكار يجب أن تُجسد الخصائص الانفعالية اللاأخلاقية والأنوية (egoism) من الطبيعة البشرية.

بناء على علم الأعصاب، يُمكن وصف طبيعة الإنسان من خلال نموذج ” الأَنَوية الانفعالية اللاأخلاقية”. وتُشير الأدلة إلى أن الإنسان لا يُولد  أخلاقيًا ولا غير أخلاقي. ولكنه سوف يتأرجح بين الاثنين تبعًا للمصلحة الذاتية والظروف المحيطة به. بيد أن البشر مجهزون بحد أدنى من منظومة غرائز البقاء والحاجات المحددة سلفًا لمتابعة تلك النشاطات التي تضمن أعلى فرصة للبقاء.

وتستند هذه الحسابات – بشأن ما يزيد من فرص البقاء – على المصالح النفعية المُدركة، وبالتالي تتأثر بشكل ذاتي. وعلاوة على ذلك، تؤدي الانفعالية دورًا حاسمًا في عمليات التفكير لدينا، وفي أكثر الأحيان فإنها تتجاوز العقلانية.

سوف نُدرك – من خلال الكيمياء العصبية المشتركة – نوعية الأفكار التي نكون أكثر احتمالاً لتأييدها أو رفضها. وإن اختيار الأفكار التي تضع أساسًا للحكم الكلي، سوف يضمن في نهاية المطاف استدامة أكبر، في حين أن أي فكرة توجيهية تُنادي باللامساواة والتمييز سوف يعفو عليها الزمن، خاصة أن العالم يصبح أكثر ترابطًا وتكافلاً.

الربيع العربي هو التجسيد المثالي لكيفية أن ارتفاع مستوى الوعي السياسي ووجود عالم مترابط، هو في نهاية المطاف ضار بالأنظمة التي تقمع شعوبها وتفرض أشكالاً منفرة للسيطرة، أو تسمح بالتلاعبات الخارجية التي تتعارض مع الحساسيات الثقافية المحلية.

٢- يجب أن تكون الأفكار قابلة للتكيف والتعددية والتآزر مع الأفكار الأخرى.

إن قدرة الأفكار على التكيف ضرورية للبقاء، وفي السياق الحالي للترابط والتفاعل الثقافي، فإن الأفكار ذات الأهمية والقوة الثقافية هي التي سوف تدوم. كما هو الحال في الطبيعة، حيث إن ازدياد التعرض للأنواع الأخرى والتهجين بينها يولد قوة هجينة. لذلك فإن الثقافات التي تبقى في عزلة تامة عن الأخرى تتصدع وتضعف تمامًا.

وإن القدرة على التكيف شرط أساسي لا غنى عنه لمتانة الأفكار، ثم إن الفشل في التحول تحت ظل سرعة الظروف المتغيرة يولد سمات غير ملائمة للبقاء. وعلاوة على ذلك، هناك نتيجة إيجابية تالية للتكيف، ألا وهي: تعزيز قدرة الأفكار المتأصلة للتكيّف.

ومن الممكن أن تؤدي الأجندة الانعزالية الثقافية والتغطرس الاستثنائي إلى نتائج عكسية للغاية..

خلل عدم القدرة على التكيف: إن تلك الدول والثقافات التي تسعى بنشاط لاقتناص الفرص من أجل التكيف والتلاقح التهجيني، ستكون مصدرًا للأفكار المُبتكرة التي بإمكانها الصمود مما يؤدي إلى مسار مستدام للتاريخ.

٣- يجب أن تكفل الأفكار الكرامة للجميع.

ضمان الكرامة الإنسانية الفردية للجميع في جميع الأوقات وتحت كل الظروف، أمر حاسم للأفكار وباكورة دفعها للنجاح أمام الزمن. وأنا أوظف مفهوم الكرامة هنا على أنها تعني أكثر بكثير من مجرد كونها الضد من الذل. إن هذا المعنى يتطلب تسعة معايير للحكم الرشيد ألا وهي: العقلانية، الأمن، حقوق الإنسان، المساءلة، الشفافية، العدالة، الفُرص، الابتكار، الشمولية.

إن الأفكار والنظم الحكومية القائمة على أفكار لا تستوفي هذه المعايير، لن تنجح على المدى الطويل؛ لأنها لا تضمن الحفاظ على كرامة الإنسان الذي هو أمر أساسي لجنسنا البشري وللحياة الاجتماعية. فالأنظمة الأيديولوجية التي تعطي الأولوية لسلطة القيادة المركزية على الجميع، وخصوصًا على كرامة الإنسان، لا يمكن لها الصمود في نهاية المطاف.

لقد تم إلغاء الرّق في الإمبراطورية البريطانية عام ١٨٣٤م وذلك في أعقاب قرار الحكومة السابقة عام ١٨٠٧م الذي نص على أن شراء وبيع العبيد غير قانوني.

وكان الرّق ممارسة مربحة جدًا للإمبراطورية، إلا أنه لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيًا، وقد أدت عدة عوامل إلى تآكل شرعيته وزواله النهائي، وهي: الثورة الفرنسية وإلهامها لمتابعة المُثل العليا للحرية والمساواة، ودعم المؤسسات الدينية والثورات التي اجتاحت الرق في أوائل القرن التاسع عشر، كما هو الحال في جامايكا.

وبعدها أصبحت تكاليف الإبقاء على العبودية عالية جدًا وتداعياتها سلبية للغاية لتبريرها.

إن التاريخ الحديث حافل بالأمثلة: كنظام الفصل العنصري الذي اعتدى بوحشية على كرامة الإنسان، والآن قد تم محوه ولا يمكن الدفاع عن شرعيته في مواجهة مع الاضطرابات الداخلية والضغوط الدولية. وأيضًا فقدت الأنظمة الشيوعية في المجموعة السّوفياتية السابقة بالمثل التماسها الشعبي، لأنها حكمت بالإرهاب وانتهكت مرارًا وتكرارًا الحريات والحقوق الأساسية. وكان الأثر التراكمي لهذه الممارسات، أن الأنظمة الشيوعية – على الرغم من أجهزتها الأمنية القوية – لم تستطع أن تحتوي الإحباط المتنامي وخيبة الأمل من سكانها.

وقد تبقى وتزدهر بعض الأفكار التي لا تتفق مع كرامة الإنسان في ظروف معينة، لكن في اعتقادي أنها لن تدوم على المدى البعيد ما دام عالمنا المعولم – على نحو متزايد – أكثر صلة وارتباطًا.

٤ – يجب أن تستند الأفكار على المعرفة المستمدة من “أفضل تفسير متاح قائم على الحقائق”.

تُحلل النظرية العقلانية العصبية الطبعية “Neuro‐rational Physicalism” للمعرفة عمليات تكون المعرفة، وهو موضوع خلاف بين التجريبيين والعقلانيين. وتفترض هذه النظرية أن مصادر المعرفة تأتي من خلال التجربة والإدراك، وكلاهما خاضع للتفسير، وهذا يعني أن تكوّن المعرفة يتوقف على عدة عوامل ومنها الافتراضات السابقة، فضلاً عن المدخلات الثقافية والزمانية.

لقد طارد البشر المعارف الجديدة بالاعتماد على ما يعرفونه بالفعل، وعلى التجارب الشخصية، بخاصة النزعات التي تُرجمت إلى تفسيرات ذات مغزى.

إن المعرفة الإنسانية ذاتية وليست كونية: حقيقتنا غير معروفة سلفًا وتشكلت من عوامل محدودة السياق (على الرغم من أن هذا لا يعني أنه لا وجود لأي معرفة تسمو على الزمان والمكان). حتمًا هذه النظرية ذات صلة بتفسير بقاء الأفكار، لأنها تبرهن على أن الأفكار التي تلتزم بمصادر المعرفة الخصوصية لكل خلفية حضارية، سوف تكون أكثر عرضة للبقاء. وهذا هو “أفضل تفسير متاح قائم على الحقائق”: سوف تكون الأفكار في نهاية المطاف طويلة الأمد مقارنة مع الأفكار الدوغماتية  التي لا يمكن إثبات صحتها.

الانعكاسات على الفلسفة والأمن والعلاقات الدولية

إن التاريخ البشري حافل بالأمثلة التي تجسد عدم استدامة الأفكار التي لم تُلبِ المعايير المذكورة أعلاه، مما أدى إلى زوال مؤولها، وفي نهاية المطاف دفعها إلى الانقراض الحتمي رغم أهميتها في بعض الأحيان للقوات العسكرية، والاقتصاد، والفكر، والقوة السياسية المحركة لهم. وتشمل الأمثلة: الاستعمار، والشيوعية، والفاشية، والنازية، وأنظمة الفصل العنصري، وغيرها من أشكال الاستبداد، فضلاً عن الاضطهاد العرقي والديني للآخرين.

وفي المقابل، لقد نجت نُظم الأفكار مثل تلك التي وُجدت في الديمقراطية الليبرالية، على الرغم من الأشكال الكبيرة لعدم المساواة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والثقافية التي لا تزال قائمة حتى في الديموقراطيات الناضجة.

وعلاوة على ذلك، فإن تفريغ معايير البقاء من الأفكار، له انعكاساته على فهمنا للأمن العالمي.

لهذا، فإن أكثر الأفكار نجاحًا سوف تُنتج أكثر الحكومات استقرارًا، وبالتالي  الفرضيات اللازمة للاستقرار الوطني والدولي. وعلى العكس من ذلك، فإن الأفكار التي لا تجد قبولاً من المجتمع، ستؤدي حتمًا إلى اضطرابات وأزمات في النظام الدولي. ولم تلقَ كل الأفكار اللاأخلاقية حتفها، بيد أن اختبار التاريخ أطاح بتلك الأفكار التي تُهاجم كرامة الإنسان. واليوم قد تم القضاء على قبولها المعياري عالميًا.

نحن لا نزال نناضل ضد أشكال عدم المساواة، والتنميط العنصري والعرقي، والأفكار التي تدّعي تفوّق جماعة على أخرى، ولكن هذه الأفكار لا تجد صدى واسعًا، وهناك نظام معقد من المبادئ والمؤسسات التي أُعدت لمواجهتها.

وعلى المدى الطويل، تبقى الأفكار إذا كانت في خط أنموذج “التاريخ المستدام” الذي ينادي بالكرامة الإنسانية كأهم شرط للحكم الرشيد، ولا مفر من الاختلافات في مفاهيم الكرامة عبر الثقافات. ولكن السعي وراء الكرامة والحياة الكريمة يتجاوز كل الثقافات.

إعداد وحدة الترجمات*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر