إخوان أوروبا.. توسع شبكي وهيئات متعددة

التاريخ والوقت : الأحد, 9 يونيو 2019

نقل جماعة الإخوان المسلمين نشاطها إلى أوروبا متأثرة بالضربات الموجعة التي تلقتها في مصر وسوريا في خمسينيات القرن الماضي، شهد تدرجًا لا يعرف متى بدأ بالتحديد لكنه كان في ذلك العقد.

هذا التدرج ساهم بصورة كبيرة في تجنيد آلاف الأتباع والتغلغل وإنشاء عشرات الجمعيات والمنظمات التابعة لها وبأسماء مختلفة في شتى دول القارة، مهتدين بما كتبه منظِّر الجماعة الفقهي يوسف القرضاوي في كتابه (أولويات الحركات الإسلامية في المرحلة القادمة) الصادر في أبريل ١٩٩٠، حيث يقول: “وقد قلتُ للإخوة في ديار الغُربة: حاولوا أن يكون لكم مجتمعكم الصغير داخل المجتمع الكبير، وإلا ذُبتم كما يذوب الملح في الماء. إن الذي حافظ على شخصية اليهود طوال التاريخ الماضي هو مجتمعهم الصغير المتميز بأفكاره وشعائره، هو (حارة اليهود)، فاعملوا على إيجاد (حارة المسلمين)”. ويتحدّث مفتي الجماعة عن رأيه في الكيفية التي يتعايش بها المسلمون في الغرب. ويوضح فكرة التنظيم الدولي للإخوان في العمل ومنهجهم في الوجود في المجتمعات، ليست المسلمة فقط، وإنما في المجتمعات الغربية التي يهدفون إلى تكوين تجمعات أو “لوبي” في كل منها يكون وسيلة ضغط وأداة للوصول لأهدافهم.

تاريخ الجماعة في القارة العجوز

تعود نشأة جماعة الإخوان في أوروبا إلى خمسينيات القرن الماضي، بعد الحملة التي شنَّها ضدهم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، حيث هرب الكثير من كوادرها إلى الخارج وكانت أوروبا ضمن وجهات الهروب. ويرجع وجود الإخوان – تحديدًا – إلى سعيد رمضان الذي كان سكرتيرًا لمؤسس الجماعة حسن البنا وزوج ابنته، حيث استغل توتر العلاقات بين نظام عبدالناصر وألمانيا – آنذاك – التي كانت تدعم إسرائيل، وأسس “التجمع الإسلامي في ألمانيا” عام 1958، الذي يعدُّ حاليًا أهم مؤسسة للتنظيم، ليس في ألمانيا وحدها، بل في القارة كلها، وينضوي التجمع تحت لواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا.

ثم أسسوا أقدم الكيانات الإخوانية في القارة العجوز، وهي المركز الإسلامي في جنيف في عام 1961، ليُمثل نواة للنشاط الإخواني في أوروبا، وكان الهدف منه العمل على دمج المهاجرين وتكييف أوضاعهم في البلاد.

وتشير دراسات إلى أن “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا” المعروف بـ”FIOE” هو المظلة الأساسية التي ترعى الجمعيات والمؤسسات الإخوانية الناشطة في مجال الدعوة والبحوث الإسلامية والتكييف المجتمعي، وبدأ نشاطه من المملكة المتحدة في 1989، ويرأسه حاليًا شكيب بن مخلوف، ذو الأصل المغربي، ويضم الاتحاد العديد من الجمعيات والمؤسسات، ولعل من أهمها اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.

ومع توالي المطاردات جاءت إلى أوروبا شخصيات هربًا من النظامين الناصري في مصر والبعثي في سوريا، أشهرهم يوسف ندا من مصر، وعصام العطار من سوريا، وقاموا بدورهم بتأسيس شبكة جيدة التنظيم من المساجد والجمعيات الخيرية والمنظمات الإسلامية التي حملت فكر الإخوان المسلمين، وإن لم تكن كلها بالضرورة خاضعة لتوجيهات تنظيم الإخوان الدولي.

وفي يونيو 1983 أُسس الاتحاد الفرنسي المعروف بـ”UOIF” بناءً على مبادرة قدمها طالبان من اللاجئين، هما زهير محمود، وعبدالله بن منصور، ويضم الاتحاد حاليًا نحو 250 جمعية ومؤسسة تتنوع أنشطتها ومن أهمها المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس، الذي بدأ في ممارسة نشاطه منذ 2001، إضافة إلى الجمعية الطبية ابن سينا والمشهورة بـ”AMAF” التي أسسها الإخواني اللبناني عماد مدحت الحوت.

توسع شبكي وهيئات متعددة

وتعدُّ الرابطة الفرنسية للنساء المسلمات من أهم النشاطات النسوية للإخوان في أوروبا، والتابعة أيضًا لاتحاد المنظمات الإسلامية. كما يمتد نفوذ اتحاد المنظمات الإسلامية إلى “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث”، الذي تأسس في مارس 1997 في دبلن بجمهورية أيرلندا، ويهتم هذا المجلس بإصدار الفتاوى للمسلمين في أوروبا، وأيضًا إصدار الكتب والدوريات المتخصصة، إضافة إلى المؤتمرات والندوات السنوية التي تعقد كل عام في بلد مختلف، وتأتي خطورته من كونه المرجعية الأساسية للفتوى هناك، وذلك بالارتباط مع قيادة الإخواني يوسف القرضاوي.

تجنيد انتقائي

وتقوم جماعة الإخوان بتجنيد أعضائها تجنيدًا انتقائيًا من خلال ثلاث مراحل تبدأ بتردد العضو على فعاليات الجماعة ومساجدها ويتعرض لخطاب الأعضاء وبناء علاقات معهم، ثم يتم إلحاقه بحلقات تعريفية عن أهمية العمل الجماعي، ثم تكليفه ببعض المهام المحددة إذا أبدى اهتمامه بالجماعة، وإشراكه في رياضات جماعية، ثم اختباره، وإذا التزم يتم التحري عنه من قبل التنظيم، ثم يعرض عليه الانضمام للجماعة إذا التزم، وبعدها يقابل المسؤول المحلي عن الجماعة الذي يقوم بإجراء مقابلة معه ويقرر بعدها إن كان سينضم أم لا، ويؤدي قسم الولاء، ثم عليه التزام دينيًا ودفع نسبة التمويل المخصصة للجماعة وهي 5% من دخله.

وتمكَّن ذلك التنظيم الهرمي الإخوان من تجنيد المئات أكثرهم في فرنسا، كما أسسوا نحو 500 منظمة وهيئة تابعة لهم في 28 بلدًا أوروبيًا عن طريق اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا.

تصاعد الرفض وعلاقات رسمية حذرة

ويسود القلق العلاقات الرسمية بين إخوان أوروبا والحكومات بالقارة، ورغم سماح هذه الدول بوجود الجماعة ومؤسساتها، فإن الشكوك تتزايد خاصة مع صعود أحزاب اليمين الشعبي في السنوات الأخيرة في أكثر من بلد، على الرغم من إقناع الإخوان بأوروبا الرأي العام والمؤسسات الغربية بأنهم الأصلح بالنسبة إليهم لمواجهة أفكار القاعدة والتحاق الشباب بها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لكن إخفاق الجماعة في بلدان الربيع العربي سياسيًا وإقصاءها عن المشهد كما حدث في مصر، وتصاعد أعمال العنف في أكثر من بلد، جعل بعض الدول الأوروبية تسعى لإعادة النظر في وجود الجماعة وأفكارها وموقفها من العنف والإرهاب الذي يجري في بعض البلدان العربية.

وساعد نمو الرفض للإخوان بأوروبا حالة العداء المتزايدة هناك للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يحكم تركيا بقبضة من حديد، بالإضافة إلى حالة العداء والرفض التي يقابل بها الإسلام السياسي الذي فشل في إثبات وجوده في البلدان العربية.

كما أن هناك مراجعات أوروبية جذرية تجري في الخفاء أكثر منها في العلن، حيث تنبه القائمون على الأمر هناك إلى أن “اليمين” المتنامي، الذي أضحى خطرًا كبيرًا على البلاد يتخذ من جماعات الإسلام السياسي وفي القلب منها الإخوان المسلمون ذريعة للترويج لأفكاره.

استشراف مستقبلي

إن وضع وانتشار جماعة الإخوان المسلمين بأوروبا ودعمها جماعات في بلدان الشرق الأوسط تنتهج العنف وتزايد أفكارها في المجتمعات الأوروبية، أدى إلى زيادة اليمين المتطرف لمواجهتها واتجاه الناخب الأوروبي إليه. وهنا فإن مستقبل الجماعة وعلاقتها بالنظم الغربية قد يشهد عدة تغيرات في المستقبل قد يكون منها:

1- بقاء الوضع كما هو عليه، خاصة أن الإخوان قرروا في عام 2017 أنهم تنظيم أوروبي ولا علاقة لهم بأي دول أو جماعات خارجها، وبالتالي فيستمر وجودهم على الساحة والعمل بأسلوبهم السري لدعم الجماعة الأم في مصر والفرعية في الدول الأخرى.

2- استغلال الحكومات الأوروبية لهم كفزاعة لحكومات عربية وإبقاؤهم تحت سيطرة هذه الحكومات لتحقيق أجندات خاصة.

3- رفض الجماعة وحظر أنشطتها وحصارها في أوروبا، وهو قرار قد يتخذ في دولة أو عدة دول، وسيكون له تبعات تتدارسها الأجهزة الأمنية والهيئات السياسية بهذه الدول.

وحدة الدراسات الاجتماعية*

المراجع

1 – إخوان أوروبا.. شبكة التنظيم الدولي في القارة العجوز، المرجع.
http://www.almarjie-paris.com/1674
2 – الإخوان المسلمون في أوروبا: تاريخ طويل ومستقبل ضبابي، إضاءات.
https://bit.ly/2MLjW6w
3 – 2019 .. أوروبا و”الإخوان”.. إلى أين؟ الاتحاد.
https://bit.ly/2HQD5nY
4 – إخوان أوروبا. الأهرام.
https://bit.ly/2ELKweo
5 – الإخوان المسلمون في أوروبا: دراسة تحليلية لتنظيم إسلامي، سمير أمغاز، مكتبة الإسكندرية، 2012.

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر