ماذا تعني قيادة المرأة للسيارة في السعودية؟

التاريخ والوقت : السبت, 23 يونيو 2018

د. نجاة السعيد

 

إن الجدل الكبير الذي حصل في السعودية عن قيادة المرأة للسيارة، والذي انتهى برفع الحظر، واعتبار 24 يونيو المقبل بداية قيادة المرأة للسيارة، يؤكد أن القرار أكثر من مجرد قيادة للسيارة، بل هو ضمن “رؤية السعودية 2030” في ظل تشييد مملكة سعودية جديدة لا تتضمن فقط تمكينًا للمرأة، بل انفتاحًا ثقافيًا للمجتمع السعودي؛ لكي يواكب التنمية الاقتصادية التي تسعى لها البلاد.

بالتأكيد أن القرار سيساهم في تمكين المرأة السعودية، والسعي لإزالة العقبات التي تواجه المرأة العاملة، خاصة أن الإصلاحات التي دشنت تهدف إلى زيادة مشاركة المرأة في قوة العمل لتصل إلى 30 في المئة بحلول 2030 مقابل 22 في المئة حاليًا، لزيادة الناتج المحلي؛ إذ إن عدم قيادة المرأة للسيارة، هو واحد من المعوقات التي تواجه المرأة العاملة، حسب دراسة صادرة عن مركز خديجة بنت خويلد، حول مشاركة المرأة السعودية في التنمية الوطنية لعام 2012 – 2013.

إن قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، أكثر من مجرد إزالة عقبات تواجه المرأة العاملة، بل هو – أيضًا – نقطة تحول في المجتمع السعودي، من مجتمع يرى حماية المرأة بقاعدة سد الذرائع إلى حمايتها بالقانون. فطيلة السنين السابقة، لم تكن هناك فتوى تحرم قيادة المرأة للسيارة، بل كان المنع بحجة سد الذرائع، وهو الخوف من الوقوع في الممنوع المشتمل على مفسدة، وغالبًا الضحية هنا هي المرأة؛ لأنها تمنع من حقوقها بسبب تلك القاعدة. فأحد أكثر أسباب المعارضة لقيادة المرأة، هو الاعتقاد أن القيادة لها تبعات سلبية على المرأة، أهمها التحرش. لكن صدور قانون ضد التحرش، قبل أسابيع من قيادة المرأة للسيارة، حسم الأمر. فبعد صدور هذا القانون، سيفكر أي شخص قبل أن تسوّل له نفسه بالتحرش بأي امرأة، سواء لفظيًا أو جسديًا. فقد وصل الأمر عند بعض المعارضين للقيادة إلى حد التهديد بالتحرش بالنساء فقط، لإثبات أن السماح بالقيادة أمر يدعو للفساد؛ لذلك صدور هذا القانون جاء في وقته.

من الواضح، أن بناء السعودية الجديدة، تتطلب ثقافة مجتمع جديدة، والقرار الملكي الأخير بفصل الثقافة عن الإعلام، وإنشاء وزارة مستقلة باسم وزارة الثقافة، وتعيين الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، صاحب الثقافة الواسعة، وزيرًا لها، يؤكد أن المملكة الجديدة جادة في تحديث المجتمع وصناعة مستقبل ثقافي واعد سينهض بالمملكة ثقافيًا، وسيكون له انعكاس داخلي وخارجي. فالوزارة الجديدة سترتكز على خمسة عناصر رئيسية تتمثل في: الأدب، والفنون الجميلة من مرسم ونحت وما يتصل بذلك، والمسرح، والموسيقى، والسينما؛ مما سيعزز القوة الناعمة السعودية التي سيكون لها أثرها على الصعيدين المحلي والعالمي. لقد كان من أهم أسباب عدم تقبل المجتمع للتجديد، خاصة فيما يتعلق بوضع وحقوق المرأة وعدم تقبل ثقافة الآخرين، هو انغلاق المجتمع فيما سمي – تجاوزًا – بعهد الصحوة، بسبب منع كل ما له علاقة بالفن والثقافة. لذلك، فإن إنشاء وزارة الثقافة الجديدة والهيئة العامة للثقافة، سيكون دورهما أكبر من مجرد ترفيه للمجتمع، بل ستساهمان في خلق جيل سعودي جديد مبني على ثقافة تنويرية جديدة يكون له دور في صناعة قوة ناعمة ستنقل السعودية إلى مرحلة تاريخية جديدة، تعزز من التسامح وتقبل الآخر مع استمرار الهوية السعودية المعتدلة.

لا أحد ينكر أن الفكر المتشدد، الذي مورس ضد المرأة في عهد الصحوة الغابر، كان من أهم معوقات تطوير وضعها، وكان أحد أهم أسباب منعها من القيادة طيلة العقود الماضية بدون أي سبب منطقي. وبالتالي، فإن “رؤية السعودية 2030″، تتطلب إعادة هيكلة لهذا الفكر المتشدد، الذي وصفه ولي العهد، بأنه حالة غير طبيعية طرأت على المجتمع السعودي بعد 1979. إن تصاريح بعض رجال الدين في السعودية، مثل: قيادة السيارة تؤذي مبايض وحوض المرأة، وأنها ستفتح بابًا للفساد، كأن تنزل المرأة في أي وقت لمقابلة عشيقها، جعلت من السعوديين أضحوكة أمام أنفسهم قبل الآخرين، وأداة سخرية في مواقع التواصل الاجتماعي. لذلك، فالقرار الملكي بتعيين الشيخ عبداللطيف آل الشيخ، وزيرًا للشؤون الإسلامية، يثبت – أيضًا – أن السعودية برؤيتها الجديدة مثابرة على تغيير هذا الفكر واقتلاعه من جذوره؛ إذ إن عبداللطيف آل الشيخ، معروف بآرائه التي تخالف هؤلاء المتشددين، فهو لم يعارض السماح بقيادة السيارة، كما تساهل في موقفه من كشف وجه المرأة والاختلاط في أسواق العمل. فآل الشيخ غير مرغوب فيه بين المتشددين، وقد أدى امتعاضهم منه إلى محاولة اغتياله والتجسس عليه عندما كان رئيسًا لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لذلك، فمن أهم واجبات الوزير الجديد، تطهير الوزارة من هؤلاء المتشددين، والسعي مع وزارة التعليم لتنقية المناهج الدراسية من ذلك الغزو الفكري الإخواني، وما يسمى بالصحوة التي كان لها دور كبير في تشدد وتطرف المجتمع.

إن قيادة المرأة للسيارة، بالإضافة إلى أنها ستغير نمط حياة الملايين، لكنها ستوفر – أيضًا – بلايين الدولارات على كثير من العوائل. فحسب ما نُقل من اقتصاديين سعوديين عام 2016، أن عدد السائقين الخاصين للعائلات، هو بحدود 800 ألف سائق، تصل تكلفة الإقامة التي تصدر من الجوازات لهذا العدد 480 مليون ريال لأول سنة بسعر 600 ريال، والسنة التالية تصبح بسعر 350 ريالاً، وتكلفة التأشيرة أول مرة 2000 ريال، يعني الإجمالي 1,6 مليار ريال، ورخصة القيادة بسعر 200 ريال، يعني 160 مليون ريال، وتدريب السائق “بدلة” قبل القيادة 430 ريالاً، يعني 344 مليون ريال، وسكن العامل وإن تحملته الأسرة بمتوسط 800 ريال، يعني الإجمالي 640 مليون ريال. هذا غير تكاليف العلاج الطبي، والغذاء والاستقدام، بالإضافة إلى الراتب الشهري بمتوسط 1500 ريال، أي بإجمالي 1,2 مليار ريال، وهذا الراتب لا يستثمر داخل البلد، بل يحول إلى الخارج موطن السائق.

إن هذا القرار سيترتب عليه منافع اقتصادية كثيرة للدولة وللنساء. فهناك فرص عمل ستتوفر للنساء بعد السماح بقيادة السيارة، مثل: في المرور سيكون نساء عاملات في المرور بعد هذا القرار، والعمل كسائقة سواء في الشركات الخاصة مثل كريم وأوبر، أو العامة، مثلاً في حافلات المدارس والجامعات والإسعاف، وخدمة السيارات مثل العمل في الميكانيكا وزينة السيارات، ومدربات قيادة في مراكز تأهيل الكوادر النسائية وتعليمهن قيادة السيارات. هذا غير المشاريع النسائية التي ستترتب على هذا القرار، مثل مشروع بنشر نسائي، وإكسسوارات السيارات للسيدات، ومشروع تزيين السيارات للمناسبات كالزواج والتخرج، ومشروع فريق السيدات لصيانة السيارات في المنزل وغيرها التي ستدر على المواطنات مكاسب مادية.

كل تلك التغييرات، هدفها الأساسي، خلق بيئة استثمارية جديدة، لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط. إن سمعة السعودية بأنها منغلقة اجتماعيًا لا تسمح بأبسط حقوق المرأة مثل قيادة السيارة، أدت إلى تراجع الكثير من الاستثمارات في السعودية. فالمستثمر الأجنبي يحتاج، بالإضافة إلى توفر المال، إلى توفر البيئة الاستثمارية المناسبة. فإذا أرادت السعودية أن تكون إحدى النمور الاقتصادية في الشرق الأوسط في عهد ما بعد النفط، فهذه التغييرات التي تقوم بها الآن، حتمية للغاية لخلق الظروف المواتية لازدهار الاستثمار. إن استقطاب المال الأجنبي للاستثمار، يستلزم بيئة اجتماعية ملائمة، وأهمها تمكين النساء في مجالات مختلفة.

إن من أساسيات بناء أي دولة، هو بناء الإنسان قبل الحجر، لذلك فإن التنمية الاجتماعية من أهم أسس ذلك البناء، وهذا لا يكون إلا من خلال الاستثمار في الموارد البشرية، وأهمها تمكين المرأة، وخلق بيئة تسامح متقبلة للثقافات والأفكار المختلفة. إن كل هذه التغييرات، ستعد السعودية إلى مرحلة عصر نهضة جديد.

أكاديمية إعلامية سعودية وأستاذة مساعدة في جامعة زايد – قسم الإعلام*

@Najat_AlSaeed

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر