يلتقط القفاز الأميركي: الصين تصدر “كتابًا أبيض” حول الدفاع الوطني

التاريخ والوقت : الإثنين, 29 يوليو 2019

مانوج جوشي

 

في يونيو 2013، التقى الرئيس الصيني “شي جين بينغ” الذي كان قد وصل للسلطة حديثًا، الرئيس باراك أوباما، في “سانيلاندز” بكاليفورنيا لحضور قمة مشتركة. وقد طرح في حينها مفهوم “نوع جديد من علاقات القوى العظمى”، وكان يتضمن ثلاثة محاور: الأول: لا صراع أو مواجهة، والثاني: الاحترام المتبادل للمصالح والشواغل الأساسية لكل منهما، أمَّا الثالث فهو التعاون من أجل المنافع المتبادلة والتخلي عن عقلية “المباراة الصفرية”.

أوباما لم يهزم تمامًا، رغم استمرار الصينين في محاولاتهم للترويج للفكرة، حتى أثناء جهودهم في بناء الجزر في بحر الصين الجنوبي.

يقول “الكتاب الأبيض” للدفاع الصادر في 24 يوليو، إن التعرف على المسافة التي قطعها البلدان منذ ذلك الحين يبدو واضحًا. حيث يشار في هذا الكتاب إلى أن الولايات المتحدة لم تعتمد فقط سياسات أحادية الجانب، لكنها “اتجهت لتكثيف المنافسة بين الدول الكبرى، وزادت من إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، كما عززت التوجهات نحو توسيع نطاق الاهتمام بالأسلحة النووية والفضاء الخارجي والدفاع السيبراني والصاروخي ما قوَّض بدوره الاستقرار الاستراتيجي العالمي”.

ويعكس ذلك بعض جوانب الاستجابة للتحولات الرئيسة التي طرأت على استراتيجية الأمن القومي الأميركية في ديسمبر 2017 واستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 التي وصفت الصين بأنها ذات قوة “تصحيحية” ومنافس قوي للولايات المتحدة. وقد استشهد “أندرو إريكسون”، الخبير في الجيش الصيني بصحيفة “واشنطن بوست” قائلاً: إن وثيقة الكتاب الأبيض الجديدة لم تحدد أي استراتيجية جديدة، لكنها تضمنت رسالة سياسية قوية حول أهمية الاستقرار الداخلي، وكذلك مخاوف السيادة الصينية المتعلقة بتايوان وبحر الصين الجنوبي.

ينطوي “الكتاب الأبيض” على توجيه اتهامات للولايات المتحدة بأنها تعمل على زعزعة الاستقرار وتعزيز وجودها العسكري في محيط الصين وتوسيع تحالفاتها. ولطالما كانت تايوان والتبت وشينجاينغ تلوح بتقدم الحسابات الصينية، وبالتالي سيكون من المناسب إثارة السؤال عما إذا كان ذلك بالفعل وارد بـ”الكتاب الأبيض” أيضًا، كما يشير إلى تنامي نضال الانفصاليين الذي أضحى “أكثر حدة” بجانب توجيه الاتهامات للولايات المتحدة بأنها “تشجع القوى المستقلة”، في جميع المناطق الثلاث. وفي الآونة الأخيرة، وافقت الولايات المتحدة على صفقة لبيع أسلحة بقيمة 2.2 مليار دولار لتايوان، بما في ذلك دبابات “إبرامز M1A2” وصواريخ “ستينجر”.

إن الموضوع الرئيس العام لـ”الكتاب الأبيض”، كما تورد وكالة “شينخوا” في تعليق لها هو أن “العالم يشهد تغيرات غير مرئية في القرن الجديد”، وأن السلام “يمثل اتجاهًا لا يمكن مقاومته”، وأن النظام والأمن الدوليين “يقوضهما تزايد الهيمنة وسياسة القوة والانفرادية والصراعات الإقليمية المستمرة والحروب”. ومن بين النسخ السابقة لـ”الكتاب الأبيض”، تأتي النسخة الأخيرة لتؤكد على معارضة استقلال تايوان بأي شكل من الأشكال، بالإضافة إلى مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان. وحتى موضوعات مثل الهيمنة الانفصالية والتطرف قد تمَّ الإشارة إليها بالفعل كما كان في النسخ السابقة من تلك الوثيقة.

رغم ذلك، فإن ثمة تناقضًا بين عنوان “الكتاب الأبيض” لعام 2019 الذي كان “الدفاع الوطني الصيني في العصر الجديد” مع عنوان لنسخة سابقة عام 2014 وكان “الاستراتيجية العسكرية للصين”، أو حتى ذلك الذي صدر عام 2012 والذي كان “ميليشيا العمال المسلحين الصينيين”. وكانت غالبية النسخ السابقة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة تحمل عنوان “الدفاع الوطني الصيني”، إلا أن الأهم تنطوي عليه نسخة 2019 التي تقول بأنها تمثل دفاع الصين في “العصر الجديد”، وهو ما يعدُّ مفهومًا يستخدم للدلالة على رئاسة “شي جين بينغ”.

وكغيرها من الإصدارات السابقة، تشير وثيقة “الكتاب الأبيض” لعام 2019 إلى أن “الدفاع النشط” لا يزال يمثل التوجيه الاستراتيجي للدفاع الوطني الصيني في العهد الجديد؛ وهو ما ينطوي على موقفٍ دفاعيٍ، لكنه لا يمنع الهجمات الوقائية المضادة. إلا أن ما يبدو شائعًا ومشتركًا في جميع إصدارات “الكتاب الأبيض” هو التعبير عن الاستراتيجية الصينية باعتبارها دفاعية في طبيعتها. وليس من المستغرب أن تؤكد الوثيقة، وهي الأولى منذ تبني “شي جين بينغ”، إصلاحات كبيرة بين صفوف المؤسسة العسكرية، ولا سيَّما على المستوى الدفاعي لجيش التحرير الشعبي ودور الجيش في حفظ الاستقرار الداخلي والدفاع عن الوطن. وتشير الوثيقة أيضًا إلى أنه رغم تنامي قوة الاقتصاد الصيني، “لا يزال الأمن الداخلي يواجه تهديدات؛ حيث لا تزال النزاعات الإقليمية قائمة ولم تحل بالكامل. كما لا تزال هناك نزاعات على السيادة الإقليمية لبعض الجزر والشعاب المرجانية، وكذلك على ترسيم الحدود البحرية”.

وعلى الصعيد العالمي، تتعرض المصالح الصينية للخطر بسبب الاضطرابات الدولية والإقليمية والإرهاب والقرصنة. وبينما كانت دول مختلفة مثل الهند والمملكة المتحدة واليابان وروسيا تشهد إصلاحات، إلا أن الولايات المتحدة كانت تركز على الابتكار التكنولوجي والمؤسسي في مساعيها نحو تحقيق التفوق العسكري المطلق.

لقد كانت التغييرات الأخيرة مدفوعة بتقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والمعلومات الكمية والبيانات الضخمة والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء. وعلى الرغم من هذا التقدم الكبير، فإن جيش التحرير الشعبي الصيني “لم يكمل بعد مهمة الميكنة، ويحتاج بشدة إلى تحسين نظام المعلومات الخاص به”. وبالتالي، واجهت الصين “مخاطر من مفاجأة التكنولوجيا وتزايد فجوة الأجيال التكنولوجية”.

وغيرها أيضًا من النسخ السابقة، باستثناء إصدار 2012، يردد “الكتاب الأبيض” أن “الصين تلتزم دائمًا بسياسةٍ نوويةٍ تستهدف عدم (الاستخدام الأول) للأسلحة النووية في أي وقت وتحت أي ظرف، وعدم استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها ضد الدول غير الحائزة للأسلحة النووية أو المناطق الخالية من الأسلحة النووية دون قيد أو شرط”.

لقد قدم “الكتاب الأبيض” توضيحًا أكبر لوجهات النظر الصينية حول بحر الصين الجنوبي، حيث قال الصينيون إن الجزر تعدُّ جزءًا لا يتجزأ من الصين. ومن المفترض أن بكين قد امتنعت عن المطالبة بكل البحار التي تمَّ تضمينها في خطتها البحرية. فقد أجرت الصين حوارات بين عدد ممن وضعوا مدونة لقواعد السلوك، لكن ذلك لم يمنع تحركات الصين، أو دول مثل الولايات المتحدة من إظهار وجودها العسكري في المنطقة. وبشكل عام، فإن تقييمها يشير إلى أن الوضع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ كان “مستقرًا بشكل عام”. لكن في الأسبوع الأخير قامت الصين وروسيا بإطلاق قاذفات القنابل في دورية مشتركة إلى الفضاء الجوي تطالب بها اليابان وكوريا الجنوبية، مما اضطرهما إلى تدافع الطائرات المقاتلة.

لقد أشار إصدار عام 2015 من “الكتاب الأبيض” إلى توجه خارجي أكبر لـ”جيش التحرير الشعبي” وشرعت في تنفيذ الإصلاحات التي تحاول إعادة تشكيل جيش التحرير الشعبي وتحويله إلى جيش عالمي. وتحدثت عن أهمية دور أسطول جيش التحرير الشعبي الصيني ومسؤولياته المتمثلة في تحويل تركيزه من “الدفاع عن المياه البحرية” إلى مزيج من الدفاع عن المياه البحرية إلى جانب “حماية البحار المفتوحة”، ولا سيَّما الانتقال من الدفاع الجوي الإقليمي إلى “الدفاع والجريمة” ولاحتياجات القوة الجوية التي تلبي احتياجات العمليات القائمة على المعلومات.

ليس من المستغرب أن تكون المهمة الرئيسية لجيش التحرير الشعبي هي حماية الأراضي الوطنية والحقوق والمصالح البحرية. ويشير “الكتاب الأبيض” إلى الجهد المبذول لمنع التعدي والتسلل والتخريب. وبخاصة فيما يتعلق ببعض دول الجوار مثل الهند التي تسعى قواتها إلى “تعزيز الاستقرار والأمن” واعتماد تدابير “لتهيئة الظروف المواتية للحل السلمي للمواجهة دونجلانج (دوكام)”.

ويقدم “الكتاب الأبيض” لمحةً عامة إلى الإصلاحات التي تمَّ تنفيذها لإعادة هيكلة نظام الدفاع الصيني في عهد “شي جين بينغ” وذلك لإقامة جيش “حديث ومحترف” قادر على خوض الحروب وكسبها “في عصر المعلومات”. وهو ما شمل تسطيح القيادة العليا على مستوى اللجنة العسكرية المركزية، وكذلك إنشاء الأوامر العملياتية، وإنشاء نظام قيادة عمليات مشترك، وتقليص عدد جيوش المجموعات من 18 إلى 13، وتقليص أعداد الجيش، والحفاظ على ذلك في سلاح الجو مستقرًا، وزيادة معتدلة في البحرية.

أخيرًا، يتناول قسم من “الكتاب الأبيض” تحليلاً للإنفاق الدفاعي الصيني الذي يصفه بأنه “معقول ومناسب”. كما كان نمو الإنفاق الدفاعي متسقًا مع النمو الاقتصادي، لكنه انخفض كنسبة من إجمالي الناتج المحلي. وكنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي فيما بين عامي 2012 و2017، كان متوسط ​​الإنفاق الدفاعي حوالي 1.3% فقط مقابل 3.5% في الولايات المتحدة، و4.4% في روسيا، و2.5% في الهند، و2.3% في فرنسا. ومع ذلك، فكما لاحظ “أنتوني كوردسمان”، فإن “الكتاب الأبيض” وثيقة “لا تتناول المعدلات الفعلية للإنفاق من قبل كل بلد، بل إن الصين لا تكشف إلا جزءًا محدودًا فقط من إنفاقها العسكري الحقيقي”.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مؤسسة أوبزرفر للأبحاث

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر