مركز سمت للدراسات وكالة الأدوية الإفريقية: خطوة جديدة نحو التكامل في القطاع الصحي | مركز سمت للدراسات

وكالة الأدوية الإفريقية: خطوة جديدة نحو التكامل في القطاع الصحي

التاريخ والوقت : السبت, 13 نوفمبر 2021

هايدي الشافعي

اعتمد رؤساء الدول والحكومات الأفارقة في فبراير 2019 معاهدة إنشاء وكالة الأدوية الأفريقية (AMA)، والتي  تعد أحدث خطوة في الجهود التي تبذلها الدول الإفريقية لتحسين القدرات الطبية في القارة، وفي 5 أكتوبر 2021، أصبحت الكاميرون الدولة الخامسة عشر التي تودع صك التصديق على الوكالة، ليكتمل بذلك النصاب المطلوب لدخول الاتفاقية حيز النفاذ بعد 30 يوم من إيداع الوثيقة الخامسة عشرة للتصديق، (وفقا للمادة 38) من معاهدة إنشاء الوكالة، ليشهد بذلك يوم 5 نوفمبر 2021 بدأ دخول وكالة الأدوية الإفريقية حيز النفاذ، ومن المتوقع أن يتم الإطلاق الرسمي لها في قمة الاتحاد الإفريقي القادمة.

وتهدف وكالة الأدوية الأفريقية إلى تعزيز قدرة دول القارة والمجموعات الاقتصادية الإقليمية المعترف بها من قبل الاتحاد الأفريقي على تنظيم الأدوية والمنتجات الطبية ذات الصلة، ومواءمة جهود التنظيم الطبي عبر القارة، من خلال توحيد المعايير والقوانين والتشريعات الخاصة بتداول وتسجيل وتسعير الأدوية بين الدول الأفريقية، فعندما يتم تشغيلها، من المتوقع أن تربط معاهدة إنشاء وكالة الأدوية الأفريقية الأجهزة التنظيمية الوطنية الحالية بآلية على مستوى القارة، ذات سياسات ومعايير تنظيمية موحدة، لتسريع عمليات المراجعة والموافقة، وتحسين الوصول إلى الأدوية والمنتجات والتقنيات الطبية عالية الجودة والآمنة والفعالة في أقل وقت، بالإضافة إلى تشجيع الحكومات في الدول الأفريقية على زيادة الاستثمار في مجال تصنيع الدواء، ما يسهم في تحسين الرعاية الصحية المقدمة في جميع أنحاء القارة وتحسين الصحة العامة للمواطنين الأفارقة على النحو المتصور في أجندة أفريقيا 2063.

وتشير التقديرات إلى أنه في السنوات الخمس الأولى، ستكون وكالة الأدوية الإفريقية في حاجة لحوالي 100 مليون دولار أمريكي لتمويل تكاليف البنية التحتية والموارد البشرية والتكاليف التشغيلية، ويعتمد نموذج تمويل وكالة الأدوية الإفريقية على عدد من الآليات المالية هي (1) المساهمات المباشرة من الدول الأعضاء، (2) المساهمات المباشرة من الشركاء، (3) توليد الإيرادات، (4) آليات التمويل المبتكرة (صندوق الهبات واستخدام سندات التأثير الاجتماعي).

وتعد وكالة الأدوية الإفريقية أحدث حلقة في سلسلة الجهود القارية المتواصلة لتحسين الصحة العامة في إفريقيا، سبقتها مجموعة من الإجراءات والبرامج، كان أبرزها وضع الاتحاد الأفريقي “خطة تصنيع الأدوية لأفريقيا” في عام 2005، وإنشاء “مبادرة التنسيق التنظيمي للأدوية الأفريقية(AMRH) ” التابعة لـ AUDA-NEPAD، في عام 2009، ثم تبع ذلك إنشاء 11 “مركز إقليمي للتميز التنظيمي” في عام 2014، بالإضافة إلى المنتدى الأفريقي لتنظيم اللقاحات، والذي ساعد في تسريع لقاحات التهاب السحايا والملاريا والإيبولا، وفي عام 2016، أقر الاتحاد الأفريقي “القانون النموذجي بشأن تنظيم المنتجات الطبية”، كنموذج للقوانين التنظيمية الوطنية ليسهل التنسيق فيما بينهم، وتم إنشاء المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها “Africa CDC”، وهي أول آلية تعمل على مستوى القارة في مجال الصحة، وكان لها دور هام خلال جائحة كوفيد19، بالإضافة للعديد من المحاولات الإقليمية مثل “ZaZiBoNa”، وهي مبادرة تعاونية لتسجيل الأدوية تابعة لمجموعة التنمية للجنوب الأفريقي (SADC)، وتضم كل من زيمبابوي وزامبيا وبوتسوانا وناميبيا، بالاضافة إلى الكنغو الديمقراطية وجنوب إفريقيا وموزمبيق وملاوي وتنزانيا، وبمجرد إنشائها، من المتوقع أن تلعب وكالة الأدوية الإفريقية AMA دورًا في تنسيق وتعزيز هذه المبادرات والإشراف عليها.

أهمية وكالة الأدوية الإفريقية وتحديات قطاع الأدوية الإفريقي

شكل عدم كفاية الوصول إلى منتجات طبية عالية الجودة وآمنة وفعالة وبأسعار معقولة في إفريقيا تحديًا كبيرًا للصحة العامة لعقود من الزمن، حيث يواجه قطاع الصحة في إفريقيا عدد من التحديات منها ضعف أو غياب التنظيم، وانتشار الأدوية المغشوشة ومتدنية الجودة، بالإضافة إلى نقص الإمدادات الطبية، فضلا عن ضعف الالتزام السياسي وانتشار النزعات القومية، هذه التحديات تقف عائق أمام نجاح وكالة الأدوية الإفريقية، وتعرقل تقدم القارة في تحسين الرعاية الصحية، ولكن من جهة أخرى إذا اكتمل العمل على مشروع وكالة الأدوية الإفريقية، ستساهم في إزالة هذه العراقيل مع الوقت وصولا لإفريقيا متكاملة صحيا ومكتفية ذاتيا من الأدوية والمنتجات الطبية.

تحديات تنظيمية

هناك تباين كبير في جودة التنظيم الطبي الحالي بين الدول الإفريقية، وبالرغم من وجود 54 هيئة تنظيمية وطنية للمنتجات الطبية في القارة (NMRAs)، فإن 90% منها غير قادر على القيام بوظائفه الأساسية، بسبب نقص الموظفين المدربين تدريباً مناسباً و الافتقار إلى الموارد التقنية والمالية لأداء وظائفها التنظيمية الأساسية، حيث تؤثر الأجهزة التنظيمية الضعيفة سلبًا على كل جانب من جوانب الوصول إلى الأدوية، بما في ذلك توافر الأدوية وقبولها وجودتها والقدرة على تحمل تكاليفها وإمكانية الوصول إليها، فضلا غياب المعايير والسياسات الموحدة بين هيئات التنظيم الدوائي الوطنية لمختلف الدول الإفريقية، وتسعى وكالة الأدوية الإفريقية إلى توحيد المعايير والسياسات والتشريعات التي تحكم عمل الهيئات الوطنية لتنظيم المنتجات الطبية على مستوى القارة، وتوفير الإمكانيات اللازمة لها للقيام بعملها تحت مظلة وكالة الأدوية الإفريقية، كخطوة هامة في سبيل القضاء على المشاكل التنظيمية.

انتشار الأدوية المغشوشة ومتدنية الجودة

تتمتع القارة الأفريقية بأعلى معدل انتشار للأدوية المزيفة وذات الجودة الرديئة، حيث قدرت منظمة الصحة العالمية أن 10.5٪ من الأدوية في جميع أنحاء العالم بين عامي 2013 و 2017، كانت دون المستوى المطلوب أو مزورة، ومثلت القارة الإفريقية 42% من جميع تقارير الأدوية المزيفة في ذات الفترة، وتواجه شركات الأدوية خسائر كبيرة في الإيرادات بسبب الأدوية والمنتجات الطبية المتدنية الجودة والمغشوشة، كما تتكبد الحكومات خسائر إضافية تقدر قيمتها بمئات الماليين من الدولارات، من خلال خسارة الإيرادات من الضرائب غير المدفوعة وإنفاق الأموال في مكافحة خطر الأدوية والمنتجات الطبية المغشوشة، فضلا عن تسبب المنتجات الطبية والأدوية المتدنية الجودة والمغشوشة أعباء اقتصادية على المرضى وعائلاتهم من ناحية أخرى، حيث يترتب على بعض الأدوية المغشوشة مضاعفات تحتاج إلى علاجات إضافية، كما يعد بيع الأدوية المزيفة مسؤولاً عن عشرات الآلاف من الوفيات بين المرضى الأفارقة الذين يقعون فريسة للمزيفين عن غير قصد.

وتشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن مبيعات الأدوية المزيفة لعام 2017، في غرب أفريقيا وحدها وصلت 438 مليون دولار أمريكي، وفي شرق أفريقيا، كانت الضرائب غير المدفوعة المتعلقة بالأدوية المزيفة وسلع أخرى تزيد عن ً 500 مليون دولار أمريكي، في بوروندي وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا، وأسوأ سيناريو كان في تنزانيا التي تخسر سنويا حوالي 617 مليون دولار أمريكي نتيجة التهرب الضريبي المرتبط بالمنتجات المزيفة، وحتى في ظل أزمة كرونا، لم يكن لقاح كوفيد19 استثناءً عن القاعدة، فقد صادر الإنتربول 2400 جرعة من لقاحات كوفيد 19 المزيفة في جنوب إفريقيا.

وفي سبيل التغلب على ذلك، ستساعد وكالة الأدوية الإفريقية عن طريق “استراتيجيات التحديد والوقاية والكشف والاستجابة” في تقديم الأدوية عالية الجودة في جميع أنحاء إفريقيا، كما ستختبر عينات من الأدوية من وقت لآخر للقضاء على الأدوية المقلدة التي ابتليت بها القارة، ومن خلال دعم التنظيم وتنسيق اللوائح على المستوى القاري، ستساعد الجهود المشتركة في السيطرة على السوق المتنامي عبر الحدود من المنتجات غير المنظمة والمزيفة.

نقص الإمدادات الطبية

تتحمل إفريقيا عبئًا غير متناسب من الأمراض، فبالرغم من احتوائها على 17% من سكان العالم، تضم ربع عدد المرضى في العالم، و 60٪ من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز، وأكثر من 90٪ من حالات الملاريا السنوية في العالم، ومع هذا العدد المتزايد من المرضى تزداد الحاجة إلى الأدوية والإمدادات الطبية، في الوقت الذي لا يزيد انتاج القارة عن 3% فقط من الأدوية التي يستهلكها شعبها، و1% من اللقاحات، بينما يفتقر ما يقرب من نصف السكان إلى الوصول المنتظم للأدوية الأساسية، ويموت ما يقرب من 50٪ من الأطفال في إفريقيا جنوب الصحراء بسبب أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات كل عام، مع وجود عدد قليل جدًا من شركات تصنيع الأدوية المحلية أو الإقليمية، حيث أشار تقرير صادر عن شركة ماكينزي لعام 2019 إلى وجود ما يقرب من 375 شركة أدوية في القارة، معظمهم في شمال إفريقيا، وهو عدد قليل جدا إذا ما قارناه بعدد الشركات في دول مثل الصين والهند، اللذان يعمل فيهما ما يصل إلى 5000 و 10500 مصنع للأدوية، على التوالي.

ومن خلال تحسين البيئة التنظيمية والتشريعية لصناعة الأدوية في إفريقيا، ستشجع وكالة الأدوية الإفريقية مزيد من الشركات المحلية والأجنبية للاستثمار في مجال الصناعات الدوائية، كما أن محاربة الأدوية المغشوشة سيكون بمثابة دافع آخر، فضلا عن أن إزالة العراقيل وتسهيل إجراءات دخول السوق وتوحيد المعايير المحلية بما يتوافق مع المعايير الدولية سيدفع مزيد من الشركات في الداخل والخارج للدخول إلى سوق الأدوية الإفريقية، بما يحقق توافر في الإمدادات تغطي الاستهلاك المحلي وتدفع نحو الاكتفاء الذاتي من الأدوية والمنتجات الطبية.

غياب الالتزام السياسي 

يظل الافتقار إلى الالتزام السياسي هو أحد أبرز العوامل التي يمكن أن تعرقل تنفيذ القرارات الإقليمية أو القارية، فعلى الرغم من الأهمية المتزايدة لوكالة الأدوية الإفريقية، استغرقت عملية التصديق على الوكالة نحو 3 سنوات، ولا يزال هناك عدد من الدول الإفريقية لم توقع بعد على معاهدة إنشاء الوكالة الإفريقية للأدوية، حيث أن 36 دولة فقط من أصل 55 دولة في إفريقيا أعربت عن دعمها لاتفاقية إنشاء وكالة الأدوية الإفريقية، بينما دول لها ثقل إقليمي مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا لم تعرب بعد عن دعمها للوكالة، يرجع ذلك بسبب رئيسي إلى الافتقار إلى الإرادة السياسية والتفاهم حول الوكالة، وعدم اليقين بشأن التكاليف والآثار والمخاوف بشأن كيفية عمل الوكالة مع المنظمين الوطنيين.

وتشير تجارب سابقة إلى أن التأخيرات في التصديق على المعاهدات القارية بين الدول الأفريقية ليست فريدة من نوعها، بل أصبحت مسألة مألوفة خاصة من جانب الاقتصادات الكبيرة في القارة مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا، ويذكر أنهما اتخذا نهجا مشابها مع التوقيع على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، خوفا من التأثيرات المتوقعة على الصناعات المحلية لهذه الدول، وعلى عكس المخاوف السائدة، تسعى وكالة الأدوية الإفريقية إلى توطين الصناعات الدوائية المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي للدول الإفريقية، وتشديد الرقابة على الأدوية التي يتم تداولها عبر الحدود، وإحكام السيطرة على سوق الأدوية المغشوشة الذي قد يؤثر على الصناعات المحلية لهذه الدول، وبالتالي فالانضمام إليها يحقق مكاسب أكبر من أي ضرر محتمل.

جائحة كوفيد19 كمحفز لإنشاء الوكالة

مع اقتراب عدد الإصابات بفيروس كورونا في القارة الإفريقية من 8.5 مليون مصاب، لعبت المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) دورًا رئيسيًا في تنسيق الاستجابة الصحية للوباء عبر القارة، وسلطت الضوء على قيمة اللاعب القاري خلال الأزمات الصحية، حيث ساهم وباء كوفيد19 في الشعور بالإلحاح والحاجة إلى وجود تنظيم معزز ومنسق للأدوية والمنتجات والتقنيات الطبية في جميع أنحاء القارة، كما سلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز دبلوماسية السياسة الصحية على مستوى القارة لزيادة مرونة النظم الصحية والاستعداد بشكل أفضل للأزمات المستقبلية، وعلى الرغم من بطء انتشار فيروس كورونا في القارة الإفريقية مقارنة بغيرها، تشير التقديرات إلى أن أفريقيا لديها حالات إصابة بكوفيد19 أكثر بسبع مرات، وثلاثة أضعاف عدد الوفيات التي تم الإبلاغ عنها رسميًا، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ويأمل أن يسمح دخول اتفاقية إنشاء وكالة الأدوية الإفريقية بلعب دور في توزيع وإنتاج الأدوية واللقاحات ذات الصلة في جميع أنحاء إفريقيا في السنوات القادمة.

إلى جانب ذلك، ستعلب وكالة الأدوية الإفريقية دورا حاسما في عملية تسهيل وتسريع الإجراءات والمسائل التنظيمية بشأن الأدوية للمساعدة في السيطرة على وباء كوفيد19، حيث يتطلب بيع أي منتج دوائي، مثل لقاح كوفيد19، في أي دولة إفريقية، أن يكون مسجلاً لدى الوكالة التنظيمية الوطنية لهذه الدولة، ونظرًا للقيود التقنية والقيود المتعلقة بالقدرات، في كثير من دول إفريقيا جنوب الصحراء، تحتاج هذه العملية إلى  أوقات معالجة طويلة، تصل إلى ما بين 4 إلى 7 سنوات، وقد أدى ذلك إلى عزوف الشركات الكبرى عن هذه البلدان، ولكن في ظل أزمة كورونا لم يكن من المحتمل الانتظار للحصول على مثل هذه الموافقات لدخول اللقاحات إلى الدول الإفريقية، لذا تم إعداد برنامج COVAX على وجه التحديد لتجنب التأخير في الوصول إلى لقاح كوفيد عن طريق تجاوز العمليات الطويلة والأجهزة التنظيمية المعقدة، الأمر الذي أبرز بشدة  أهمية وجود منظمة واحدة تتحدث نيابة عن القارة، بدلاً من التحدث إلى ثماني مجموعات اقتصادية إقليمية أو 55 دولة بشكل منفصل.

من جهة أخرى، سلط الوباء أيضاً الضوء على نقاط الضعف طويلة الأمد في الأنظمة الدوائية للبلدان الأفريقية مثل نقص القدرة التصنيعية، فلا يوجد في القارة بأكملها سوى  ثلاثة مرافق فقط قادرة على إنتاج أي من المكونات الدوائية الفعالة اللازمة لإنتاج الأدوية من الصفر (في مصر والسنغال وتونس)، بالإضافة إلى حوالي عشرة شركات لتصنيع اللقاحات في إفريقيا، وتعتمد إفريقيا حاليًا على الواردات لـ 99٪ من اللقاحات التي تحتاجها، وفي قمة اللقاحات التي نظمها مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا والاتحاد الأفريقي في أبريل 2021، تعهد القادة الأفارقة بزيادة حصة اللقاحات المصنعة في إفريقيا من 1٪ إلى 60٪ بحلول عام 2040، وحتى نهاية أكتوبر 2021 لم يتلقى لقاح كوفيد19 سوى 8.5% من إجمالي سكان القارة، وتنخفض هذه النسبة إلى حوالي 5.6% لمن تلقوا الجرعتين من اللقاح، وهو بعيد عن هدف تطعيم 40% من السكان بحلول نهاية 2021، الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى نقص إمدادات اللقاحات من جهة، وعدم الثقة في سلامتها من جهة أخرى، ومع ذلك، ويمكن أن تساعد وكالة الأدوية الإفريقية، في إزالة المخاوف بشأن سلامة وفعالية لقاحات كوفيد19 التي يتم تسويقها في البلدان الإفريقية، من خلال توفير معلومات حول سلامة اللقاحات، ومساعدة حكومات البلدان على التواصل بوضوح حول فوائد اللقاحات ومعالجة التردد بشأنها.

منطقة التجارة الحرة الإفريقية كمعزز لوكالة الأدوية

من المنتظر أن تلعب منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية دورا بارزا في تقدم وكالة الأدوية الإفريقية، حيث سيتم تنفيذ أنشطة الوكالة في سياق التكامل الإقليمي والقاري؛ تحت مظلة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والتي ستعزز إنشاء سوق أدوية أفريقي حقيقي يضم أكثر من 1.2 مليار نسمة، وتساعد في معالجة التفاوت في أسعار المنتجات، وتسمح بتحقيق وفورات الحجم للإنتاج القاري لتلبية احتياجات إفريقيا، بالإضافة لتسريع عمليات الشراء والتوزيع، وتمكين الأسواق الصغيرة في إفريقيا من الوصول بشكل أسهل وأرخص إلى المزيد من المنتجات، فضلا عن فتح سوق واعدة أمام مصنعي الدواء الإفريقيين، فمن المتوقع أن ينمو قطاع الأدوية الأفريقي من 19 مليار دولار في عام 2012 إلى 66 مليار دولار بحلول عام 2022.

في غضون ذلك، تظهر أهمية خاصة لوكالة الأدوية على الصحة العامة والسلامة، في سياق منطقة التجارة الحرة، حيث تعتبر المستحضرات الدوائية من بين المنتجات الأكثر تداولًا في إفريقيا، ويمكن لاتفاقية التجارة الحرة أن تفتح الأبواب على نطاق أوسع لانتشار المستحضرات الدوائية ذات الجودة الرديئة التي يتم تداولها عبر الحدود مع القليل من التحكم أو عدم وجود تحكم على الإطلاق مما قد يؤدي إلى ضرر محتمل لجميع الأفارقة، وهنا تكمن أهمية وكالة الأدوية الإفريقية لمنع تداول الأدوية المغشوشة ومنخفضة الجودة، حيث ستعمل منطقة التجارة على توفير تسهيلات لتعزيز التعاون الإقليمي في تصنيع الأدوية وشرائها، بينما ستعمل وكالة الأدوية على إيجاد ضوابط وتوازنات لمنع المنتجات المقلدة من دخول الأسواق الإفريقية، لذلك يجب أن تكون الأدوية والمنتجات الطبية قطاعًا ذا أولوية لمنطقة  التجارة الحرة القارية الأفريقية.

وفي هذا السياق سيكون لمصر كأكبر دول القارة الأفريقية في تصنيع الأدوية واللقاحات، دور هام في صناعة الأدوية في القارة الإفريقية، وتغطية احتياجات دول القارة من لقاحات فيروس كورونا، في إطار وكالة الأدوية الجديدة، ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، حيث تنتج مصر حوالي 2 مليون جرعة لقاح كورونا بشكل محلي أسبوعيا، وتخطط إلى زيادة الإنتاج والوصول إلى مليار جرعة سنويا، وفي سبيل ذلك، وقعت مصر عدد من الاتفاقيات لإنتاج ملايين الجرعات من اللقاحات المختلفة، منهم اتفاق لإنتاج 80 مليون جرعة من لقاح “سينوفاك” ارتفاعاً من 40 مليون جرعة، بنهاية عام 2021، بالتنسيق بين فاكسيرا والجانب الصيني؛ حيث تستطيع مصانع شركة فاكسيرا بالعجوزة، إنتاج 300 ألف جرعة في الوردية الواحدة، مع إمكانية رفع الإنتاج إلى 600 ألف جرعة في اليوم، من خلال ورديتي عمل، إلى جانب تأهيل الخط الثاني للعمل بشهر نوفمبر القادم، لإنتاج مليون جرعة يوميًا، أما عن فاكسيرا فرع 6 أكتوبر، فسيقوم بإنتاج 3 مليون جرعة يوميًا، مما يساعد في توفير اللقاحات للدول الإفريقية.

وبالنظر إلى قطاع الأدوية المصري، يتم تغطية حوالي 88% من الاحتياجات الدوائية في مصر عن طريق الإنتاج المحلي، أما نسبة 12% المتبقية، فتعمل الدولة على تغطيتها من خلال مدينة الدواء المصرية، والتي تعد أحد الصروح الكبيرة لتغطية احتياجات مصر ودول القارة الأفريقية من الأدوية، بطاقة إنتاجية 150 مليون عبوة دواء سنويًا، بما يحقق الاكتفاء الذاتي بنسبة 100% في صناعة الدواء، وفتح الباب أمام زيادة الصادرات وخاصة للدول الإفريقية، حيث تطمح مصر إلى أن تكون ضمن أكبر 20 دولة مصدرة للدواء إلى أفريقيا، بنسبة تتجاوز 10% من إجمالي واردات سوق الأدوية الإفريقي، بينما لا تزال حصتها ضعيفة من سوق الدواء الإفريقية، حيث بلغت صادرات مصر للدول الأفريقية حوالي 52 مليون دولار خلال 2020، ما يمثل أقل من 1% من إجمالي واردات السوق الأفريقية، علمًا بأن 10 دول تشتري 90% من الصادرات المصرية لإفريقيا، وهي: (السودان، والصومال، وأوغندا، وكينيا، وإثيوبيا، وتنزانيا، وجيبوتي، ونيجيريا، وتشاد، والنيجر)، وفي ظل التسهيلات المتاحة في منطقة التجارة الحرة الافريقية ووكالة الأدوية، ستعمل مصر على توسيع حجم الصادرات وعدد المستفيدين من الأدوية ونسبتهم في السوق الإفريقية، وصولا للنسبة المستهدفة.

كما تسعى مصر لاستضافة المقر الرئيسي لوكالة الأدوية الإفريقية، لتصبح لاعبا أساسيا في صناعة الدواء قاريًا، ومركزًا لعملية تسجيل وترخيص الدواء في أفريقيا، لما تتمتع به من قدرات عالية في صناعة الدواء، ما يسهم في إنعاش الصادرات المصرية إلى القارة السمراء، والقضاء على مشكلة التسجيل؛ ويسهِّل كثير من الإجراءات للشركات المصرية، إلى جانب فتح المجال أمام هيئة الدواء المصرية لتبادل تجربتها مع دول القارة.

ختامًا، فإن التصديق على وكالة الأدوية الأفريقية والدفع نحو سرعة تشغيلها سيعزز من قدرة القارة الإفريقية على التأهب والاستجابة للأزمات الصحية الحالية والمستقبلية بشكل عام، وهي خطوة تضع الاتحاد الإفريقي على مسار نحو إنشاء مؤسسة صحية قارية ثانية، تشتد الحاجة إليها في ظل جائحة كوفيد19 وما بعدها، كما ستقوم وكالة الأدوية الأفريقية بتوفير استجابة منسقة للأزمات الصحية على مستوى دول الاتحاد الأفريقي، ورصد وتخفيف مخاطر النقص في الأدوية الضرورية والإمدادات الطبية؛ والقضاء على الأدوية المغشوشة، فضلا عن ذلك، فإن الدور الأكبر لوكالة الأدوية من المنتظر أن يتم من خلال الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، ولكن تظل كل هذه الفوائد معلقة ما لم تلتزم دول القارة الإفريقية ذات الاقتصادات الكبيرة مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا بالتصديق على الاتفاقية لتحقيق أكبر استفادة ممكنة لدول القارة الإفريقية.

المصدر: المركز المصري للدراسات الإستراتيجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر