وثالثهما الأتراك.. الإخوان والسلفية جناحا التطرف في فرنسا

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 6 أغسطس 2019

الدولة التركية بمفهومها الحالي، وتحت عباءة حزب العدالة والتنمية، تحولت من دولة تتجه إليها الأنظار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على أنها عملاق اقتصادي جديد قادم من منطقة الشرق الأوسط، إلى دولة راعية للإرهاب، تحتضن التنظيمات الإرهابية وتغذيهم وتدعمهم بالأموال والسلاح لتنفيذ مخططاتها التوسعية سواء في دول الجوار مثل سورية والعراق، أو فيما وراء البحار مثل اليمن وليبيا.

التنظيمات الإرهابية التي تعتبر تركيا أباها الروحي لم تكن بعيدة عن العمق الأوروبي، حيث ذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية “بي بي سي” في تقرير نشرته في مايو 2016، أن صحافيا فرنسيا يحمل الاسم المستعار سعيد رمزي، تسرب إلى خلية تابعة لتنظيم داعش داخل فرنسا، وتمكن من تصوير وتسجيل العمليات التي يقوم بها داعش والهجمات التي يخطط لها.

التقرير أوضح أن أمير الخلية الإرهابية يطلق على نفسه اسم “أسامة”، ويحمل الجنسيتين التركية والفرنسية، مشيرًا إلى أنه حاول إقناعه بأنه إذا انتحر سيذهب إلى الجنة. وبحسب التقرير فقد حاول أسامة ذو الأصول التركية الدخول إلى الأراضي السورية عبر تركيا، إلا أن قوات الأمن ألقت القبض عليه، ثم قامت بنقله إلى فرنسا.

معهد مونيتن في فرنسا نشر تقريرًا في سبتمبر 2018، بعنوان “مصنع الراديكالية الإسلامية”، مسلطًا الضوء على أن التيار السلفي وجماعة الإخوان المسلمين والأتراك يمثلون الأضلاع الرئيسة في مثلث الفكر الإسلامي المتطرف.

التقرير أشار أن الفكر السلفي وتنظيم الإخوان المسلمين والأتراك لهم دور في تصاعد الراديكالية داخل أوروبا، وبشكل خاص فرنسا، لافتًا إلى أن الرئيس التركي، رجب إردوغان، يتصدر المشهد الإسلامي الراديكالي بتصريحاته المتشددة. كما أشار إلى أن إردوغان حصل في انتخابات الرئاسة الأخيرة التي عقدت في صيف 2018  على 51% من الأصوات فقط داخل تركيا، بينما حصل على أكثر من 65% من أصوات الأتراك المسلمين المقيمين في الدول الأوروبية، مشيرًا إلى أن تصاعد التيار الراديكالي داخل فرنسا والدول الأوروبية يتصاعد مع تصاعد حدة تصريحات إردوغان المتطرفة.

الحكومة الفرنسية فضلت التحرك سريعًا، لقطع الكهرباء المغذية لهذا المصنع الراديكالي، وفي العاشر من مايو الماضي، علَّق وزير التعليم الفرنسي، جان ميشيل بلانكير، على الادعاءات التي كانت متداولة في تلك الفترة حول رغبة رئيس الجمهورية التركية رجب إردوغان في افتتاح مدارس ثانوية تركية داخل فرنسا، موضحًا أنهم غير متحمسين لهذه الخطوة، وأكد أن إردوغان – المتورط في عمليات دعم التنظيمات الإرهابية – يريد أن ينقل فكر الإسلام السياسي والجهادي إلى فرنسا.

بلانكير قال في تصريحات صحافية لإحدى الصحف الفرنسية: “تركيا إردوغان تسعى لفرض نفوذها من خلال أيدولوجية الإسلام السياسي، وسنكون حذرين للغاية من تقدم هذه الخطوات. فرنسا لن تكون مجالًا وساحة مفتوحة لمثل هذه المحاولات”. وأضاف: “يجب على الجميع في هذا البلد اتباع قواعد وقوانين الجمهورية. وقد أبلغت نظيري التركي بمخاوفنا في هذا الصدد”.

جريدة “يني عقد التركية” علقت على تصريحات الوزير الفرنسي، من خلال خبر في اليوم نفسه بعنوان مثير: “فرنسا خائفة من خطوات الرئيس إردوغان”.

فتيل الأزمة اشتعل من البداية من خلال مانشيت لصحيفة “Le Figaro” الفرنسية التي ذكرت أن إردوغان يريد افتتاح مدارس ثانوية تركية داخل فرنسا، مشيرة إلى أن الحكومة الفرنسية لن تكون متحمسة لهذه الخطوة. الجريدة أكدت في خبرها أن المخطط الإردوغاني من هذا الطلب هو نشر الفكر الجهادي المتطرف داخل المجتمع الفرنسي الذي يضم عددا كبيرا من المسلمين.

الصحيفة الفرنسية أوضحت أن إردوغان سيرسل وفدًا إلى باريس من أجل فحص ودراسة المدارس الثانوية الدولية الموجودة في فرنسا.

مسؤول آخر في وزارة التعليم الفرنسية، أوضح في حوار صحافي مع وكالة “يورونيوز” الإخبارية، حذَّر من أن حكومة حزب العدالة والتنمية والمسؤولين بوزارة التعليم في تركيا يهددون بأنه في حالة ظهور أي عقبات أمام افتتاح المدارس الثانوية التركية في فرنسا، فإن السلطات التركية ستغلق المدارس الفرنسية الموجودة على أراضيها.

الوزير الفرنسي لم يكتف بهذه التصريحات فقط، وإنما قال في حوار خاص مع تلفزيون: “BFM TV”: “هذا البلد فيه قوانين جمهورية، وأنا حساس للغاية في تطبيقها. وكما تعرفون لقد منعت افتتاح عدد من المدارس في الفترة الأخيرة، اعتراضًا على نشرهم للفكر الإسلامي الراديكالي المتشدد. وقد أصدرت قرارات بغلق بعض المدارس بالفعل بعد افتتاحها. أنا لست أعمًى. أنا مدرك جيدًا أن تركيا تبحث عن مكان أو مساحة لتحقيق نفوذ لنفسها. هذا البحث ليس من أجل نفوذ طبيعي قومي، وإنما هو توجه إسلامي متشدد”.

“نحن حذرون جدًا من أجل ألا تتقدم هذه المحاولات خطوة”، تابع الوزير الفرنسي، مضيفا: “قلت بوضوح لنظيري التركي: نحن لسنا بلهاء لنقف مكتوفي الأيدي أمام هذه المحاولات الراديكالية. ولا يمكن الموافقة عليها بأي حال من الأحوال”.

الوزير أكد أيضًا أن تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية وإردوغان أعطت ظهرها للعلمانية منذ سنوات، وبدأت صعود سلم التشدد والراديكالية، قائلًا: “تركيا بعد أن ابتعدت عن العلمانية منذ سنوات، بدأت تتبع سياسات إسلامية راديكالية متشددة. نحن نرى في هذه الأيام تصريفات غير ودودة من تركيا. ولو كانت تركيا دولة ليس لها أيدولوجية دينية أو محايدة، لكان بإمكاننا بحث المشروع”.

في اليوم نفسه الذي نشر فيه الخبر على الصحيفة الفرنسية، علق المتحدث الرسمي باسم الخارجية التركية حامي أكصوي، مؤكدًا عدم صحة الادعاءات التي تتداولها الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية عن افتتاح مدارس مدعومة من قبل السفارة التركية في فرنسا.

أكصوي قال: “إن بعض الأخبار والتصريحات المتداولة مؤخرًا في الصحف الفرنسية حول افتتاح مدارس تركية مدعومة من السفارة في فرنسا، إضافة إلى الجدالات المثارة بهذا الخصوص، لا تعكس الحقيقة، وتحتوي على عناصر مظللة”.

وأضاف، وفقاً للأناضول: “تلقينا بدهشة وأسف تصريحات وزير التعليم الفرنسي بهذا الصدد، حيث يبدو أن الوزير لم يتم إبلاغه بشكل صحيح، ولا نقبل هذه التصريحات المستندة على ادعاءات من وحي الخيال ولا أساس لها من الصحة”. متهمًا الصحف الفرنسية بأنها تسعى لاستهداف إردوغان من خلال افتعال مثل هذه الأزمات.

أما سفير تركيا لدى باريس، إسماعيل حقي موسى، فقرر التدخل أيضًا للدفاع عن سيده، قائلًا: “نريد أن نفكر في أن وزير التعليم الفرنسي قد تم إبلاغه بشكل خاطئ حول الأمر، لأنه رجل دولة نحترمه. هذه التعبيرات والتصريحات لا يمكن الموافقة عليها، ومحزنة للغاية”.

موسى حاول تحسين صورة إردوغان بعد قرار وزير التعليم الفرنسي برفض طلبه، موضحًا أن الطلب ليس وليد اليوم كما تزعم الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية، وإنما تجري الأعمال في هذا السياق منذ عام 2012 بغرض تحديد الأطر التي يمكن السير عليها وفقًا لمبادئ وقوانين شارل ديجول ولوتي بيير.

تصريحات موسى التي جاءت بعد أربعة أيام من تصريحات المتحدث باسم الخارجية التركية التي نفى فيها دعم السفارة التركية للمدارس المزعم افتتاحها، كشفت تضاربا وتناقضا معها إذ قال: “إن هذه المدارس مدعومة من السفارة (في إشارة إلى المدرستين الفرنسيتين في إسطنبول)، ما نريده من السلطات الفرنسية أن تسمح لنا بافتتاح مدرستين تركيتين على أراضيها تكون مدعومة بالشكل نفسه. يجري العمل حاليًا لحل هذه الأزمة”. التصريحات نشرتها وكالة الأنباء الروسية “سبوتنيك” في نسختها التركية بتاريخ 14 مايو 2019، أي بعد أربعة أيام من تصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية التركية.

أول مدرسة ثانوية تركية كانت قد افتتحت في فرنسا في عام 2015، في مدينة ستراسبرغ تحت اسم يونس إمري. المدرسة أقيمت على مساحة 3 آلاف و500 متر مربع على قطعة أرض تابعة للاتحاد الإسلامي التركي التابعة لهيئة الشؤون الدينية، المتورط في أعمال تجسس وتجنيد عملاء لصالح الاستخبارات التركية داخل الأراضي الألمانية للتجسس على معارضي حزب العدالة والتنمية وإردوغان الفارين من قبضته الدموية.

 

المصدر: عثمانلي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر