مركز سمت للدراسات هل يجعل “بريكست” استقلال اسكتلندا أقل احتمالًا؟ | مركز سمت للدراسات

هل يجعل “بريكست” استقلال اسكتلندا أقل احتمالًا؟

التاريخ والوقت : الإثنين, 3 مايو 2021

شون أوغرايدي

 

يجب الاعتراف في الأقل بفضل نيكولا ستورجين لأنها أقرّت بأن إقامة دولة اسكتلندا المستقلة ستستلزم وجود حدود بينها وبقية أجزاء المملكة المتحدة، وربما تكون هذه الحدود مختلفة عما هي عليه اليوم: سيكون خطها غير مرئي  ما عدا إشارات “أهلاً بكم في اسكتلندا” الموجودة على الطريق السريع التي ستدلّ على الحدود.

وبوصفها رئيسة للحكومة الاسكتلندية وزعيمة للحزب القومي الاسكتلندي، فإن ستورجين بالكاد تستطيع أن تفعل شيئاً سوى الاعتراف بما هو بديهي، وهذا ما قامت به حين قالت: “هذه هي الصراحة التي ستسعى أطراف معينة في وسائل الإعلام إلى إثارة المتاعب بشأنها – أنا لا أنكر أننا سنحتاج إلى التصدي للمشكلات المتعلقة بالحدود بين اسكتلندا وإنجلترا والتي سيتسبب بها وجودنا في الاتحاد الأوروبي، كما يترتب علينا حل هذه المشكلات”.

والواقع أن تفاصيل الحدود بين البلدين لم تكُن تمثّل مشكلة كبيرة خلال استفتاء الاستقلال عام 2014، فكان من المفترض حينذاك (وهو أحد الأسباب التي أدت إلى رفض الاستقلال) أن المملكة المتحدة بكاملها، أو هي واسكتلندا مستقلة، ستكونان معاً في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي والاتحاد الجمركي، ما يعني أن تجارة السلع والخدمات يمكنها أن تستمر بينهما من دون عوائق (مع أن التغييرات المحتملة في العملة النقدية وتغييرات من أنواع أخرى، ستؤدي إلى تعقيد الأمور أمام هذه التجارة).

والآن، تشهد مرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ظهور بعض المفارقات المؤلمة. وبعدما صوّتت اسكتلندا ضد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وها هي تُجرّ خارج أوروبا رغماً عنها، على حد تعبير الحزب القومي الاسكتلندي، فإن الاستياء العام من الهيمنة الإنجليزية وغطرسة حكومة المحافظين (تحظى بدعم محدود في اسكتلندا)، أدى إلى تأجيج الدعم لاستقلال اسكتلندا.

لكن الآن وبعدما خرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، و انسحبت أيضاً من السوق الموحدة ومن الاتحاد الجمركي، فإن هذه التطورات مجتمعة تجعل من الاستقلال الاسكتلندي كمشروع مقترح أشدّ تعقيداً من النواحي العملية بالنسبة إلى استمرار التجارة من دون عوائق بين اسكتلندا وسوقها الأكبر في بقية أجزاء المملكة المتحدة. في هذا السياق، يُشار أحياناً إلى الوضع الشاذ لأيرلندا الشمالية باعتباره يمثّل طريقة للتغلب على الصعوبات التي ينطوي عليها خط حدود جديد للاتحاد الأوروبي بين اسكتلندا وإنجلترا، بيد أن حالة أيرلندا الشمالية لا تعتبر سابقة مشجعة. أولاً، من المنصف القول إن اتفاق الحدود في أيرلندا الشمالية لم يعمل بشكل سلس في الأشهر الأخيرة. وثانياً، إذا كان من الضروري عدم إقامة حدود صلبة على الأرض بين اسكتلندا وإنجلترا وإبقاء البلدين مفتوحين على بعضهما بعضاً، سيتوجب عندها مرور خط الحدود عبر بحر الشمال والقناة الإنجليزية بين اسكتلندا وبقية دول الاتحاد الأوروبي. وهذا، حتى لو كان مقبولاً من جانب الاتحاد الأوروبي، سيؤدي إلى خلق خلافات على حدود السوق الموحدة الخاصة بالاتحاد الأوروبي. وكما أشارت ستورجين، فإن المصدّرين الاسكتلنديين يواجهون سلفاً مثل هذه الخلافات، لكنها ستظل قائمة في حال عدم وجود عمليات تفتيش على الحدود بين إنجلترا واسكتلندا.

وتقول ستورجين – في كلمات تردد أصداء المناقشات المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- إن كل هذه الأمور يمكن حلها إذا تحلّت كل الأطراف المشاركة في المفاوضات ذات العلاقة بحسن النية. لكن المنطق العملي يعني أن التسوية لا يمكن أن تشمل كل هذه المسائل، وربما لن تشمل حتى إقامة منطقة سفر مشتركة للأشخاص أو العمال، كتلك التي لا تزال المملكة المتحدة تفيد منها في أيرلندا. والسبب في هذا هو أن التقييم لهذا الجانب يعتمد جزئياً على ما تريده لندن. وكما وجدت بريطانيا نفسها في وضع غير مؤات في التفاوض على صفقة تجارة حرة مع جارتها الأكبر بكثير، فإن اسكتلندا ستجد أن من الصعب عليها أن تؤكد نفسها ضد جارتها هي الأكبر إلى الجنوب.

وسيرغب الاتحاد الأوروبي بالإدلاء برأيه في الإجراءات الجديدة، باعتبار أن اسكتلندا ستكون دولة عضو فيه أو مقرّبة منه. خذ على سبيل المثال مسألة صيد السمك. سيبرز في أعقاب تحديد نطاق المياه الإقليمية الاسكتلندية، تساؤل مهم عمّن يمكنه أن يصيد السمك فيها. سيودّ الاتحاد الأوروبي أن يتمتع بشي من حرية الوصول (أو بحرية الوصول الكاملة) إلى هذه المياه بموجب آلية “مصائد السمك المشتركة” ، بيد أن البريطانيين/الإنجليز سيطالبون أيضاً بالحصول على حصة من هذا الصيد لقاء تنازلات يقدّمونها في مجالات السياسة الأخرى- مثلاً حرية وصول مديري الصناديق الاسكتلندية القائمة حالياً إلى العملاء في المملكة المتحدة.

من الواضح أن الحجج التي تقدّم بشأن خروج اسكتلندا من المملكة المتحدة تعكس تلك التي طُرحت بخصوص انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – “سكيكست” تردد بعض ما جاء في “بريكست”. ومن المنصف للغاية، في الحالتين، الادعاء بأن السيادة والديمقراطية هما مسألتان مهمتان، كما أن من المشروع القول إن الدول متوسطة الحجم (بريطانيا) او الصغيرة (اسكتلندا)، يمكنها أن تعيش بشكل مستقل، داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه. ومن الأمثلة القريبة التي يمكن للحزب القومي الاسكتلندي أن يشير إليها أيرلندا (الجمهورية التي خرجت من المملكة المتحدة قبل نحو قرن من الزمن)، والنرويج والدنمارك، مثلاً. وإذا كان بوسع بريطانيا أن تتخذ بمفردها القرارات لتناسب مصالحها الخاصة بشكل أفضل من أن تكون في الاتحاد الأوروبي، فإن الأمر ذاته ينطبق على اسكتلندا حين تستعيد القدرة على التحكم بمصيرها وتستطيع أن تتخذ قرارتها بنفسها. ونظراً إلى احتلالها مقعداً حول الطاولة الرئيسة حيث تتخذ القرارات في أوروبا، سيكون بمقدور اسكتلندا أن تجد أسواقاً لها في دول الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل أكبر سوق مفردة وأضخم كتلة اقتصادية في العالم كله، أو تعيد تأسيسها. ويمكنها أن تعوّل على النفوذ الذي تحظى به الكتلة كي تبرم صفقات تجارية مع الولايات المتحدة، أو الصين، أو الهند، والتي يمكن القول إنها ستكون صفقات أكبر  بكثير من تلك التي يمكن أن تؤمنها لندن لوحدها (وعلى افتراض أن ليز تروس لن تضع المصالح الاسكتلندية أولاً) . وكما هي الحال مع أي دولة، إذا توافرت لاسكتلندا السياسات الصحيحة، وربما بعض الحظ، سيكون بوسعها أن تزدهر خارج المملكة المتحدة، بيد أن إقامة حواجز تجارية مع إنجلترا ستشكّل عائقاً أمامها.

من الصحيح أيضاً، بشكل مؤلم في حالة أيرلندا، وربما في حالة المملكة المتحدة أيضاً، أن ثمة فترة طويلة لدوزنة الأمور ستلي عمليات التعديل لتطبيق ترتيبات اقتصادية جديدة، وأن “الطلاق” سيكون في الغالب مريراً. قد يبدو الحديث عن اضطرار شخص اسكتلندي يعيش في لندن إلى التسلح بجواز سفره حين يريد العودة إلى الوطن لقضاء ثلاثة أو أربعة أيام في عطلة نهاية أسبوع طويلة بين أهله، أمراً غريباً، وهو ما ترفضه ستورجين، معتبرة أن هذه الأقاويل لا علاقة لها بالموضوع وهي تمثّل نوعاً من التهديد الفارغ من جانب الإنجليز.  ولكن ينبغي بها أيضاً أن تفكر في حقائق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما الذي فعله هذا الخروج بالنسبة إلى العلاقات مع الشركاء والحلفاء السابقين في دول الاتحاد الأوروبي. ولا يجدر بها أن تفترض أن بوريس جونسون والجناح القومي الإنجليزي لحزب المحافظين سيقدّمون لها أي خدمة قبل إجراء الاستفتاء أو في أعقاب ذلك. سيكون هؤلاء جميعاً في غاية السعادة إذا سنحت لهم فرصة تعليمها الحقائق القاسية للحياة خارج المملكة المتحدة. ولربما كان جونسون وقحاً بما فيه الكفاية كي يقول لها صراحة إنه ليس بوسعها الاحتفاظ بكعكتها وأكلها في الوقت ذاته. ربما ينمّ ذلك القول عن صفاقة، بيد أنه صحيح أيضاً.

المصدر:  The Independent Arabia

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر