مركز سمت للدراسات هل نيجيريا معرضة لخطر أن تصبح دولة فاشلة؟ | مركز سمت للدراسات

هل نيجيريا معرضة لخطر أن تصبح دولة فاشلة؟

التاريخ والوقت : الأحد, 28 مارس 2021

 آدم راجوزينو

صَحيفة نيويورك تايمز ذكرت أنّ عملية اختطاف أخرى جرت شمال نيجيريا في 26 فبراير، حيث اختطف مسلحون 317 فتاة من مدرسة البنات الثانوية الحكومية في مدينة جانجبي بولاية زامفارا، وقُتل ضابط شرطة أثناء الهجوم، والتي تُعد ثاني عملية اختطاف جماعي تجري خلال بضعة أسابيع، الأمر الذي يُعتَبَر جُزءً من اتجاه مثير للقلق يعود للعام 2014، عندما اختطفت جماعة بوكو حرام المتطرفة 276 فتاة من مدرسة في شيبوك بولاية بورنو، وما يثير القلق أكثر هذه المرة أن عملية الاختطاف الأخيرة حدثت في مدرسة تحت حماية الجيش النيجيري، وقام الخاطفون في البداية بمهاجمة القوات كوسيلة لصرف الأنظار في وقت تنفيذ عملية الاختطاف، بالإضافة إلى أن جماعة بوكو حرام لم تعد تُنفِّذ عمليات الاختطاف وحدها، فالعصابات الإجرامية المنظمة المعروفة محليًا باسم “اللصوص” تعمل وكالة عن بوكو حرام وأحيانًا تقوم من نفسها بتقليد تكتيكات الجماعة لزيادة دخلهم الخاص، ويعزز كلا السيناريوهان الهدف المُعلَن للجماعة وهو التَخَلُّص من مظاهر التعليم على النمط الغربي في نيجيريا، وعلى ما يبدو فإنّ العنف كان له التأثير المطلوب، حيث أمر حاكم ولاية يوبي مُؤخَرًا بإغلاق جميع المدارس المحلية حتى إشعارٍ آخر.

عدم قدرة الحكومة على حماية المدارس يعدُّ جزءً من قائمة إخفاق أمن الدولة المُتزايد، فالعديد من الحدود البرية للبلاد خاصة في الشمال تفتقر إلى تدابير الرقابة المناسبة، وفي مقابلة على قناة الجزيرة قدَّرَ أبا مورو وزير الداخلية النيجيري السابق، أن هناك ما يقارب الـ 1500 طريق غير شرعي يستخدم للتهريب- كانت الحكومة على علم بها- مُقارَنةَ بـ 84 طريق قانوني للبلاد، وبالطبع تُؤدّي هذهِ الطرق غير القانونية لخسائر اقتصادية لا يُستهان بها، كما تستغلها جماعة بوكو حرام في نقل الأسلحة إلى المنطقة.

المَوانئ البحرية ليست أفضل حالًا بكثير، حيثُ يُصنّف ميناء لاغوس والمنطقة المحيطة بخليج غينيا كنقاط عالمية ساخنة، حيث تمت سرقة ناقلة نفط كاملة في العام 2014، وفي كثير من الأحيان تم احتجاز طاقم السفينة كرهائن، لإجبار شركة النقل أو التأمين على دفع فدية، وتتم أيضًا سرقة النفط الموجود في خطوط الأنابيب والاحتفاظ به للحصول على فدية أو لمجرد سرقته من الأنبوب كنوع من التخريب.

في عام 2015 ، بدأت جماعة بوكو حرام في استخدام فتيات لا يتجاوزن الـ 10 سنوات، لتنفيذ هجمات انتحارية استمرت حتى عام 2017، وفي العام الماضي قُتِل ما لا يقل عن 76 مُزارعًا على يد الجماعة، وفي كل الأحوال لم تتمكن الحكومة من اتخاذ رد فعل مضاد ناجح، والأسوأ من ذلك أن متظاهري نهاية السارس العام الماضي تعرضوا لإطلاق نار من قبل الجيش، وهذا النوع من العنف هو الذي تحتج عليه الجماعة تحديدًا، كما أن العنف العِرقي يبدو آخذاً في الازدياد، حيث تم حرق ونهب السوق في “إيبادان” بعد وقوع حادث بين جماعتي اليوروبا والهوا، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص في الاضطرابات وأعمال الشغب، وقد شكَّل السكان الأصليون في إقليمي بيافرا وايغبو جماعة مسيحية انفصالية ذات جناح مسلح، تقاتل هذه الجماعة شبكة الأمن الشرقية مع حكومة “بخاري محمد” التي يُقال إنها تفضل المسلمين، وتقاتل أيضًا ضد قبيلة الفولاني ذات الأغلبية المسلمة ويتهمونهم بشن هجمات على شعب الإيغبو.

تتفاقم هذه القضايا الأمنية بسبب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والتفاوت في توزيع الثروة والحكم، بالإضافة لعدم الثقة في الحكومة وعندما يتصل الأمر بالتركيبة السكانية للشباب النامي، فإنهم بلا شك سيتآمرون لخلق بيئة لا تختلف عما هو موجود في منطقة الساحل، حيث سمحت هذه الاتجاهات نفسها للجماعات المتطرفة بالازدهار في المناطق النائية، وذلك رغم من ما يقارب العِقد من التدخلات العسكرية.

دولة فاشلة في طور التكوين؟

صحيفة فاينانشيال تايمز وصفت نيجيريا العام الماضي بأنها “معرضة لخطر أن تصبح دولة فاشلة”؛ وصفت الحكومة بأنها فقدت السيطرة، لكن الصحيح أن حكومة نيجيريا فقدت بعض السيطرة، وبحسب ليونيل بينر وجوزيف يونغ، فإن فشل الدولة ليس هو سيناريو “الكل أو لا شيء”، لكن الأدق هو الحديث عن الفشل على طول سلسلة متصلة، فبالرغم من فقدان سيطرة الحكومة على بعض مناطقها ومسؤولياتها مثل الأمن في بعض المناطق بينما تظل المناطق والمسؤوليات الأخرى مستقرة أو حتى مزدهرة، وعلى سبيل المثال فإن معظم عمليات سرقة النفط تحدُث في خليج غينيا وولاية الدلتا، كما تحدث غالبية عمليات الاختطاف في مدارس الشمال الشرقي والشمال الغربي، كما أن الصراع العِرقي شائع في “الحزام الأوسط” ومنطقة وسط البلاد، حيث توجد المجموعات العرقية الثلاث المهيمنة: الهوسا في الشمال، واليوروبا في الجنوب الغربي، والاغبو في الجنوب الشرقي والتي تختلط أغلب الأحيان.

لكن رغم إخفاقات نيجيريا، فإن هناك العديد من النجاحات أيضًا، على سبيل المثال يوجد نظام التعليم مجاني ومفتوح للجميع -على الرغم من أن الفقر يمنع الكثيرين من الاستفادة منه- بعدما أدركت الحكومة أهمية التعليم الوطنية، وتحتل نيجيريا ثاني أكبر بلد في صناعة الأفلام في العالم والتي تشكل 5٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، كما تمتلك البلاد أيضًا نمطًا موسيقيًا خاصًا “أفروبيتس” “Afrobeats” المنتشرة عالميًا بفضل الشتات النيجيري.

نيجيريا هي أكبر اقتصاد في إفريقيا، كما أنها في تنامي في الفترة الأخيرة ، كتب بيتر بوردن من سي إن بي سي CNN: “إن مشهد شركات التكنولوجية الناشئة في البلاد، يعد واحدًا من أسرع مشاهد تنمية الشركات في إفريقيا، كما تستضيف لاغوس ما يشبه وادي السيليكون في إفريقيا، وتمتلك نيجيريا أيضًا موارد هائلة غير مستغل هو صناعة التعدين، المُتأخّرة تمامًا مقارنة بكمية الموارد الطبيعية المتاحة، وفي الوقت الحالي يشكل التعدين أقل من 1% من إجمالي الإنتاج المحلي للبلاد.

توقعات الأمان على البر

فقدت الحكومة السيطرة على جوانب معينة من الأمن القومي، فهي تقاتل جماعة بوكو حرام عقدًا من الزمان، مع ذلك لم يتم القبض على “أبو بكر شيكاو” زعيم الجماعة، لكنه أدى إلى إضعاف قوة الجماعة مُؤقتًا في عام 2015، لكن منذ انضمام الجماعة لتنظيم داعش في وقتٍ لاحقٍ ذلك العام عادت “بوكو حرام” أكثر قوة، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أنهم الآن باتوا أكثر جاهزية من الجيش النيجيري نفسه، فهُم قادرون على شن الهجمات مع ضمان الإفلات من العقاب وفقًا لقاعدة بيانات أحداث الصراع المسلح والموقع “ACLED”- المجموعة كانت مسؤولة عن أكثر من 40 ألف حالة وفاة منذ تشكيلها في عام 2009.‪ -وقد ارتفع المتوسط ​​آخر أربعة أسابيع من الأحداث العنيفة لأكثر من 400٪ بالمُقارنة مع المتوسط ​​الشهري منذ عام 2009.

توقعات الأمان في البحر

في عام 2019، قام المدير العام للإدارة البحرية النيجيرية ووكالة السلامة، وهي الجهة المسؤولة عن السلامة في خليج غينيا ، الدكتور داكوكو بيتيرسايد”Dakuku Peterside”، بالالتزام بمهامه لتحسين الأمن في الخليج، وعلى مدار العام سجَّل مركز الإبلاغ عن القرصنة التابع للمكتب البحري الدولي، خطف 44 طاقمًا قبالة السواحل النيجيرية وبحلول عام 2020، ارتفع عدد الطواقم المختطفة إلى 62.

وفي هذا العام، أنفقت الحكومة النيجيرية 195 مليون دولار على الطائرات بدون طيار، وأضافت زوارق الدورية لتقليل العبء الأمني ​​على صناعة الشحن التي تمثل شريان الحياة للنفط النيجيري، وحتى الآن هذا العام أفاد مكتب النقل البحري بأنه تم الصعود على متن ثلاث سفن، وتم إطلاق النار على واحدة قبالة السواحل النيجيرية.

كيف وصلنا لهذا الوضع؟

تتعلق بعض الأسباب بإخفاقات القيادة العسكرية، فقد قال ماثيو بيج زميل مشارك في برنامج إفريقيا في تشاتام هاوس: “إن بخاري محمد كان مخلصًا بشكل غير عادي للقادة العسكريين في البلاد”، ووفقًا لبيج فإن القيادة عادة ما تتغير كل سنتين إلى 3 سنوات، لكن الرئيس بخاري احتفظ بآخر كادر من القادة العسكريين لأكثر من 5 سنوات، رغم إخفاقاتهم المستمرة أمام بوكو حرام، ناهيك عن حقيقة أن “بخاري” قام بحماية الجيش من التدقيق بعد إطلاقهم النار على المدنيين خلال الاحتجاجات الأخيرة.

في يناير من هذا العام، وبعد اختطاف جماعي لطالبة في ولاية كاتسينا التي يعيش فيها بخاري، استسلم الرئيس أخيرًا للضغط السياسي لتغيير القيادة العسكرية، وقد تم تعيين الجنرال ابراهيم الطاهرو قائدًا جديدًا للجيش وتم تعيين الأركان الجنرال لاكي ايرابور وزيرًا جديدًا للدفاع، وفي مقابلة مع دويتش فيله، يشير جريت أدامو المحلل الأمني ​​المقيم في نيجيريا، إلى أن القيادة ليست فقط هي التي تحتاج إلى التغيير، حيث يصف أدامو الجيش بأنه يفتقر إلى التنسيق الأساسي وقدرات التخطيط قائلا: “لسوء الحظ، لا تحتوي البنية والاستراتيجية الأمنية لنيجيريا على عنصر التنسيق هذا، هناك مدرسة فكرية أن الهيكل الأمني ​​بأكمله في نيجيريا يفتقر إلى المراقبة والتقييم المناسبين، بمعنى آخر أي لا توجد آليات للمراقبة والتقييم من شأنها أن تسمح لأي شخص بفهم ما يفعله”.

والرئيس بخاري نفسه لواء متقاعد، وقد يكون هذا هو السبب في أعطاءه مساحة كبيرة للجيش، ورغم أن هذا لا يبرر تسامحه مع جرائم الحرب، إلا أنه يبرز نقطة عمياء محتملة في سياساته إذ تعتمد إدارته بشكل كبير على الحلول العسكرية، وفي حالة تصاعد التوتر العرقي في الحزام الأوسط، فإن منطقة الساحل تمثل تحذير صارخ لعدم المقدرة على حل جميع المواقف الأمنية عن طريق الجيش.

علاوة على ذلك يبدو الصراع العرقي في نيجيريا أكثر تعقيدًا من مجرد الاختلافات الدينية أو الثقافية، ووفقًا لجون كامبل، الزميل الأول لدراسات السياسة الإفريقية في مجلس العلاقات الخارجية فإنه “قد يقع العنف على أسس عرقية ودينية، لكن ليس بالضرورة مدفوعًا بهذه الفروق” ويتعلق الأمر بالتباينات الاقتصادية والوصول إلى الموارد مثل المياه والأرض بقدر ما يتعلق بالدين أو الثقافة.

ماذا بعد؟

أمام الرئيس بخاري عامين قبل أن يواجه الناخبين مرة أخرى، ومن غير المحتمل أن يكون قادرًا على معالجة جميع المشاكل في البلاد في هذا الوقت القصير، لكن الإصلاح الشامل لكيفية إدارة الجيش قد يكون طريقة جيدة للبدء، ويخلق الافتقار للأمن حلقة مفرغة من فرص التنمية الفاشلة، فعلى سبيل المثال أعلنت إدارة بخاري عن خطط لتوسيع قطاع التعدين إلى 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 202‪5، إنه خيار طبيعي لتوفير المزيد من الوظائف وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، لكن كما كان الحال في منطقة الساحل فبدون أمن الدولة الكافي، بدأت الجهات الفاعلة غير الحكومية والعصابات المسلحة في التنافس مع الشركات للسيطرة على موارد الألغام، كما يؤدي استمرار ضعف الاقتصاد إلى سرقة الحكومة، وعدم كفاية الأمن غير قادر على منع السرقات التي لا تزال تثقل كاهل الاقتصاد.

الجيش لا يستطيع حل كل شيء، لكن وجود خدمة أمنية فعّالة وقابلة للمساءلة عنصر حاسم للحفاظ على استقرار ونمو نيجيريا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Geopolitical Monitor

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر