هل سيؤدي تعليق البرلمان البريطاني إلى تعزيز موقف “بريكسيت”؟

التاريخ والوقت : الإثنين, 2 سبتمبر 2019

ديفيد أ. فيمر

 

طلب رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” من الملكة إليزابيث الثانية، في 28 أغسطس، تعليق عمل البرلمان ابتداء من 10 سبتمبر، ما سينهي الدورة البرلمانية الحالية على أن تبدأ دورة جديدة في 14 أكتوبر. وقد شهدت المملكة المتحدة أطول جلسة برلمانية منذ ما يقرب من أربعمئة عام، ما يعني أنها سوف تسمح للبرلمانيين بوقتٍ قصيرٍ من أجل مناقشة الخطط الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل 31 أكتوبر.

وستبدأ الجلسة البرلمانية الجديدة في 14 أكتوبر بعد الخطاب الذي سوف تلقيه الملكة، وهو الخطاب الذي يتحدد فيه جدول أعمال الحكومة. على أن إغلاق الدورة الحالية يعني بالضرورة أنه سيتم إلغاء أية مشاريع قوانين تمَّ تقديمها، لكنها لم يتم إقرارها بعد. ويتيح ذلك لفريق “جونسون” أن ينطلق بقائمةٍ تشريعيةٍ جديدةٍ. فقد “تمَّ تقديم مشاريع القوانين، التي رغم أنها تستحق الاعتبار، فقد بدت في بعض الأحيان تدور حول وقت التعطيل في كل من مجلس العموم ومجلس اللوردات، في حين تمَّ إبطال التشريع الخاص بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولضمان ذلك، كتب “جونسون” في خطابٍ موجهٍ إلى أعضاء البرلمان قال فيه: “هذا لا يمكن أن يستمر”.

وقد أثار قرار “جونسون” بالدعوة إلى التعليق، وهو ما يعرف أيضًا باسم الاختصاص، انتقادات من جانب النواب في مختلف الاتجاهات السياسية، الذين يرون أنه محاولة لتهميش البرلمان في الفترة التي تسبق الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر المقبل. ووصف رئيس مجلس العموم “جون بيركو” هذه الخطوة بأنها “فضيحة دستورية”، تهدف إلى “منع البرلمان من مناقشة عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأداء واجبه في صياغة مسار البلاد”. ووصف زعيم حزب العمل المعارض “جيريمي كوربين” محاولة جونسون بأنها “سحق واستيلاء على ديمقراطيتنا لفرض الخروج بدون اتفاق”.

وأعرب النواب المحافظون عن قلقهم، حيث قال النائب العام السابق “دومينيك جريف”، إن القرار “خطأٌ دستوريٌ وخطير”، في حين أن المستشار السابق لوزير الخزانة “فيليب هاموند”، كتب تغريدة حول تعليق البرلمان ووصفه بأنه سيكون “غير ديمقراطي تمامًا”.

ويمكن أن تهدد انتقادات النواب المحافظين أجندة “جونسون” التشريعية الجديدة، لأن أغلبية رئيس الوزراء في البرلمان تقف على مقعد واحد فقط بعد فوز الديمقراطيين الليبراليين في الانتخابات التي أجريت في أغسطس. وقد اقترح “غرين” في 28 أغسطس أنه رغم أن البرلمان ربَّما لا يستطيع التعطيل، فإن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تصويت بحجب الثقة عن حكومة “جونسون”. وقال جريف: “أعتقد أنه سيكون من الصعب جدًا بالنسبة لأشخاص مثلي الحفاظ على الثقة بالحكومة، ويمكنني أن أرى جيدًا سبب رغبة زعيم المعارضة في طرح اقتراح للتصويت بحجب الثقة”.

وبمرور شهرين على الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تقترب الانتخابات العامة المحتملة من مسارات غير مؤكدة بالفعل في المملكة المتحدة الخارجة من الاتحاد الأوروبي.

وفي تفاعل من جانب الخبراء العاملين بالمجلس الأطلنطي، مع عملية تعليق البرلمان البريطاني وما يعنيه ذلك بالنسبة للاستمرار في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يقول السير “بيتر ويستماكوت”، الزميل بمبادرة مستقبل أوروبا بالمجلس الأطلنطي وسفير المملكة المتحدة السابق لدى الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا: “لقد وضع بوريس جونسون القطة بين حمّامات وستمنستر مع طلبه من الملكة، التي لم يكن لديها خيار سوى قبوله، تعليق البرلمان من أجل التحضير لجلسة جديدة، يتم افتتاحها تقليديًا من خلال الخطاب الملكي الذي يحدد برنامج الحكومة”.

وتختلف المدة الزمنية لتعليق عمل البرلمان من أجل عقد خطاب الملكة. ففي عام 2016، كانت أربعة أيام عمل. وفي عام 2014، كانت ثلاثة عشر يومًا. أمَّا هذه المرة، فسيتم تعليق البرلمان لمدة ثلاثة وعشرين يومًا قبل خطاب الملكة يوم 14 أكتوبر. وهو سيؤثر في تضييق الوقت المتاح لأعضاء البرلمان بعد عودتهم إلى العمل خلال الأسبوع المقبل. وتجدر الإشارة إلى أن البرلمان بدأ عطلة الصيف بعد يومٍ واحدٍ فقط من تولي “جونسون” منصب رئيس الوزراء في 24 يوليو.

وحتى زملاء “جونسون” من حزب المحافظين مستاؤون مما ما يراه البعض محاولةً لتجاوز البرلمان من أجل فرض خيار الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق. فقد قام المستشار السابق للخزانة “فيليب هاموند” بتغريدة وصف خطوة “جونسون” بأنها “فضيحة دستورية” إذا حدثت بالفعل. وقد تحدث رئيس مجلس النواب (المحايد سياسيًا)، “جون بيركو”، بعبارات مماثلة.

إن ما سيحدث بعد ذلك يبدو غير واضح. إذ قد يقدِّم خصوم “جونسون” اقتراحًا بحجب الثقة. وهو ما يمكن أن يرد “جونسون” عليه بالدعوة لإجراء انتخابات عامة، على الرغم من أن حزب المحافظين لا يتمتع حاليًا بالأغلبية؛ وذلك من أجل الحفاظ على وحدة حزبه، وتراجع التهديد الذي يمثله حزب بريكسيت برئاسة “فاراج نايجل”، وهو ما يعني أن “جونسون” سيحتاج إلى حملة داعمة لخيار الخروج بدون صفقة، ولكن إذا فاز، فستكون جميع الخيارات مفتوحة أمامه. وباختصار، فإن الكثير من السخط، وعدم اليقين، وغير ذلك، لا يزال من المتعين العمل لأجله.

ويقول “فرانسيس بورويل”، الزميل البارز في مبادرة مستقبل أوروبا بالمجلس الأطلسي، إنه “في ظل الظروف العادية، فإن اختصاصات البرلمان بعد وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة لن تكون غير عادية. حيث يُمَنح رئيس الوزراء الجديد فرصةً لإعادة تحديد الأولويات التشريعية، ليتم الإعلان عنها في خطاب الملكة الجديد. لكن هذه ليست ظروفًا طبيعية، وهذه فترة طويلة جدًا بالفعل، وهو ما يعدُّ محاولة من جانب رئيس الوزراء بوريس جونسون لمنع النقاش البرلماني حول عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وربَّما التصويت بالثقة على حكومته”. وفي الأيام القليلة الماضية، كانت هناك محاولة مشتركة بين عدد من الأحزاب لتشكيل موقف معارض بهدف عرقلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وعدم تحقيق تقدم، مما يهدد بدوره مخططات “جونسون” بمغادرة الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر. وبعد بضعة أيام ربَّما يلجأ لاتخاذ الإجراءات اللازمة؛ إذ سيتم تعليق العمل بالبرلمان حتى 14 أكتوبر، أي قبل مدة قليلة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ومن ثم، فمن المحتمل ألا يبدو “جونسون” ديكتاتورًا، لكنه يعتقد أن منع البرلمان من محاولة وقف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة سيزيد من نفوذه تجاه الاتحاد الأوروبي، لأنه يحاول القضاء على الشق المتصل بأيرلندا في اتفاقية الانسحاب. وهذا من غير المرجح أن يحدث. ففي الواقع، عزَّزت الحكومة الأيرلندية مرارًا وتكرارًا أهمية هذا الدعم. وما لم يظهر اقتراح جديد مختلف جذري من الآن حتى 31 أكتوبر، فسوف يتعين على المملكة المتحدة قبول الدعم أو مغادرة الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، ما الذي يمكن أن نتوقعه في الأسابيع القليلة المقبلة؟ أولاً، إذا كانت المعارضة من خلال الأحزاب مثل حزب العمل، وحزب الخضر، والحزب الليبرالي الديمقراطي وغيرها، ستطرح تصويتًا بحجب الثقة، فعليها أن تفعل ذلك بداية الآن. وبالنظر إلى أن العديد من نواب حزب المحافظين قد أشاروا إلى رفضهم التام للتعليق اليوم، فإن التصويت بحجب الثقة لا يزال لديه فرصة قوية.

وفي حال خسرت الحكومة هذا التصويت، فسيكون أمامها أربعة عشر يومًا لاستعادة ثقة البرلمان، ذلك أنه من المفترض أنها ستؤجل تعليق البرلمان لهذا الهدف. ولكن ما لم يتحرك “بوريس جونسون” بعيدًا عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة، فمن المرجح أن تسقط الحكومة. وفي هذه الحالة، يمكننا أن نرى شيئًا يمثل سابقة في المملكة المتحدة، ألا وهو حكومة مؤقتة تكنوقراطية خلال الفترة التي تسبق الانتخابات العامة الجديدة. إننا نراقب حقًا ثورة سياسية في بريطانيا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: المجلس الأطلنطي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر