هل ستقاضي السعودية Netflix؟

التاريخ والوقت : الأحد, 7 يوليو 2019

أريج الجهني

 

في الموسم الثالث – الحلقة الثانية – الدقيقة الثامنة وأربع وعشرين ثانية يظهر مشهد تنميطي عن السعودية في مسلسل “الناجي المعين”، الذي يعرض على شبكة “نتفلكس”، فالرئيس الأميركي يستقبل رجل الأعمال السعودي “بزي مضحك ولا يمت للمظهر السعودي بصلة” وباسم “المفتي”، يصافحه الرجل السعودي ومعه امرأة ترتدي جلبابًا من قماش قطني مطرز بالمنتصف وعلى رأسها حجاب قطني وشال بنفسجي اللون لا علاقة له على الإطلاق بمظهر السعوديات، والمضحك أن الرجل يطلب من الرئيس أن يلتقط معه صورة ومع هذه السيدة، فيلتفت الرئيس بذكائه العبقري ليسألها “لدي طفلة بعمرك؟ كم عمرك؟ تجيبه ببرود وانكسار عمري “١٤”، فيقول لها “هل تستمتعين بوقتك مع والدك؟ فينتفض الرجل السعودي بغضب “هي ليست طفلتي، هي زوجتي”، ينتهي المشهد وينصرف الرئيس وهو يتذمر ويتقطع قلبه من الحزن على حال السعوديات!

ثم يستشير فريقه فيقولون له إنه أمر طبيعي وسائد في السعودية، ويقترحون أن لا يتناول خبر استقباله لهذا الرجل السعودي كي لا يقال بأنه استقبل رجلاً “بيدوفيليًا”، تحاول مستشارته أن تحسن الوضع فتقول “إن السعودية استجابوا لنا وقاموا بتعديلات للنساء وسمحوا لهن بالقيادة، ونحن أمرناهم بالتحسين! وإن السعودية دولة نامية ولا تستقيم إلا بأمرنا”.. هكذا باختصار قدّم المسلسل أن السعودية تخضع لأوامرهم وأن كل التحسينات لم تحدث إلا بفضلهم، وأن الإنقاذ للنساء لم يأتِ إلا منهم، وأن المرأة السعودية مغتصبة ومعذبة ومهانة ومظهرها مضحك ومثير للشفقة.

لا جديد! نعم، الحقيقة لا جديد هنا، هوليود وترسانة الإعلام الأميركي لا تزال تصر على تنميط الثقافات والنيل منها، لكن المفارقة الآن أن لدينا الأدوات القانونية والوعي الكافي لرفض هذا الأسلوب، على الأقل من واجب الوزارات لدينا التحرك والتعبير عن رفض هذا التنميط. وفي هذا مهم أن نستمع لقول المفكر الغربي “مايكل غيتس” أن التنميط الثقافي يحدث على ثلاث مراحل، فأصحاب القوة يضعون الافتراضات، ثم ينتظرون ردود الأفعال إن كان هناك موافقة أم رفض، والمرحلة الثالثة والأخطر أن يمتثل الناس لهذه الافتراضات ويتماشون معها. إذًا نحن كمجتمعات عربية نتحمل مسؤولية عدم تحركنا في المرحلة الثانية وهي إعلان الرفض!.

سأذكر مثالاً قريبًا في مقاضاة “نتفلكس”، الفيلم الأميركي الشهير “جريمة غامضة” من بطولة “جينفير أنستون” و”آدم ساندلر”، والذي طرح في حزيران الماضي وحصد ثلاثين مليون مشاهدة في ثلاثة أيام، تعرّض للنقد والمحاسبة من قبل السلطات الإسبانية، فالفيلم تمَّ تصويره في مدينة ملقا وبعض أجزاء من إيطاليا، ويبين كيف أن هذه الدول مسارح للجريمة وشبه مستباحة من العصابات، وهو ليس بالجديد، فالإيطاليون – مثلاً – دائمًا ما يقدمون على أنهم شعب همجي وثرثار وعصابات، والإسبان تمَّ تقديمهم على أنهم غجر، بل قالت المتحدثة الرسمية “أوليفا” حول هذا الفيلم إنه يقدم إسبانيا كما وأنها قبل ٥٠ عامًا! حيث تظهر فتاة غجرية بثوب الفلامنكو وبجانبها عازف “قيتار”، غضب الإسبان من تقديم بلدهم بالصورة البدائية واعترضوا، والفيلم بالمجمل تعرض للنقد، بل هو تمامًا كما وصفه الناقد “بنجامين لي” على الغارديان بأنه “كوميديا مزيفة”، فهو ارتكز على قوة النجوم وجمال الطبيعة الإسبانية، لكن قوة التنميط تجعلك تشعر بأنه عمل تجاري بحت.

هكذا تخسر الأعمال الفنية قيمتها، حينما تنصرف من معالجة معضلات فكرية وأخلاقية إلى الانتقاص من الثقافات والشعوب، ماذا ستخسر “نتفلكس” لو استعانت بفريق سعودي من المتخصصين بالإعلام وهم كثر؟ لماذا تصر الأفلام الأجنبية على وضع الرجل السعودي في دائرة “الرجل المنفلت والغرائزي والمتحرش”، وتضع المرأة السعودية “كالضحية والمغلوبة على أمرها”؟ الآن يمكننا أخذ نفس عميق، وقبل أن نلوم العالم وكل هذه الجهات لنحاسب أنفسنا قليلاً! لنفكر ما السلوكيات التي نمارسها وجعلت الناس تصدق بسهولة أننا كذلك؟ ماذا قدمنا نحن بالمقابل؟ نعم، نحن هنا لسنا مهتمين بطلب المقاضاة، بل على العكس، فعليًا لا أجد جدوى من هذا، بل لتكن هناك جهة رسمية وتقدم أعمالاً مضادة.. هكذا ببساطة واجه الفكر بالفكر والإنتاج بالإنتاج، طالما أن هناك الإمكانيات، بل لتكن أعمالاً حقيقية ومن خلال “نتفلكس”! هكذا العالم سيفهمك عندما تتحدث لغتهم وعندما تظهر من عقر دارهم. مشكلتنا التاريخية والأزلية ندرك قيمة أنفسنا، لكن لا نعزز هذا الإدراك أو نوثقه بقوالب مناسبة. على كل حال، السعودية عنصر مغرٍ وجذاب، وكون الاهتمام بتناولها كمادة لحساب تصفيات سياسية لم يظهر بشكل جيد، علينا أن نتحدث وأن نعلن أن هذا التناول غير موضوعي، وأن تفتح قنوات مباشرة، فالعالم لن يسمعك طالما أنك لم تتحدث!

 

*كاتبة سعودية

[email protected]

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر