هل تتطلع أوروبا إلى “إعادة الضبط” مع روسيا؟

التاريخ والوقت : الأربعاء, 9 أكتوبر 2019

سكوت ريتر

 

لقد جعل الوضع في أوكرانيا العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، معقدًا منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014. لكن العالم الأحادي القطب الذي كان قائمًا – آنذاك – لم يعد قائمًا في الوقت الراهن. وهنا يثار التساؤل حول: كيف ستتعامل أوروبا مع إشكالية التراجع في تقييمها لأهمية الولايات المتحدة، حيث ستقطع شوطًا طويلاً في تحديد إن كان المستقبل الأوروبي مستقبلاً للسلام والازدهار، أم الصراع والدمار.

وكما اتضح، فبينما يواصل السياسيون الأميركيون النظر إلى روسيا باعتبارها تمثل تهديدًا عالميًا تجاه سياساتهم الداخلية، يبدو أن أوروبا قد حددت موقفها، مع تحرك بعض القادة على الأقل في اتجاه واحد.

فقد قال الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في خلال تجمع للدبلوماسيين الفرنسيين بعد اختتام قمة “مجموعة السبع” بفترة وجيزة، “لا شك أننا نعيش في نهاية الهيمنة الغربية على العالم”. وأضاف “ماكرون”: “لقد اعتدنا على نظامٍ عالميٍ منذ القرن الثامن عشر بناءً على هذه الهيمنة، لكن الأمور تغيرت وتذبذبت بسبب أخطاء الغربيين في بعض الأزمات”.

وهو ما يعني أن الرئيس الفرنسي قدَّم تقييمًا قاسيًا اتجه فيه لإعادة التفكير الواقعي لطريقة العمل الحالية فيما يتصل بالعلاقات الأميركية الأوروبية مع روسيا والعواقب المترتبة على ذلك. ففي حين أن الكثير من وسائل الإعلام الأميركية كانت تطارد الرئيس ترمب عندما تخيّل في 20 أغسطس، أي عشية قمة “بياريتز” لمجموعة السبعة، أنه “من الأنسب أن تشارك روسيا ويجب أن تكون المجموعة مجموعة الثماني”، فقد تمَّ إيلاء اهتمام أقل عندما قال “ماكرون” نفس الشيء أساسًا. إذ صرح في 21 أغسطس، بأنه “من المهم أن تنضم روسيا إلى مجموعة السبع بعد استبعادها منها في عام 2014”.

لقد جاء تصريح “ماكرون” متضمنًا تحذيرًا بأن “الشرط المسبق الضروري” لعودة روسيا إلى مجموعة الثماني، هو التوصل إلى حل بشأن قضية أوكرانيا بناءً على اتفاقيات “مينسك” لعام 1993. فقد شعر عدد من المراقبين أن هذا الشرط يبدو غير واقعي، وهو ما يعني الاعتراض بشكل واضح على تأثير بيانه الجريء.

ربَّما ينظر معظم المراقبين إلى تصريحات “ترمب” و”ماكرون” على أنها مواقف مستقلة، مع وجود علاقة ضئيلة جدًا، أو ربَّما معدومة فيما بينها. وبينما ناقش الزعيمان مسألة انضمام روسيا إلى مجموعة الثماني في وقت مناسب لقمة العام المقبل، لم يكن هناك أي موقف رسمي من قبل مجموعة السبع لإعادة قبول روسيا. فقد بدا بنهاية القمة، أن القضية كانت شكلية. ومع ذلك، فكما أوضحت تصريحات “ماكرون” للدبلوماسيين الفرنسيين، فقد انتهت قمة “بياريتز” وتركت روسيا في أذهاننا.

ووفقًا لـ”ماكرون”، فإن نهاية الهيمنة الغربية، التي تستند إلى حدٍ بعيدٍ على فرضية الهيمنة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة، ستجلب معها نهاية “المشروع الأوروبي للحضارة” ومن ثم انتهاء أوروبا، ما لم تكن أوروبا قادرة على التكيف مع هذا الواقع الجديد وتغيير مسار علاقاتها وفقًا لهذا الوضع.

لقد قال “ماكرون”: “إن دفع روسيا بعيدًا عن أوروبا، يعدُّ خطأ كبيرًا”، مضيفًا بأنه يتعين على أوروبا إعادة النظر في هذه العلاقة، فمنذ سقوط حائط برلين أقمنا علاقة مع روسيا على أساس عدم الثقة. فروسيا – كما أعلن ماكرون – موجودة في أوروبا، وقد حذَّر من أن دفع موسكو بعيدًا سوف يدفعها نحو أحضان الصين.

كما قال “ماكرون” إنه يتعين على أوروبا أن تستكشف بشكل استراتيجي طرق “التقارب” مع روسيا التي لا تتخلى عن أوكرانيا. فإذا لم تتمكن من القيام بذلك، “فسنُبقِي على توتر غير ذي جدوى، وستظل النزاعات المجمدة في جميع أنحاء أوروبا، كما ستظل أوروبا مسرحًا لمعركة استراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، لذلك سنستمر في تلقي عواقب الحرب الباردة على أرضنا”.

إن حقيقة أن “ماكرون” أدلى بهذا التصريح الجريء بعد فترة وجيزة من قمة “بياريتز”، وبعد فترة وجيزة من محادثاته مع الرئيس ترمب، تشير إلى موقف منسق وليس مجرد موقف منفرد لمرة واحدة. في ضوء ذلك، فإن كلماته تستحق المزيد من الاهتمام.

إن “ماكرون” يحارب في صراع شاق على جبهتين: أولاً، يجب عليه أن يجد موافقة من النخبة السياسية الأميركية التي تعتنق، إلى حد الإدمان، مفهوم الهيمنة العالمية تحت قيادة الولايات المتحدة. ثانيًا، يجب عليه أن يربط بين النخب الأوروبية المقتنعة بأن السماح لأفعال روسيا في أوكرانيا بالوقوف يقوض البقاء الأوروبي. وحقيقة أن الحفاظ على الوضع الراهن مع موسكو لن يؤدي إلا إلى إسقاط رؤية الوحدة الأوروبية التي تدعي هذه النخبة الدفاع عنها.

لقد حذَّر “ماكرون” من “التوتر غير المُجدِي” و “الصراعات المُجَمَّدة” الواقعة في أوروبا اليوم. ربَّما ظهر هذا الواقع جليًا في الكلمات غير الواضحة لقائد القوات الجوية الأميركية في أوروبا، الجنرال “جيف هاريجان”، حول التهديد الذي تشكله أوروبا على التعزيز العسكري لموسكو في منطقة كالينينغراد الروسية المطلة على بحر البلطيق. فقد قال الجنرال “هاريجان” لعددٍ من الصحفيين: “إذا اضطررنا للذهاب إلى هناك لإنزال أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة في كالينينغراد، فليس هناك شك في أن لدينا خطةً للذهاب إلى ما بعد ذلك. إننا نتدرب على القيام بذلك؛ حيث نفكر في هذه الخطط طوال الوقت. وفي حالة تحقق ذلك، سنكون مستعدين للتنفيذ فعلاً”.

وقد كان رد الفعل الروسي متوقعًا، حيث وصف رئيس الوزراء، “ديمتري ميدفيديف”، تعليقات “هاريجان” بأنها “غبية”، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية إن روسيا كانت تعتبر هذه التصريحات بمثابة “تهديد” وأنها “غير مسؤولة تمامًا”. فقد أشارت وزارة الدفاع الروسية إلى أن منطقة كالينينغراد تتمتع بقدر عالٍ من الحماية في مواجهة أية “خطط” عدوانية من جانب جنرالات أميركيين وينفذها الأوروبيون.

وبصرف النظر عن الاعتراضات الروسية، فإن الواقع يبين أن تصريحات الجنرال “هاريجان” كانت أقرب إلى حالة الضبابية أكثر من الواقع. وببساطة فإن سلاح الجو الأميركي لم يقم بإنزال أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة منذ 20 عامًا؛ حيث كانت آخر مرة حينما تمَّ إنزال أنظمة الدفاع الجوي القديمة في صربيا عام 1999، كما أنه من غير المستبعد تمامًا مواجهة هذا النوع من التهديد عند هذا المستوى الذي تقف عنده روسيا.

فعلى عكس معاركها التي كانت في اتجاه واحد مع العراق وطالبان والقاعدة و”داعش”، والتي ضمنت خلالها التفوق الجوي، لن يكون المجال الجوي المحيط بكالينينغراد وما حولها، والروس أيضًا أهدافًا سهلة؛ لأن روسيا لديها القدرة على الرد على أميركا وحلفائها الأوروبيين بمجموعةٍ كاملةٍ من القدرات التي من شأنها أن تتسبب في إضعاف القيادة والسيطرة، وتحييد القواعد الجوية، وتغيير الواقع على الأرض مع تقدم الآلاف من الدبابات الروسية والعربات المدرعة دون وجود الولايات المتحدة أو استجابة لقوات الناتو البرية.

لقد كان على الجنرال “هاريجان” أن يتعرف جيدًا على الأوضاع على الأرض بالنسبة لكل من الحرس الأول وترتيب الجيوش العشرين الأقوى في العالم قبل أن يدلي مثل هذا التصريح.

فقضية كالينينغراد تعتبر امتدادًا مباشرًا للصراع في أوكرانيا؛ إذ استخدمت بولندا ودول البلطيق الضم الروسي لشبه جزيرة القرم والتدخل ذي الصلة في منطقة “دونباس”، لوضع تصور لتهديد عسكري روسي شامل لأوروبا الشرقية على وجه الخصوص، وحلف شمال الأطلسي بشكل عام، على نحوٍ لا مثيل له في الواقع. ويُظهر تحليل “السبب والنتيجة” بشكل واضح أن الحشد العسكري الروسي في مناطقه التي تقع على الحدود مع الناتو، كان قائمًا على رد الفعل بطبيعته، وكان دفاعيًا في المقام الأول.

بجانب ذلك، فإن العقيدة العسكرية الروسية تؤكد على الانتقال السريع من الدفاع إلى الأعمال المضادة الهجومية العميقة، وهو ما لا يعتبر خطأ من جانب روسيا، بل من جانب أولئك الذين يستفزونها بمثل تلك الأعمال. فهناك عواقب للانسحاب من “معاهدة الأسلحة المضادة للصواريخ الباليستية” (ABM)، ونشر أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ جديدة بالتحالف مع روسيا، والسماح لحلف الناتو بالتوسع ليشمل جمهوريات البلطيق السوفييتية السابقة.

ولهذا تُعَدُّ أوكرانيا بمثابة قنبلة موقوتة. فطالما أن الولايات المتحدة وأوروبا تتبنيان الشرط غير الواقعي المتمثل في انسحاب روسيا من شبه جزيرة القرم والاستسلام المقابل بشأن إعادة التنظيم الاقتصادي والسياسي لأوكرانيا مع الغرب، فستضطر موسكو إلى الحفاظ على الوضع الراهن، وهو ما يعني استمرار الأجواء العسكرية التي تولد هذا النوع من الأزمات في كالينينغراد وأماكن أخرى مصطنعة، ولكنها قد تصبح حقيقية بدرجة كبيرة.

علاوة على ذلك، فإن الوضع الراهن تسيطر عليه روسيا وحدها. فبنهاية العام، سيتم تشغيل خط أنابيب غاز الشمال 2 Nordstream-2، وربط إمدادات الغاز الطبيعي الروسية بالاقتصاد الألماني، ومن ثَمَّ بالاقتصادات الأوروبية. وبالإضافة إلى كون أوروبا أكثر اعتمادًا على إمدادات الغاز الروسية، فإن خط غاز الشمال 2 من شأنه أن يجعل خطوط الأنابيب القديمة التي تمر عبر أوكرانيا أقل أهمية. وبالتالي، فمن المرجح أن تتوقف روسيا عن نقل الغاز عبر خطوط الأنابيب هذه، ما يؤدي إلى حرمان أوكرانيا من مليارات الدولارات كرسوم عبور تدعم اقتصادها. وهو ما لا يمكن لأي مبلغ من “المساعدات” المقدمة من الولايات المتحدة أن تعوِّض عن خسارة مثل هذا الدخل المهم. وهو ما سيترك أوكرانيا تغرق في مزيد من التدهور الاقتصادي، مما يُولِّد المزيد من الفوضى السياسية.

هذه هي الحقيقة التي أخذتها أوروبا عند النظر إلى مستقبلها؛ وهو ما يدركه “ماكرون”. فإذا تركنا الوضع في أوكرانيا، فإنه سيدعو إلى نشوب الصراعات على الأرض الأوروبية التي من شأنها أن تنطوي على أجواء مشابهة بالتجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تكون الهيمنة الغربية قد انتهت، لكن مكانة أوروبا كركيزة أساسية لعالم متعدد الأقطاب في المستقبل، ليست في حاجة إلى القضاء على تلك التجربة. لكن كيف ستتحرك أوروبا للخروج من المستنقع الأوكراني؟ لا يبدو معروفًا حتى اللحظة. لكن ما لا يقبل الجدل هو ضرورة البدء بالتفكير في ذلك.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: أمريكان كونسيرفاتيف

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر