هجمات أمبازونيا.. المهددات الأمنية المتصاعدة في الكاميرون | مركز سمت للدراسات

هجمات أمبازونيا.. المهددات الأمنية المتصاعدة في الكاميرون

التاريخ والوقت : السبت, 28 يناير 2023

صلاح خليل

 

تخذت الصراعات في المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية في الكاميرون صورة حرب أهلية في عام 2017، وذلك بعدما اندلعت المواجهة بين قوات الأمن الكاميرونية والجماعات الانفصالية المسلحة غير الحكومية التي تتنافس من أجل دولة مستقلة يسمونها “جمهورية أمبازونيا الفيدرالية”.

بهذا التحول، عادت المظالم القديمة في المناطق الناطقة بالإنجليزية في الكاميرون لتعيد شبح أزمة الدولة إلى الظهور مجددًا، وهي الأزمة التي يعود تاريخها إلى الحقبة الاستعمارية، والتي برزت إلى الواجهة مجددًا في أكتوبر 2016، عندما اندلعت احتجاجات سلمية ضد التهميش والإقصاء السياسي، إذ طالب المتظاهرون بإجراء إصلاحات في قطاعي التعليم والقضاء، لكن رد الحكومة كان قاسيًا، حيث تم القبض على العديد من المتظاهرين واحتجازهم. وبحلول مطلع عام 2017، تحولت التحركات السلمية إلى نزاع مسلح، مع دعوات الناطقين باللغة الإنجليزية للانفصال عن جمهورية الكاميرون ذات الأغلبية الفرنكوفونية.

لم تواجه الحكومة مطالب المحتجين بمرونة أو تتعاطى معها سياسيًا، بل وصف الرئيس الكاميروني بول بيا المتظاهرين بأنهم (إرهابيون). وواصلت قوات الأمن ممارسة التضييق على الحركة الاحتجاجية. ومن جانبهم، قابل المحتجون عنف السلطة بعنف مماثل حيث ارتكب الانفصاليون المسلحون فظائع خطيرة.

فوفق تقديرات منظمات حقوقية محلية ودولية، لقي أكثر من 6 آلاف شخص حتفهم نتيجة أعمال العنف حتى الآن، وهو ما يعقّد من الأزمة الإنسانية القائمة بالفعل في الكاميرون، حيث يوجد أكثر من 600000 نازح داخليًا، احتلت به المرتبة الثانية في أفريقيا بعد جمهورية الكونغو الديمقراطية، وأكثر من 77000 آخرين يلتمسون اللجوء في نيجيريا. وحتى الآن لم تُسفر الجهود المبذولة عن إنهاء الصراع، كما لا توجد أي خطوات ذات مغزى تتخذها الكاميرون تجاه هذه الأزمة.

وهكذا عاد شبح أزمة الدولة يطل من جديد لتعود قضايا ما بعد الاستعمار في هذه المنطقة إلى واجهة الأحداث في غرب أفريقيا، وهو ما يعني أن كثيرًا من الجهود التي بذلت على مدة عقود لم تنجح في معالجة إرث الاستعمار البغيض الذي ترك القارة ودولها هشة ومعرضة في أي وقت للأزمات الداخلية. كما تثبت الأحداث أن الكاميرون تحديدًا وكذلك العديد من دول القارة لم تنجح في معالجة أكبر أزمة تواجهها القارة بعد الاستعمار وهي أزمة الاندماج الوطني، وتجاوز على التنوعات العرقية والثقافية التي تجعل دورها عرضة للانهيار بين فينة وأخرى. كذلك فإن حكومات دول القارة على ما يبدو لم تنجح في التعاطي بإيجابية مع خطط الاتحاد الأفريقي في إحداث التنمية، ولا سيما على جانبها السياسي، وبناء حكومات رشيدة تأخذ بالحوكمة وتعمل على تحقيق رفاهية شعوبها، إذ إن عملية التحول هشة للغاية ولم تصل بعد لمستوى متقدم موثوق به.

مع بداية العام الجديد 2023، شهدت الكاميرون تجدد الصراع في المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية التي يطلق عليها (جمهورية أمبازونيا الفيدرالية)، بين قوات الجيش الكاميروني والجماعات الانفصالية المسلحة غير الحكومية، من أجل دولة مستقلة في المناطق التي تتحدث الإنجليزية والمختلفة إلى حد كبير عن بقية الكاميرون والأغلبية الناطقة بالفرنسية.

فمع بداية العام الجديد شهدت مناطق (كومبو، يير، كيما وميلوف) تنامي أعمال العنف من خلال إطلاق النار بين الجماعات المسلحة (أمبازونيا)، والقوات الكاميرونية، وأصبحت تلك المدن مدنًا للأشباح وخلت الشوارع من المارة وحركة المركبات، كما تم تعزيز الجيش والقوات النظامية. وتكبد الجيش الكاميروني 7 قتلى في صفوفه، بينما قتل أربعة مقاتلين على الأقل من المجموعات الانفصالية المسلحة.

وفي الوقت الذي أعلن فيه الانفصاليون من جماعة أمبازونيا فرض حظر التجول بعد أن قال الرئيس الكاميروني بول بيا إن قواته تسحق التمرد في البلاد؛ إلا أن المعارك بين القوات والمتمردين اشتدت بعد خطاب الرئيس ليلة رأس السنة الجديدة، حيث أغلقت الجماعة الأسواق وطاردت الأشخاص والمركبات من الشوارع واعتقلت عشرات المدنيين الذين لم يمتثلوا لأوامرهم. فيما نفى الجنرال “كابو دانيال” نائب رئيس الدفاع لقوات الدفاع في أمبازونيا، بشدة المزاعم التي أعلنها الرئيس بأن قواتهم قد تم تحييدها، مؤكدًا أنهم مرتكزون في مواقعهم، وأن حظر التجول تعبير عن مواجهة مزاعم بيا بأن المقاتلين قد هُزموا، مشددًا على أنه لن تتخلى أمبازونيا عن معركتها حتى تحقق هدفها في الاستقلال، على حد قوله.

الموقف الحكومي

اتسم الموقف الحكومي برد فعل عنيف، وقام بهجمات انتقامية على المدنيين الذين اتهمهم الجيش بالتعاون مع الانفصاليين، على طول القرى الواقعة في الطريق الرابط جاكيري بكومبو في منطقة يير حيث دمر الجيش 40 قرية، ونهب الجنود المنازل قبل أن يحرقوها، في المنطقة الشمالية الغربية بسبب الخسائر التي تكبدها الجيش الكاميروني في المنطقة من قبل (أمبازونيا)، كما استمرت السلطات الحكومية في تفتيش المنازل بالبلدات والقرى التي يُشتبه في أنها تؤوي الجماعات الانفصالية. ويبرر الجيش تلك الأعمال بأنها جاءت كرد فعل طبيعي على هجوم نفذته الجماعات المسلحة ضد معسكر للقوات الحكومية.

ويعكس هذا التوجه الحكومي استمرارًا في رفض أي جهود للسلام، ففي عام 2018، أعاقت الحكومة الكاميرونية جهود الكنيسة الكاثوليكية لعقد مؤتمر وطني بوقف فوري لإطلاق النار وحل سلمي للنزاع كبادرة نحو إيجاد حل للصراع، وتقديم لمحة عامة عن الجهود الداخلية والخارجية لمعالجة الأزمة في المناطق الناطقة بالإنجليزية في الكاميرون، وتوضيح التحديات التي تقوض السلام، ومن ضمن أجندة المؤتمر حملات سلام وجهود تثقيفية موجهة إلى كل من الجماعات المسلحة الحكومية وغير الحكومية.

وفي عام 2022، عاد آلاف من النازحين إلى مناطقهم بعد عودة الهدوء بسبب الصراع بين الانفصاليين والقوات الحكومية في المنطقتين الغربيتين، ولكن بعد تجدد الصراع مرة أخرى عادوا إلى المناطق الشمالية الغربية والجنوبية الغربية، حيث سيجدون أنفسهم مرة أخرى نازحين داخليًا.

تنامي المواجهات مع بوكو حرام

في الوقت التي تدور فيه معارك بين جماعات أمبازونيا ضد الجيش الكاميروني، نفذ مقاتلو بوكو حرام كمينًا أدى إلى مقتل جندي من الجيش الكاميروني، وأصيب آخرون في كمين في أقصى شمال البلاد في بلدة “لداوساف” التي تعتبر امتدادًا جغرافيًا طبيعيًا بين الكاميرون ونيجيريا من الغرب وتشاد من الشرق، ويتخذها المتشددون الجهاديون ملاذًا آمنًا لهم. ونفذت جماعة بوكو حرام النيجيرية وفرعها المنشق (تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا) في السنوات الأخيرة هجمات مميتة ضد قوات الأمن والمدنيين في شمال الكاميرون، وكذلك الأجزاء المجاورة من نيجيريا والنيجر وتشاد.

وقامت السلطات الحكومية في الكاميرون بنشر قوات نظامية لحماية 40 ألف شخص نزحوا بسبب جماعات بوكو حرام. ومنذ أبريل 2022، تتوغل بوكو حرام في “مايو تساناغا” وهي مقاطعة إدارية على حدود الكاميرون مع نيجيريا حتى أصبحت الحركة تسيطر عليها متى أرادت ذلك وفقًا للمصالح في المنطقة، حيث تستغل بوكو حرام الفراغ الأمني الكبير بين الدولتين الجارتين، فتهاجم القرى من أجل سرقة الماشية وتجنيد الأطفال.

وعلى الرغم من أن جميع القبائل التي تعيش في شمال الكاميرون لديها مليشيات قبلية للدفاع الذاتي، إلا أن الهجوم الأخير يفسر التعاون الكبير الذي يتم بين بوكو حرام والمليشيات القبلية لحماية شبكة مصالحهما المشتركة، وعشرات القرى دمرت على مدى ثلاثة أسابيع على يد بوكو حرام، وسُرقت والماشية. وأكثر من 30.000 من أصل 40.000 كاميروني فروا من قراهم يختبئون في الأدغال على الحدود مع نيجيريا. كما أنّ الكمين الذي نصبته حركة بوكو حرام ضد الجيش الكاميروني جاء بعد أن سحبت الحكومة الكاميرونية معظم عتادها وأغلب جنودها من الحدود الشمالية مع نيجيريا وتشاد، وأعادت نشرهم في الأماكن الانفصالية في غرب البلاد.

ختامًا، كان يجب على الحكومة الكاميرونية تجنّب فتح جبهتين للقتال في الوقت نفسه مع الحركات الانفصالية في أمبازونيا ومع مقاتلي بوكو حرام، وهو الوضع الذي سوف يعقد من الأزمة الداخلية في الكاميرون، ويهدد الاستقرار في البلاد بشكل خاص والإقليم بشكل عام.

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر