نحو مفهوم استراتيجي لأمن الموانئ البحرية

التاريخ والوقت : الخميس, 27 أغسطس 2020

د. أشرف محمد كشك

 

قضايا عديدة أثارتها حادثة تفجير مرفأ لبنان من بينها المخاطر التي تتهدد الموانئ البحرية عمومًا وإجراءات الدول لمواجهتها، فعلى الرغم من أنها لم تكن المرة الأولى لحوادث من هذا النوع فإن حجم الانفجار وما خلفه من دمار وآثار اقتصادية ومآس إنسانية قد حدا بالدول لاتخاذ إجراءات عاجلة, فبعضها بدأ بالفعل بمراجعة خططه الأمنية بشأن تأمين موانئه والتي تضمنت إخلاءها من المواد المماثلة القابلة للانفجار أو الاشتعال أو اتخاذ المزيد من الإجراءات الاحترازية ومنها التأكد من أن تخزين مثل تلك المواد في موانئه آمن تمامًا، والبعض الآخر أعلن أن موانئه خالية تمامًا من أي مواد قابلة للانفجار، وما بين هذا وذاك حذرت تيارات في بعض الدول من مغبة تكرار الكارثة ذاتها في موانئها، وفي تصوري أن اتخاذ المزيد من الإجراءات بهذا الشأن يجب أن يكون ذا أولوية قصوى لدى الدول كافة انطلاقًا من ثلاثة اعتبارات. الأول: أنه في ظل ازدياد الضربات تجاه الجماعات الإرهابية في البر فإن وجهتها التالية ستكون صوب الأهداف البحرية لسيادة تصور لديها مؤداه سهولة استهداف تلك الأهداف وفداحة خسائرها والأمثلة على ذلك عديدة, فالمخاطر لا تكمن في هجمات تقليدية فحسب حيث يظل التهديد السيبراني حاضرًا وبقوة ويعيد ذلك إلى الأذهان ما حدث عام 2017 بسبب فيروس الفدية الذي ضرب أنظمة تكنولوجيا المعلومات ومن بينها الأنظمة الإلكترونية الخاصة بتشغيل الموانئ، والثاني: تنامي اعتماد الدول على النقل البحري مقارنة بوسائل النقل الأخرى, والتي تنقل أكثر من 80% من السلع والبضائع بين دول العالم بحجم يتجاوز المليار طن من تلك البضائع سنويًا، بما يعني أن تعطل تلك الوسيلة من شأنه أن يرتب أضرارًا جسيمة لاقتصادات الدول، والثالث: أن الموانئ لاتزال هي مكان تخزين السلع الأساسية ومنها القمح الذي يمثل العمود الفقري للدول من الغذاء.

ومع أهمية تلك الاعتبارات ومع الأخذ في الاعتبار أن الاهتمام بأمن الموانئ يندرج ضمن استراتيجيات الحفاظ على الأمن البحري عمومًا فإن التحديات التي تواجه دول الخليج تتعاظم في ظل الأهمية المحورية للموانئ الخليجية كمحاور أساسية للشحن البحري بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي من ناحية والمكانة العالمية المتميزة من ناحية ثانية. ومن ذلك على سبيل المثال تبوء (جبل علي) المرفق الرئيسي لشركة موانئ دبي المرتبة التاسعة عالميًا من حيث حركة الحاويات، فضلاً عن ارتكاز أمن الملاحة البحرية العالمية على دول الخليج.

فالإمارات العربية المتحدة هي مقر البعثة الأوروبية لمراقبة الملاحة في الخليج والتي بدأت عملها مطلع العام الحالي 2020, بالإضافة إلى الإطار الإقليمي الأوسع حيث تقع دول الخليج ضمن إقليم يشهد أزمات مزمنة لعل أبرزها التقرير الذي صدر في إيران مؤخرًا ويتضمن تحذيرًا من أن خزانات النفط والديزل في محافظة بوشهر يمكن أن تلقى مصير مرفأ بيروت ذاته، وتكمن خطورة ذلك التقرير في أن تلك المحافظة هي التي يقع فيها المفاعل النووي الأكثر خطورة على دول الخليج العربي. ولم تكن هي المرة الأولى التي تثار فيها مخاوف من تفجيرات من هذا النوع, حيث شهد مفاعل ناتنز اندلاع حريق في الثاني من يوليو العام الحالي 2020.

وتأسيسًا على ما سبق فإن تأمين حركة الملاحة في الموانئ الخليجية يجب أن يتخذ أبعادًا شاملة، صحيح أن الأمن البحري قد استحوذ على جل المناورات المشتركة التي أجرتها دول الخليج خلال السنوات القليلة الماضية إلا أن الحفاظ على أمن الموانئ يجب أن يتجاوز الإجراءات الأمنية الاعتيادية ليؤسس على خمسة متطلبات أولها: توظيف التقنيات الحديثة للحفاظ على أمن الموانئ والتي يمكن من خلال التأكد من عدم تعرضها لأي تهديدات، ومنها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وثانيها: زيادة كفاءة العناصر البشرية المسؤولة عن أمن الموانئ سواء من خلال الاهتمام بتنفيذ دورات متقدمة في إدارة الأزمات البحرية والتي تتضمن نماذج محاكاة الهدف منها التعامل مع أزمة افتراضية لتجسير الفجوة بين الواقع والمتوقع، وثالثها: الاستفادة مما تقدمه الأكاديميات العالمية من دورات متخصصة بشأن معايير الأمن والسلامة في الموانئ البحرية واختيار ذات الخبرة الممتدة في هذا الشأن، ورابعها: أهمية أن يحظى أمن الموانئ البحرية بأولوية متقدمة ضمن الشراكات الاستراتيجية لدول الخليج, ومن ذلك إمكانية تنظيم دورات متخصصة حول تلك القضية ضمن أنشطة المركز الإقليمي لحلف الناتو ومبادرة استانبول الذي تم افتتاحه في دولة الكويت في يناير 2017 بحيث يكون لأمن الموانئ البحرية نصيب من تلك الأنشطة وخاصة أن الاستراتيجية البحرية التي أصدرها حلف الناتو عام 2011 تضمنت بندًا حول إدارة الأزمات في المجال البحري، وخامسها: أهمية دراسة الحوادث التي شهدتها بعض موانئ دول العالم وتحديد مسبباتها وكيف تعاملت تلك الدول معها للخروج منها بدروس مستفادة.

ويعني ما سبق أن حوادث على غرار انفجار مرفأ لبنان سواء أكانت في موانئ تتبع دولة ما أو في موانئ دولة تقع في ذات الإقليم الجغرافي ستكون عواقبها وخيمة ليس لتهديد حركة الاستيراد والتصدير فحسب ولكن لجهة إمكانية حدوث تلوث بكافة أنواعه سواء أكان بحريًا إذا كان الانفجار مرتبطًا بخزانات وقود أو مشتقات الطاقة أو إشعاعيًا إذا ما كان مرتبطًا بمحطات نووية وجميعها تعني أن إدارة كوارث من هذا النوع تتطلب خططًا شاملة وتحديثًا للتدريبات بشأن التعامل معها وهي التي أضحت في بؤرة اهتمام العديد من دول العالم سواء على المستوى الأكاديمي أو العملي، وربما تكون دول الخليج بحاجة الى مفهوم استراتيجي بشأن الأمن البحري عمومًا وأمن الموانئ على نحو خاص يتضمن مراجعة لأبرز التهديدات التي تواجه ذلك الأمن وتقييم الآليات التي أسستها لمواجهتها – وقطعت فيها شوطًا مهمًا – والهدف هو تحديد التغير في طبيعة التهديدات وهو ما سوف يقتضي بالضرورة إما استحداث آليات جديدة أو تطوير القائم منها للعلاقة الوثيقة بين تحقيق الأمن البحري والأمن القومي لدول الخليج العربي.

والخلاصة أن حادث مرفأ لبنان يعد بمثابة جرس إنذار لكل دول العالم ليس فقط لمراجعة خطط تأمين موانئها وإنما لصياغة استراتيجيات شاملة للتعامل مع أي حوادث طارئة أو ما يطلق عليه «إدارة المخاطر» بحيث تتضمن تلك الاستراتيجيات تحديد المخاطر المتوقعة وسبل التعامل معها والأهم تحديد الموارد اللازمة لذلك ضمن فريق عمل أزمات من خلال المؤسسات لهذا الغرض.

المصدر: أخبار الخليج

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر