من نيوزيلندا إلى هولندا.. الأمن الأوروبي في خطر

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 19 مارس 2019

طه علي أحمد

 

تأتي العمليتان الإرهابيتان اللتان تعرضت لهما كلٌّ من نيوزيلنداوهولندا، أخيرًا، نذيرًا لخطرٍ محدقٍ تنتظره “منظومة الأمن الأوروبي” بشكل عام؛ ذلك أن الأمرَ لم يعُد يبدو مجرد إرهاب على خلفية دينية، فقد اتسع الأمر ليتشابك مع إشكاليات اجتماعية يشكو منها الواقع الأوروبي، وليس آخر تلك الإشكاليات تنامي مساحة “اليمين المتطرف” وتهديده للأمن الأوروبي عمومًا.

ورغم الاستقرار السياسي والاقتصادي النسبي المُتّحَقق في الغرب، فإن ثمة إشكالية تكتنف السياسات الاجتماعية أسفرت عن هروب الكثير من الشباب الأوروبي للانضمام إلى صفوف التنظيمات المتطرفة، مثل: “داعش” في الشرق الأوسط الذي استقبل ما بين 30 ألفًا و40 ألفًا من 86 دولة حول العالم وفقًا لبعض التقديرات، و”بوكو حرام” في غرب إفريقيا، وحركة “شباب المجاهدين” بالصومال؛ في الوقت الذي بدأ عدد منهم في العودة لبلدانهم، فقد رجع منهم نحو 2000 شخص أخيرًا، وكان نصيب لندن منهم نحو 400 عائد. لكن أخطر ما في ذلك عدد النساء اللواتي عُدن لبلدانهن ومعهن أطفال من إرهابيي تنظيم “داعش” المتطرف، وهو ما يشير إلى مشكلة كامنة ينتظرها الأمن الأوروبي في المديين القريب والمتوسط.

ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة تزايدًا في معدل العمليات الإرهابية من “اليمين المتطرف”، على أن يقابل ذلك بعمليات لا تقل خطورة من “التيارات الدينية المتشددة”. فقد شهدت أوروبا خلال الفترة الأخيرة عودة عددٍ من أبنائها المنخرطين في تنظيم “داعش” الإرهابي بالشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه لم تختفِ الأسباب التي دفعتهم إلى تلك التنظيمات، سواء كانت مادية أو اجتماعية، أو حتى سياسية، ومن ثَمَّ يبدو هؤلاء العائدون خطرًا محتملاً بدرجةٍ كبيرةٍ خلال الفترة المقبلة على الأمن الأوروبي بشكل عام، وهو ما حذِّرت منه بعض التقارير الاستخبارية في أوروبا أخيرًا.

والملاحظ على أنماط تنفيذ العمليات الأخيرة والمتوقعة – أيضًا – أنها تحمل طابع العمل الفردي، سواء بالأسلحة النارية – كما حدث في نيوزيلندا وهولندا – أو عمليات دهسٍ أو طعنٍ، مع ارتباط تلك الأعمال بدوافع اجتماعية ونفسية كما ظهر من اعترافات مرتكب حادثة نيوزيلندا الأخيرة، الأسترالي برينتون تارانت (28 سنة)، إذ اعترف بحقده على المهاجرين، وبخاصة المسلمون منهم.

ترتبط نزعة التطرف في العالم بدرجةٍ كبيرةٍ بفشل الحكومات في حل المشكلات الإقليمية والصراعات المزمنة كما هو الحال في سوريا والعراق، وقبل ذلك القضية الفلسطينية، والانحياز الواضح للقادة الغربيين عن حق الفلسطينيين، وهو ما يصوره البعض في الغرب كمبررٍ على ازدواجية النخب الحاكمة في التعامل مع قضايا المقهورين حول العالم.

ولا يزال تعامل الحكومات الأوروبية مع العائدين من “داعش” بالشرق الأوسط ينقصه التقدير الشامل، إذ يقتصر الأمر على التعامل معهم جنائيًا والتحقيق معهم بعيدًا عن معالجة أسباب انضمامهم إليه (داعش) بالأساس.

ثم إن التنسيق الأمني الأوروبي لا يزال يعاني قصورًا واضحًا على المستوى المؤسسي، فقد عجز الأوروبيون عن تأسيس “وكالة استخبارات أوروبية موحدة” على غرار “وكالة المخابرات المركزية الأميركية” (CIA) في ظل عدم كفاءة المؤسسات القائمة في مواجهة الإرهاب مثل الـ”يوروبول”.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأزمة التي تضرب الاقتصاد العالمي وما يترتب عليها من تزايد معدلات البطالة وغيرها من المشكلات الاجتماعية، تلفت انتباه المتضررين منها، بين أبناء القارة الأوروبية، إلى النظر للمهاجرين باعتبارهم “مزاحمين” لهم في بلادهم، بينما يرى المهاجرون أن السبب وراء ما هم فيه إنما هو دعم الحكومات الغربية للإرهاب والتدخل لإشاعة الفوضى في بلدانهم،  وهو ما يعكس حالةً متبادلةً من الحقد والكراهية بين كلا الجانبين؛ فمن غير المتوقع أن تتراجع حدة التطرف وبخاصة في الغرب.

هنا بات من المُتَعَيَّن على الحكومات الأوروبية إعادة النظر في سياسات التعامل مع العائدين من “داعش” والنظر إليهم اجتماعيًا وليس جنائيًا فحسب.

الأوروبيون مطالبون – أيضًا – بإعادة النظر في كفاءة مؤسساتهم الاستخبارية، والاستجابة لدعاوى رفع كفاءة المنظومة القائمة، ورفع المخصصات المالية لتتيح لها حرية أكبر في الحركة.

تبقى المشكلة الأخطر في مواجهة الأمن الأوروبي، وهي استضافة عدد كبير من المتطرفين الإسلاميين في كبرى المدن الأوروبية، مثل: لندن وميونيخ التي تعدُّ مأوى للتنظيمات المتطرفة، حيث تستضيف “التجمع الإسلامي” التابع للإخوان، بالإضافة إلى مسجد “بلال” في مدينة آخن، وهما أخطر بؤر التطرف الإسلامي في أوروبا، فضلاً عن استضافة لندن لعدد من التنظيمات المتطرفة والمراكز البحثية التابعة لها، مثل: مركز “المقريزي” الذي يرأسه المتشدد هاني السباعي؛ وهو ما يفرض على الأوروبيين ضرورة إعادة النظر في التعامل مع الجماعة الأم لكافة التنظيمات المتطرفة حول العالم بمرونة أكبر مع التقارير التي تدعو لإدراجها كجماعة إرهابية.

 

باحث ومحلل سياسي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر