ممالك النار.. ما وراء “السعار” التركي

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 10 ديسمبر 2019

عندما صاغ أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، “جوزيف ناي”، مصطلح “القوة الناعمة”، كان من ضمن ما قصده أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية بما تجسده من أفكار من خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن. وكان من ضمن صفات القوة الناعمة (وأهم مصادر خطورتها أيضًا) عدم اهتمامها كثيرًا بالشفافية، ذلك أنه في عصر المعلومات، تعدُّ “المصداقية أندر الموارد”.

التقطت تركيا وقادتها خلال العقدين الأخيرين، بعد وصول العثمانيين الجدد كما باتوا يعرفون في العلوم السياسية لسدة الحكم، صفة عدم الشفافية. وعبر ميزانيات ضخمة راحوا يحاولون غسل أدمغة الجمهور العربي ويزيفون وعيه من خلال أحد أهم مصادر القوة الناعمة خلال العقود الأخيرة (الدراما).

استغل العثمانيون الجدد انصراف معظم الدول العربية عن الاهتمام بالأعمال التاريخية بحجة عدم جماهيريتها (وهو ما ثبت عكسه) وتكلفتها الباهظة فتركوا الساحة أمام دعايات الأتراك الدرامية، حتى كانت اللحظة الفارقة بعد أن اتضح للجمهور العربي حقيقة ما يكنه العثمانيون الجدد للمنطقة ودولها، وكانت الطلقة الأولى من مدافع الدراما العربية مع عمل هو الأضخم والأكثر تسببًا للذعر التركي أيضًا.

هي المرة الأولى تقريبًا التي يحظى فيها عمل درامي عربي بهذا الاهتمام وتلك الضجة، قبل حتى أن يشاهده الجمهور. تلقف الجمهور العربي بلهفةعملاً دراميًا تاريخيًا، بعد سنوات من ترديد شائعة عدم إقبال الجماهير على الأعمال التاريخية. عمل درامي تسبب بحالة مفرطة من السعار والغيظة لـ”العثمانيين الجدد” رغم سرده لحقائق تاريخية مدونة منذ قرون لا منذ سنوات.

“ممالك النار”، هو العمل الدرامي الأعظم في تاريخ الفن العربي خلال العقود الأخيرة، واستمد عظمته من أسباب عديدة، كما تأكدت عبر نتائج ظاهرة عقب عرضه للجمهور.

لقد نسف المسلسل العربي الأول من نوعه، الذي يتحدث برؤية فنية عالمية تضاهي أيقونات الدراما العالمية كـ”صراع العروش”، جهود سنوات وسنوات من التضليل والتكذيب والترويج عبر عشرات الحلقات الدرامية التركية، التي ظن أهلها أنهم تمكنوا من تزييف وعي العرب وتجميل وجهة الدولة العثمانية، حتى آتاهم اليقين.. وكان اليقين في صورة عمل درامي قوامه 14 حلقة فقط، جمع ملايين العرب حوله في أيام قليلة.

ربَّما كان الإعلان الترويجي لـ”ممالك النار” موجعًا وكاشفًا، فالتاريخ معروف لكل دارس وباحث، وإن كان مجهولًا – أو مجهّلًا عن عمد – لأغلب العامة وغير المهتمين، فكرة أن يتجرأ العرب على التوحد حول مشروع فني ثقافي يحترم العقل، ويجتهد لتقديم تفاصيل تاريخية مسكوت عنها، في قالب سردي يطمح للوصول إلى المواصفات العالمية لصناعة الدراما.. من يمكن أن تزعجه هذه الفكرة إلا المستفيد من غيابها؟!

ممالك النار.. نظرة فنية

إذا تحدثنا قليلاً عن “ممالك النار” من منطلق كونه عملاً فنيًا، فسنجد أننا أمام عمل مكتمل الأركان، من حيث الكتابة والسيناريو، أو من حيث التمثيل والأداء، أو من حيث التصوير والإخراج. الدراما العربية عانت كثيرًا في السنوات الأخيرة من فقدان حلقات العمل الفني المكتمل، وهي (النص والتمثيل والإخراج).

من أهم الأسباب التي جرى الترويج لها كحجة لاختفاء الأعمال التاريخية، هي ندرة النصوص المكتوبة بشكل يتلاءم مع الشاشة الفضية، وقلة الكتاب القادرين على تحويل الأحداث التاريخية إلى سيناريوهات تراعي توفير عوامل الجذب والإمتاع دون التأثير على سرد الحقائق. لكن “ممالك النار” أثبت لنا أن العقول العربية لا تزال مبدعة وقادرة على الإمتاع والإبهار. فالعمل قدَّم لنا وجبة تاريخية دسمة كبيرة في شكل درامي، حتى غير المتعلمين من الجماهير العربية قادرون على فهمه وإدراك ما يقدمه.

العنصر الثاني الذي تسبب في تراجع الدراما العربية أخيرًا هو التمثيل، لكن “ممالك النار” أيضًا أثبت لنا أن العالم العربي يعج بنجوم لامعة، ومواهب متألقة قادرة على إعادة اكتشاف أنفسها عندما تتوفر لهم الفرصة المناسبة. ولعل أكبر دليل على ذلك هو الشعبية الكبيرة التي حققها أبطال “ممالك النار” وحالة الإعجاب الشعبي غير المتوقعة بأداء كل أبطال العمل، حتى أولئك الذين لم تتجاوز أدوارهم بضعة مشاهد.

العنصر الثالث في المنظومة هو الإخراج، بجناحيه التصوير واختيار الممثلين، وإذا كان أداء الممثلين كفيلاً بإثبات رجاحة اختيار مخرجي العمل، فإن التصوير في الأعمال الدرامية يعتبر أصعب بكثير من غيرها، خاصة تلك التي تضم معارك حربية وأحداثًا متلاحقة.

إن أذواق الجمهور العربي لم تعد كما كانت عليه قبل سنوات، فمع الطفرة التكنولوجية الحاصلة بالمنطقة، ومع انفتاح الجمهور العربي على الأعمال الدرامية العالمية التي تتيحها كبريات شركات الإنتاج ومنصات البث الرقمي، بات من الصعب جدًا إرضاء هذا الجمهور، الذي سيقارن دومًا المحتوى العربي المقدم بنظيره الغربي. وإذا كانت هذه المقارنة هي من عوامل هدم وتدمير أي عمل درامي عربي، فإنها في حالة “ممالك النار” كانت من أهم أسباب النجاح. كان الانطباع السائد بين الجمهور العربي أنه لا يشاهد عملاً عربيًا جرى تصويره وإنتاجه في المنطقة العربية، بل أمام عمل درامي يضاهي في قوته الأعمال الدرامية العالمية من حيث التصوير والإخراج والتمثيل والمحتوى.

أول رد عربي على العثمانيين

كما ذكرنا آنفًا، الدراما العربية عانت طويلاً انعدام أو ضعف الدعم المالي لها، فبقيت ضعيفة ومشتتة ودون المستوى العالمي بل والإقليمي. ولئن كان تخلفها عن الركب العالمي في هوليوود أو أوروبا مفهومًا، فإن تخلفها عن الدراما الإقليمية غير مبرر بتاتًا.

في المقابل، حظيت الدراما التركية، بدعم غير محدودٍ من حكومة تركيا، وصنعت لنفسها سوقًا محلية وإقليمية قوية ومؤثرة، بدأت بمسلسلات بسيطة، تتحدث عن قصص الحب والغرام المعاصرة، ثم اتجهت أخيرًا لرواية تاريخ تركيا وتاريخ الدولة العثمانية، وبالتالي إلغاء وتهميش كل الروايات من الأمم والشعوب والدول التي عانت طويلاً طغيان وتجبّر العثمانيين المستعمرين المحتلين الطغاة.

كان نجاح الدراما التركية مذهلاً، وبالذات في العالم العربي، حيث تنافست عشرات القنوات الفضائية في دبلجة الدراما التركية للمشاهد العربي، وكان واضحًا أن هذا النجاح سيغري المسؤولين الأتراك لبعث ما يعتقدونه أمجادًا لتركيا وتاريخها العثماني. وهكذا أخذت الدراما التركية تنتج مسلسلاتٍ من نسج الخيال المحض، لا علاقة لها بالتاريخ مثل مسلسل “قيامة أرطغرل”، الذي يزعم بطولة لشخصية هامشية بربرية لا قيمة لها، وهذه قوة الدراما.

بناءً على ضعف الدراما العربية، فقد كانت عاجزةً عن مواجهة الدراما التركية، ولم يجرب أحد أن يصفع الأتراك باستحضار تاريخهم الدموي المشين، وبالذات ما صنعوه بالأمة العربية وشعوبها ودولها، من ظلم وقتل وتعذيب وتهجير قسري، وغيرها من أنواع العذاب والبشاعة. ولم يذهب أحد لإنتاج ما يذكر الأبطال العرب الذين واجهوا الأتراك، ووقفوا في وجههم حتى طردتهم الشعوب العربية شرّ طردةٍ. ولم يكن أحد يجرؤ على ذكر العثمانيين بخير، حتى خرجت جماعات “الإسلام السياسي”.

حاز الظفر بالأولوية في استعراض ذلك التاريخ الدامي، مسلسل “ممالك النار”، الذي يروي بإمكانيات تتجاوز الدراما العربية الحالية، بكثير من الاحترافية والإبداع، قصة الحرب التاريخية بين العثمانيين والمماليك، التي سقطت على إثرها دولة المماليك، بعدما استمرت أكثر من مئة وخمسين عامًا.

كان المماليك ظلمة وطغاة، ولكن العثمانيين كانوا جبابرةً وطغاةً لا بشرًا، وكان سلاطينهم قتلة فجرة، حتى إنهم منذ محمد الفاتح أخذوا يقتلون أبناءهم وإخوانهم بتشريعٍ من السلطان نفسه، وهو ما أبرزه مسلسل “ممالك النار” بشكلٍ واضحٍ، حيث المقارنة دائمًا لصالح المماليك ضد الترك في المعيار الإنساني.

تاريخ العثمانيين المتجبر مع الدول العربية لم تسلم منه إلا الدول النائية عن تركيا، ففي العراق وبلاد الشام ومصر والحجاز وفي نجد كانت مجازرهم وظلمهم حديث المؤرخين، وقادة الفكر من المفكرين العرب، وقامت على حربهم دولٌ مهمةٌ منها الدولة السعودية الأولى.

القصة التي يرويها مسلسل “ممالك النار”، تغطي بدايات دخول العثمانيين الباطش والظالم للدول العربية، وما جرى بعدها من استمرارٍ للتجبر يستحق عشرات الأعمال الدرامية، وقد بدأت قنوات عربية عديدة في التوجه نحو فضح تاريخ الأتراك الدموي، عبر عددٍ من الأعمال التي سترى النور قريبًا.

غضب بعض صناع القرار الأتراك من هذا المسلسل، وهو دليل اهتمامٍ منهم بمثل هذه الأعمال الدرامية، وكل الأماني أن يتكثف الإنتاج الدرامي الذي يفضح لاإنسانية الدولة العثمانية، وتعاملها مع العرب وغيرهم ممن خضعوا لسلطتها، وإلا فمن ينسى جرائم “السفربرلك”، وهو التهجير القسري، الذي يعدُّ اليوم جريمة حربٍ تجاه العرب في المدينة المنورة وفي الشام.

حقائق تاريخية أزعجت الأتراك

من أهم ما يميز مسلسل “ممالك النار” أنه راعى كونه عملاً دراميًا تاريخيًا، فحرص على سرد حقائق التاريخ كما هي مدونة في كتب الأتراك أنفسهم، وكما هي مسجلة في كتب المؤرخين المعاصرين للفترة التي تناولها العمل. لم يَنْسَقْ العمل خلف هوى مريض، وهو ما ظهر في حرصه على الحديث عن الظلم الواقع على المصريين ورعايا الدولة المملوكية في الشام بسبب الضرائب غير المبررة. لم يحاول “ممالك النار” أن يصور لنا المماليك على أنهم ملائكة أو مثاليون، بل صورهم على حقيقتهم المذكورة في كتب التاريخ. ومن هنا أثبت “ممالك النار” حياديته التاريخية، على عكس الأعمال التركية التي صنعت من “أرطغرل” (غير معروف الأب) بطلاً شعبيًا!!

على الجانب الآخر، ومع أولى حلقات المسلسل، انطلقت ميديا العثمانيين الجدد ومواقعهم للتشكيك في الحقائق التاريخية التي سردها العمل، ولا سيَّما ما كشفه حول وصايا محمد الفاتح وانتهاجه قتل الرضع، وطبائع سليم الأول الدموية وقتله كل من يعارضه حتى لو كان شقيقه.

التاريخ الحقيقي يؤكد أن سلاطين الدولة العثمانية كانوا سفاحين، وهناك قانون دموي سنَّه السلطان محمد الفاتح يبيح قتل الإخوة لضمان استقرار الحكم والدولة، وكانت الدولة العثمانية دولة غزو واحتلال وليست دولة “فتح إسلامي” كما يحلو للأتراك أن يروجوا لها في إطار ترويج ما يسمى بالخلافة الإسلامية، على الرغم من أنه ليس هناك خلافة عثمانية بالأساس، فالأصل في الخلافة هي قريش وبنو هاشم على وجه الخصوص، ومنها كان الخلفاء الأربعة، ثم بنو أمية والعباسيون، ولم يظهر هذا المسمى بعد ذلك إلا في عصر السلطان عبدالحميد الثاني الذي وقع على الدستور الذي أصدره لمنع التدخل الأوروبي في شؤونه باسم “عبدالحميد خليفة المسلمين”، وبعدها بدأ الاتراك في الترويج لهذا الأمر باعتباره حقيقة وهو ليس كذلك بالمرة.

هناك أزمة يواجهها هؤلاء الذين يتعرضون للتاريخ ويحكمون عليه، وهي أنهم لا يقرؤون، فكيف يسعى البعض لتحسين صورة سلاطين الدولة العثمانية على الرغم من أن هناك شهودًا مثل محمد أحمد بن إياس الذي عاصر هذه الفترة وكتب في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” أن السلطان (سليم) لا يعرف ملة ولا دينًا، وكان رجال جيشه لا يترددون في اقتحام المساجد لقتل المماليك الذين احتموا بها، وقطعوا رؤوسهم وألقوا بجثثهم من فوق المنابر. بخلاف أن الأتراك ليسوا أصحاب حضارة، فهم قبائل متنقلة من شمال غرب الصين، ولم يأخذ المصريون عنهم أي شيء بتاتًا.

هناك حالة جهل شديدة كشفت عنها حملة الهجوم ضد “ممالك النار”، وممكن أن نتفهم الانتقاد عندما يوجه للعمل من النواحي الفنية، لكن أن يتحدث البعض عن أن هناك أخطاء تاريخية دون أن يكون لديه أي مرجعية علمية تؤهله لإطلاق هذا الحكم فهو الجهل بعينه، مثل استخدام لفظ الفتح وليس الغزو لوصف دخول العثمانيين مصر، والفتح كلمة لا تستخدم إلا مع الدول غير الإسلامية ويكون الهدف هو نشر الإسلام في هذه الدول، لكن مع الدول الإسلامية يكون غزوًا واحتلالاً ورغبة في النهب والسطو على ثروات وخير هذه البلاد. ونستغرب كثيرًا من هؤلاء الذين يرفضون اتهام الدولة العثمانية بأن أيديهم ملوثة بدماء المصريين والعرب.. فهل دخلوا مصر والمنطقة العربية محملين بباقات الورود؟!

للأسف، اقتنع البعض بالوجه الملائكي للدولة العثمانية الذي أظهرته الدراما التركية وقدمت سلاطينهم على أنهم أبطال يحتذى بهم، وهنا تكمن خطورة الأعمال الدرامية التي تصل للبسطاء سريعًا. فالناس العاديون يحصلون على الثقافة والمعرفة من خلال ما يشاهدونه على الشاشة، وهو ما يفسر غضب الأتراك من “ممالك النار”، فهم يرفضون إظهار وجههم الحقيقي والدور السلبي الذي لعبته تركيا في المنطقة العربية، فنحن أمام دولة دموية عسكرية بلا حضارة، قد تكون ناجحة في العمليات العسكرية، لكننا لم نستفد من ورائها أي شيء وكان همهم الأول اقتحام القرى والمدن للحصول على خيراتها واستنزافها من كل ثرواتها والعودة لبلدهم بالسبايا والعبيد. ولم يكن غريبًا أن يصفها المؤرخون بالجراد الذي يقضي على الأخضر واليابس. وبالمناسبة ليس مطلوبًا من مؤلف العمل أن يكون حياديًا، فهو لديه وجهة نظر ويريد تأكيدها مستندًا إلى حقائق علمية وهذا مسموح به بلا شك، وهو ما تفعله الدراما التركية أيضًا في حملتها الترويجية لحلم الخلافة وتبرير كل جرائمها.

مخطئ من يحاسب العمل الدرامي بنفس معايير الأبحاث والكتب التي تكون مجردة من الرأي بخلاف العمل الدرامي، فالباحث يكون مطالبًا بإثبات كل حرف جاء في بحثه وكتابه بخلاف العمل الدرامي الذي تدور أحداثه في مرحلة تاريخية، لكن لا غبار عليها إن لم يلتزم مؤلفها بشكل دقيق بالسياق والمعلومات، إلى جانب أن من حقه أن يبتكر شخصيات لم يكن لها وجود في الواقع من أجل نسج خيوطه الدرامية وتشابك الأحداث، وبالتالي يكون حكمنا على العمل بمدى التزامه بالحقائق أو تأويله لها.

الأتراك بطبيعتهم متحفزون ضد أي أحد يمس الدولة العثمانية، التي يعتبرونها جزءًا من التاريخ التركي وفكرة الخلافة الإسلامية، وعليه فالمسألة معقدة جدًا، خاصة مع وجود التيارات السياسية في تركيا ذات الجذور الإسلامية؛ فتركيا أخذت على عاتقها خلال الفترة الأخيرة أن تعيد صياغة الصورة التركية أمام العرب والعالم. ومن المعروف أن الأتراك العثمانيين لديهم مشاكل كبيرة وخلافات عديدة في شرق أوروبا والعرب في أثناء الحكم العثماني لا يمكن إنكارها، وعليه فهم يحاولون عمل صورة مختلفة وحديثة تظهر في أعمالهم، بداية من “حريم السلطان” حتى مسلسل “قيامة أرطغرل”، وكلها هدفها واحد هو إعادة صياغة صورة الدولة العثمانية وغسل سمعتها السيئة أمام الرأي العام الإسلامي، بدليل أنهم يتعمدون استخدام كلمة “فتح” و”خلافة”، وكلها أمور توحي بعكس ما هو حقيقي، فالدولة العثمانية كانت تغزو الدول العربية بحجج وهمية لتبرر هذا الغزو والحصول على فتوى شرعية تبيح لهم ما يفعلونه بالمنطقة العربية من قتل وسفك الدماء.

مردود العمل ومكتسباته

في الواقع، إذا أردنا تناول تأثير “ممالك النار” في أيام عرضه الأولى، فلننظر إلى التفاف الجمهور العربي المتعطش من المحيط إلى الخليج لهذا النوع من الدراما، واحتضان الجمهور البسيط لها على المقاهي الشعبية، وفي البيوت، والجامعات، والمدارس، وأماكن العمل. هناك من يدافع عن المسلسل بأكثر مما يمكن أن يفعل صنَّاعه، لكن هذا ليس كل شيء. لقد فضح المسلسل عددًا من الأساطير التي نتداولها كمسلّمات، وأخضعها لجهاز كشف الزيف، فحطم عددًا من التابوهات الراسخة.

ومن أهم النتائج الإيجابية التي حققها العمل هو استفزازه للمشاهدين بما تناوله من أحداث دفعتهم للبحث عن حقيقة ما يشاهدونه من جرائم وسفك دماء. فهذه ثقافة كنا نفتقدها، فالمشاهد كان يكتفي بما يراه على الشاشة فحسب، لكن أن يشعر برغبة في قراءة المزيد ويعتمد على نفسه فهذا رائع.

كما يتوقع أن يفتح هذا المسلسل الباب لعودة الأعمال التاريخية من جديد. حان الوقت لاختفاء مقولة “الجمهور لا يُقبل على الدراما التاريخية”، وهي أكثر أسطورة متداولة في عالم الإنتاج الدرامي، ربَّما لتكاسل أو استسهال. الأعمال التاريخية ذات موضوع “ثقيل”، الملابس والإكسسوارات والديكورات فيها غير معاصرة، وحوارها فصيح ينتمي لعالم النخبة المثقفة، كل هذا لا يحبه الجمهور الذي يفضل أعمالاً سهلة وبسيطة وخفيفة. ربَّما علينا الآن أن نعيد النظر، وأن نستعيد قاعدة فنية مهمة، احترم الجمهور يحترمك. يجب أن لا تخفض سقف أحلامك لتناسب ذوق العامة. ذوق العامة (المتغير بطبيعة الحال) سيرتفع إلى سقفك البعيد فقط إن أخلصت في تقديم منتَج طَموح.

أيضًا، من أهم نتائج العمل حسمه لإشكالية إقحام الدراما في السياسة، والغريب أن مروّجي هذه الأسطورة هم من يقحمون الدين في السياسة. السياسة متداخلة بشكل أو بآخر في كل نواحي الحياة، فكيف يمكن إبعادها عن الدراما حتى لو لم يقصد صناع العمل ذلك بشكل مباشر؟! من قال إن الدراما تطمح للحياد؟! من روّج أنها يجب أن لا تحمل وجهة نظر؟! من ادّعى أنها مكايدة أو افتراء أو هجوم، سوى من تأذوا من وجود – مجرد وجود – عمل فني يطرح وجهة نظر مخالفة لما يرونه صحيحًا؟! من يستخدم التاريخ كأداة معاصرة لفرض وجهة نظر تمزج المقدّس الديني بالمتغير السياسي، سوى من يهاجمون بالفعل؟!

“ممالك النار” نسف أيضًا مقولة إن “الدراما تزيّف التاريخ”، فإن كانت مهمة صانع الدراما كتابة التاريخ، فما الذي يفعله المؤرخون والمتخصصون إذًا؟!

 إن مهمة صانع الدراما قراءة التاريخ، وقراءة ما بين سطوره، فللتاريخ دائمًا وجوه كثيرة، وروايات متناقلة عبر مصادر متعددة. لا يُعقل أن تصنع عملًا تاريخيًا دون الاستعانة بمَراجع موثوق منها، ومحقق تاريخي متخصص، لكي تخرج الدقة التاريخية في النهاية بنسبة تتجاوز الـ١٠٠٪. ولكن، التاريخ أكثر من مجرد حقائق جامدة “من انتصر على من؟! من قتل من؟! ومن اعتدى على من؟!”، التاريخ هو القصة الإنسانية الممتدة من فجر التاريخ التي لا تزال سطورها تُكتب إلى اليوم، والمشكلة أنه دائمًا ما يكرر نفسه، بصورة أو بأخرى.

أخيرًا، وبعد أن ضاق العثمانيون الجدد بشعبية “ممالك النار” الجارفة، وبعد أن فشلت محاولاتهم لتشويه العمل فيما يخص السرد التاريخي (لم يتطرقوا مطلقًا للعمل من الناحية الفنية)، لجأ الأتراك وأزلامهم إلى مقولتهم البائسة: “أليس الفقراء أولى بهذه الأموال؟!” وهي واحدة من أكثر الأساطير إضحاكًا، لدرجة ربَّما لا تستحق الرد عليها. وكأن الوعي ترف، وكأن الفهم والبحث والدراسة أمور ثانوية، وكأنما الإنسان جاء الدنيا ليأكل ويشرب وينام كالبهائم، وعلينا أن نضعه في حظيرة ونمنع عنه مخاطر التفكير والتدبر. وكأن الحلال أن نصنع ما يتوافق مع رؤيتنا لنغسل أدمغة الشعوب العربية بنماذج أبطال لم يكونوا، والحرام أن يفكروا بأنفسهم ولأنفسهم وأن يبحثوا عن الحقائق في كتب التاريخ، ليقدموها على الشاشة. وكأن صناعة الدراما لا تفتح بيوتًا، ولا تشغل آلاف العمال، ولا تنشر الأفكار وتخدم العقول.

ممالك النار.. تأثير ونتائج

– نسفت 14 حلقة لأول عمل عربي تاريخي جهود عشرات الحلقات من الأعمال التركية.

– العمل سيمتد مواسم عدة لإبراز همجية وجرائم حكام إسطنبول عبر تتبع غزوات وسيرة السلطان سليم الأول.

– من أهم أسباب نجاح العمل اكتمال أركانه: الكتابة والتمثيل والإخراج.

– انفتاح الجمهور العربي على الدراما العالمية، أكبر تحدٍ كسبه “ممالك النار”.

– كل الانتقادات الموجهة للعمل لم تتحدث عنه من الناحية الفنية.

– كشف العمل الوجه الحقيقي لسلاطين الدولة العثمانية اعتمادًا على مصادر تاريخية مدونة منذ قرون.

– أعاد “ممالك النار” الأعمال التاريخية إلى الواجهة، وأثبت جماهيريتها الكبيرة عند العرب.

– مع عرض العمل، سارع الشباب العربي إلى قراءة تاريخ تلك المرحلة، وهو أمر يحدث لأول مرة تقريبًا.

وحدة الدراسات الاجتماعية

المراجع

– Soft Power: The Means To Success In World Politics – by Joseph S. Nye Jr – Public Affairs – 2004.

– “إسلاميو تركيا – العثمانيون الجدد” تأليف: إدريس بووانو – الناشر: مؤسسة الرسالة، سوريا – تاريخ الإصدار: 2005.

– “ممالك النار” يثير غضب تركيا في أولى حلقاته – البوابة نيوز – https://bit.ly/2LAhpOq

– مؤلف “ممالك النار”: بدأنا تصويره بتونس.. وننافس المسلسلات الأجنبية – الدستور – https://bit.ly/2DXxt8H

– مسلسل “ممالك النار”: أضخم إنتاج عربي تاريخي في عام 2019 – أراجيك – https://bit.ly/2LyAJvi

– تفاصيل من “ممالك النار”… معالجة مبتكرة بميزانية تصل إلى 40 مليون دولار – إندبندنت عربية – https://bit.ly/2Yrh5H4

– “ممالك النار” ودموية الخلافة العثمانية – الحرة – https://arbne.ws/2PuecRJ

– “ممالك النار” وقوة الدراما – الاتحاد – https://bit.ly/36eKAON

– مستشار أردوغان يهاجم “ممالك النار”… ومغردون: إثبات لجرائم العثمانيين في مصر – سبوتنيك عربي – https://bit.ly/2OZGog6

– الجهاردية الحقيقيون وسليم الأول “تفاصيل أفظع من ممالك النار” – تراثيات – https://bit.ly/33Y64y9

– “ممالك النار”… وغضب أهل الدار – جريدة الشرق الأوسط – https://bit.ly/2E0fuP2

– “ممالك النار”.. إضاءة على دموية الدولة العثمانية – الإمارات اليوم – https://bit.ly/354MX6C

– أساتذة التاريخ: أحداث “ممالك النار” حقيقية.. ويجب التعامل مع المسلسل على أنه عمل فني يحمل رؤية كاتبه – الشروق – https://bit.ly/36dFOBh

– “ممالك النار” يلاحق آثار الترك في ديار العرب… لكشف النقاب عن “الظلام العثماني” – إندبندنت عربية – https://bit.ly/3534KLr

– مؤلف ممالك النار يكتب في دقائق: ٥ أساطير قتلها المسلسل | محمد سليمان عبدالمالك – دقائق – https://bit.ly/38iQfFB

– “ممالك النار”.. الفن ينتصر للقضايا العربية – البيان – https://bit.ly/35dvE3H

– “ممالك النار”.. تفضح التاريخ الأسود للسلاطين العثمانيين ضد العرب – عكاظ – https://bit.ly/2YBOqPG

– #ممالك_النار.. رؤية جديدة للتاريخ تستفز الأتراك… قوة ناعمة درامية عربية في مواجهة القوة الناعمة التركية – Xeber24 – https://bit.ly/2s4DKNk.

– “ممالك النار” يواجه الدراما التركية بتصحيح التاريخ – العرب – https://bit.ly/2DZRTOk

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر