مركز سمت للدراسات محاور التمايز: لماذا يختلف “داعش خراسان” عن باقي أفرع التنظيم؟ | مركز سمت للدراسات

محاور التمايز: لماذا يختلف “داعش خراسان” عن باقي أفرع التنظيم؟

التاريخ والوقت : الخميس, 2 سبتمبر 2021

أحمد كامل البحيري

 

يعتبر تنظيم “داعش” فرع أفغانستان- والمعروف باسم “داعش خراسان”- أكثر أفرع التنظيم من حيث قوة العمليات الإرهابية التي يقوم بتنفيذها بعد فرع التنظيم المركزي في سوريا والعراق.

فعلى الرغم من احتلال تنظيم “داعش خراسان” المرتبة الخامسة (في عام 2020) والسادسة (في عام 2021) من حيث عدد العمليات التي ينفذها التنظيم بعد أفرعه في العراق وسوريا وغرب أفريقيا ووسط أفريقيا، إلا أن طبيعة المُستهدَف وتكتيكات العمليات الإرهابية التي نفذها “داعش خراسان” تعتبر الأكبر والأكثر تأثيراً، سواء في مواجهة حركة “طالبان” وتنظيم “القاعدة” والقوات الحكومية في كابول- قبل سيطرة “طالبان”- أو ضد القوات الأمريكية والدولية، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول طبيعة المُستهدَف لدى تنظيم “داعش خراسان”، وأثر ذلك على موقعه داخل خريطة أفرع التنظيم المختلفة.

نشأة مختلفة

في يوليو 2014، أعلن القيادي في حركة “طالبان باكستان” حبيب الله حبيب البيعة لزعيم تنظيم “داعش” السابق أبو بكر البغدادي، بعد أقل من شهر من إعلان الأخير تأسيس ما يسمى بـ”الخلافة الداعشية” في العراق وسوريا، حيث نشر حبيب الله حبيب رسالة مصورة “فيديو” بعنوان “النصرة الباكستانية للدولة الإسلامية”، قال فيها: “أعلن البيعة وأؤكد على أننا جنود للدولة الإسلامية، نبذل أموالنا وأرواحنا في سبيلها”.

هذه الرسالة دفعت “جماعة الأحرار” بزعامة قاسم عمر خراسان بدورها إلى إعلان البيعة للبغدادي في أغسطس من العام نفسه، لتكون “جماعة الأحرار” أول تنظيم في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا ينضم لتنظيم “داعش”، حيث شكل النواة الأولى في تأسيس فرع تنظيم “داعش خراسان” بعد إعلان الجماعة انشقاقها عن حركة “طالبان باكستان”، وقد أعلن آنذاك المتحدث السابق لحركة “طالبان” إحسان الله إحسان قائلاً: “إن تنظيم (الدولة) في سوريا والعراق يعمل لتنفيذ الشريعة الإسلامية، وإن جماعة الأحرار تؤيده وتساعده إن أمكن”.

هذا التدافع المتسارع من جانب عناصر من حركة “طالبان باكستان” للانضمام لتنظيم “داعش” فرض على الأولى ضرورة التقرب من تنظيم “داعش”، حيث أعلنت، في بيان لها في أكتوبر 2014، تأييدها لإنشاء ما يسمى “الخلافة الداعشية” في العراق وسوريا، وقالت: “نحن يا إخواننا فخورون بكم وبانتصاراتكم، نحن معكم في أفراحكم وأتراحكم”. ثم توالى انضمام العديد من قيادات وأعضاء حركة “طالبان” (باكستان وأفغانستان) لتنظيم “داعش”، حتى أُعلِن تنظيم “داعش خراسان” في 10 يناير 2015، عبر فيديو باسم “ولاية خراسان”، تحدث فيه زعيمه حافظ سعيد خان، ليعلن البيعة الرسمية للبغدادي وتنظيم “داعش” في العراق، أعقبه توجيه رسالة من المتحدث الرسمي للتنظيم الأسبق أبو محمد العدناني في 26 من الشهر نفسه، بعنوان “قل موتوا بغيظكم”، أعلن فيها تأييد قبول البيعة وتعيين حافظ سعيد خان قائداً لفرع تنظيم “داعش خراسان” واختيار عبد الرؤوف خادم نائباً له.

وبعد أقل من ستة أشهر، أعلن تنظيم “الحركة الإسلامية لأوزبكستان” بقيادة عثمان غازي الانضمام لـ”داعش خراسان”، الذي نجح أيضاً في ضم مجموعة “الفاتح” بمنطقة خيبر بباكستان بزعامة جل زمان الفاتح، ومجموعة “أبطال الإسلام”، وتنظيم “التوحيد والجهاد” في بيشاور باكستان بزعامة عبيد الله البيشاوري، ليتمدد الفرع داخل حدود باكستان وأفغانستان وأوزبكستان وطاجيكستان.

ومن هنا، فإن عنصر الخبرة مثّل محور تمايز مهماً بالنسبة للتنظيم. فبالمقارنة بالأفرع الأخرى، التي تضم عناصر لا تمتلك خبرات كبيرة، كان لافتاً أن “داعش خراسان” ضم عناصر شاركت في الحرب ضد الجيش السوفييتي في الثمانينات من القرن الماضي، وانخرطت أيضاً في حرب عصابات في التسعينيات، على نحو كان له دور بارز في تعزيز قدراته وإكسابه خبرة في تنفيذ العمليات الإرهابية وتوسيع نطاق نشاطه، وهو ما وضعه في مقدمة أفرع “داعش” التي تمتلك خبرات تنظيمية وعسكرية لا تبدو هينة.

أولويات القتال والاستهداف

على الرغم من تشابه مجمل التنظيمات المتطرفة والإرهابية في المنطلقات الفقهية والعقائدية، إلا أن هناك تمايزاً قائماً فيما بينها حول مستويات التكفير، والتي تشمل ما يقرب من 26 مستوى تكفيرياً، على نحو يفرض استراتيجيات وتكتيكات محددة لكل تنظيم من حيث ما يسمى بـ”أولويات القتال والاستهداف”، أو ما يطلق عليه فقه “الدماء/ الجهاد”.

إذ ركز تنظيم “داعش” منذ اللحظات الأولى لنشأته على ما يسمى بـ”العدو الآني” أو “العدو القريب”، ويعني أنظمة الحكم المحلية داخل دول الارتكاز، إلى جانب المذاهب والطوائف الإسلامية غير السنية (الشيعة- الصوفية.. إلخ)، معتبراً أن استهداف الدول الغربية وغير الإسلامية يأتي في مرتبة متأخرة في فقه أولويات القتال، أو ما يطلق عليه التنظيم “العدو المُؤجَّل” أو “العدو البعيد”.

ومع أن أغلب أفرع التنظيم قبلت هذا الترتيب في أولويات المُستهدَف وعملت به، إلا أن فرع “داعش خراسان” يتسم بحالة خاصة منذ النشأة الأولى، والتي استمرت خلال السنوات الماضية، حيث جمع التنظيم بين مفهومى “العدو القريب” و”العدو البعيد” كمحدد لطبيعة المُستهدَف، نتيجة تأثره بالدور الذي قام به بعض عناصره في مواجهة الاحتلالين السوفييتي والأمريكي في أفغانستان، وتأثر أغلب العناصر الأخرى بأدبيات تنظيم “القاعدة” ومدرسة السلفية الجهادية في باكستان، حيث مارس شيوخ التيار السلفي التكفيري دوراً مهماً في صياغة خصوصية لتنظيم “داعش خراسان”، على غرار الشيخ عمر منصور أمير مجموعة “المسجد الأحمر” (لال مسجد) في إسلام آباد، وسعد الإماراتي أمير مجموعة “سعد بن أبي وقاص” في إقليم لوجر بأفغانستان، والشيخ محسن أمير مجموعة “ولاية كونر” في أفغانستان، والشيخ عبد الرحيم مسلم دوست، والشيخ أمين الله البيشاوري، إذ قام هؤلاء المنظرون السلفيون التكفيريون بصياغة “فقه الدماء” أو ما يطلق عليه “فقه التكفير والقتال”، الذي اعتبر أن مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية لا تقل أهمية عن قتال أنظمة الحكم المحلية، بما يعني الجمع بين مفهومى “العدو القريب” و”العدو البعيد”، وهو ما يفسر استهداف تنظيم “داعش خراسان” للقوات الأمريكية في أفغانستان، عبر عمليات عديدة كان أكثرها تأثيراً تلك التي وقعت في محيط مطار كابول في 26 أغسطس الجاري (2021)، حيث قتل 13 أمريكياً.

كيف أصبح “خراسان” مصدر التهديد الأول لواشنطن؟

منذ الإعلان عن تأسيس تنظيم “داعش خراسان” في يناير 2015، اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية التنظيم أحد أهم مصادر التهديد التي تواجهها، وهو ما دفعها إلى تنفيذ عملية نوعية استهدفت من خلالها زعيمه ونائبه حافظ سعيد خان وعبد الرؤوف خادم في 9 فبراير 2015، بعد أقل من شهر من إعلان تأسيسه، أسفرت عن مقتل الأخير.

وبعد أقل من عام، وتحديداً في 15 يناير 2016، تمكنت واشنطن من قتل الأول، بل وصل الأمر إلى حد قيامها باستخدام أحد أكثر الأسلحة فتكاً لدى ترسانتها العسكرية ضد التنظيم عبر إلقاء قنبلة ذكية- معروفة باسم “أم القنابل”- في 13 أبريل 2017، لأول مرة في تاريخها منذ تطوير القنبلة في عام 2003، حيث تم استخدامها ضد أحد تجمعات التنظيم بشرق أفغانستان. وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن هذا السلاح عبارة عن “قنبلة عصف هوائي جسيمة” تزن نحو 9.8 أطنان وتمثل أقوى سلاح غير نووي في الترسانة الأمريكية، وتصل قوتها التدميرية إلى 11 طن من مادة “تي إن تي”، وهو ما يؤكد على خطورة “داعش خراسان”، بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، مقارنة بباقي أفرع التنظيم المنتشرة في دول العالم والتي تقترب من 16 فرعاً.

هذا الخطر دفع القوات الأمريكية أيضاً إلى تنفيذ عملية نوعية، في 28 أغسطس الحالي، رداً على الهجوم الذي تعرض له مطار كابول قبل ذلك بيومين، أسفرت عن مقتل قياديين بالتنظيم، وهو ما أعقبه هجوم آخر من قبل الأخير ضد القوات الأمريكية للمرة الثانية، عبر استهداف مطار كابول بستة صواريخ “كاتيوشا” في 30 من الشهر نفسه، وهو ما يدل على حدوث تغيير في استراتيجية التنظيم باتجاه زيادة الاعتماد على استهداف “العدو البعيد”، على نحو قد يؤثر، وبشكل كبير، على طبيعة المُستهدَف بالنسبة لأفرع التنظيم المختلفة.

في المجمل، يمكن القول إن الارتدادات المباشرة للعمليات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم “داعش خراسان”- الذي تحول إلى أحد أهم التحديات القائمة أمام الأطراف المعنية بالملف الأفغاني- ربما تتجاوز حدود أفغانستان وتمتد إلى الدول الأخرى، لاسيما تلك التي تتواجد بها أفرع للتنظيم، خاصة أن هناك مؤشرات عديدة تجعل من تلك العمليات مقدمة لحدوث تغييرات في خريطة الحركات الإرهابية والتكفيرية على مستوى الإقليم، وهو ما سيكون موضوعاً لتحليل قادم.

المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر