ماذا بعدُ في اليابان لو قرر “آبي” أن يقول وداعًا؟

التاريخ والوقت : السبت, 5 سبتمبر 2020

ثيودور كاراسيك

 

خضع رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” لفحص طبي هذا الأسبوع في مستشفى جامعة “كيو” في طوكيو وسط مخاوف بشأن صحته. وقد شغل “آبي” منصبه منذ عام 2012 ويعدُّ أطول من شغل منصب رئيس وزراء اليابان، فهذه هي المدة الثانية له في المنصب. لقد استقال من ولايته الأولى عام 2007، بعد عام من وجوده في السلطة، حينما كشف أنه يعاني من قرحة والتهاب في القولون.

وبالتالي، في حال استقال “آبي”، فلن تكون هذه هي المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. لكن في المرة الأولى كان العالم يبدو مختلفًا تمامًا، إذ كان يقف على أعتاب الانهيار الاقتصادي. أمَّا في الوقت الحالي، فيبدو أن “آبي” يفوض مهامه المعتادة للآخرين، بما يسمح له بالتركيز على صحته ومسائل الدولة أيضًا. وفي حين لا توجد تقارير تفيد بأنه غير قادر على أداء مهامه، فإن نائب رئيس الوزراء الياباني “تارو آسو”، الذي يشغل منصب وزير المالية، سيكون البديل المؤقت حتى الانتخابات المقبلة.

ولكن سيتعين على أي زعيم جديد التعامل مع تداعيات الانخفاض القياسي في الناتج المحلي الإجمالي لليابان في الفترة بين أبريل ويونيو، والتي كانت الأوضاع خلالها أسوأ مما حدث خلال الأزمة المالية لعام 2008.

وقد أظهرت تداعيات المكاسب التي حققتها سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية المثيرة للجدل التي أدخلها “آبي”، والمعروفة باسم “أبينوميكس”، أن الوباء تسبب في “انتكاسة” اقتصادية وأن طوكيو تتراجع بالفعل. بالإضافة إلى ذلك، تتعامل الحكومة مع الفيضانات في معظم أنحاء الجنوب، والعلاقات المتقطعة مع الدول المجاورة، وعدم اليقين بشأن العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.

لقد تأثرت اليابان بشدة بأزمة “كوفيد – 19″، حيث تمَّ تأجيل أولمبياد 2020 وتعطل إنتاج المصانع بشكل كبير. وتشهد طوكيو حاليًا ارتفاعًا مفاجئًا في حالات الإصابة بفيروس كورونا في ظهور جديد يبدو أنه “موجة ثانية”.

ويبدو أن “آبي” يخسر معركته في خضم هذه الجائحة، ويبدو أنه غير قادر على اتخاذ تدابير وقائية فعالة لحماية الصحة العامة، ذلك أن الأولوية تُعطَى لتعزيز النشاط الاجتماعي والاقتصادي. وقد يبدو ذلك مألوفًا، إذ يمكن رؤية هذه الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم، فالحكومات رأت أن الخطر الاقتصادي يفوق المخاطر التي يشكلها انتشار المرض والتكلفة البشرية الناتجة عن تلك الأزمة الصحية. هنا تبدو إدارة الأزمات هي المفتاح بالنسبة لكافة المشاكل. ومع احتمال مغادرة “آبي” لمنصب رئيس الوزراء قريبًا، قد يكون هناك أمل في اتخاذ قرار سريع وجريء.

فقد بدأ القادة المحتملون بالفعل في وضع أنفسهم كبديل محتمل، إذ جذب وزير الخارجية “توشيميتسو موتيجي” اهتمامًا ملحوظًا كخليفة محتمل خلال زياراته إلى سنغافورة وماليزيا والمملكة المتحدة. كما يواصل الاهتمام بتعزيز لقاءاته بنظرائه شخصيًا في كل مكان في العالم رغم احتدام الأزمة الوبائية، وقد نال أخيرًا قدرًا من الثناء على مهاراته التفاوضية وقدرته على إنجاز الأمور. ومع ذلك، قد ينظر بعض المراقبين والجهات اليابانية إلى هذا الأسلوب على أنه يتجاهل مخاوف السلامة. أيضًا هناك “شيجيرو إيشيبا”، وزير الدفاع السابق والمنتقد منذ فترة طويلة لسياسات “آبي”، إذ يعتبر أيضًا شخصًا يمكنه تحقيق بعض الإنجازات.

ومهما حدث، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة لسياسات اليابان الداخلية والخارجية؛ إذ قد يقرر “آبي” البقاء في السلطة حتى العام المقبل. وقد يفكر في إجراء تعديل وزاري لضخ دماء جديدة وطرق تفكير مبتكرة، أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن “آبي” لا يزال يمتلك مفاتيح القضايا المتعلقة بإدارة أزمة “كوفيد – 19″، وكذلك ملف أولمبياد طوكيو. وقد يتأخر الحدث الرياضي العالمي إلى ما بعد الصيف المقبل، أو ربَّما يتم تعديل جدوله الزمني. ومهما يكن، فإن كيفية إدارة اليابان لذلك الحدث الضخم والمشاركين فيه ستكون هي الكلمة المفتاحية في كافة تلك الأزمات. وقد يتم النظر في تعقيدات استضافتها في المناخ الحالي، مع مراعاة السلامة، إذ يجري حاليًا دراسة كيفية التعامل مع الفعاليات الجماهيرية الأخرى.

وأيَّا كان الأمر، فإن المسؤول في الأشهر المقبلة سيواجه مهمة صعبة وبعض القرارات السياسية الصعبة أيضًا. ومع الانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر إجراؤها في سبتمبر 2021، فإن ما سيحدث بعد ذلك مهم للديناميكيات السياسية في البلاد.

كما يترتب على تداعيات استقالة “آبي” المحتملة الشهر المقبل بعض التعقيدات المتعلقة بالترتيبات الأمنية في المنطقة في وقت تتصاعد فيه التوترات. فالولايات المتحدة تزيد من مواجهتها مع الصين، كما صدر أخيرًا قانون الأمن القومي في هونج كونج، بالإضافة إلى التوترات بين كوريا الجنوبية والشمالية.. أمام كل ذلك تجد طوكيو نفسها مرة أخرى في وسط جوار صعب جدًا يعاني من التوترات المتزايدة واللغة العدوانية. كما أن “كوفيد – 19” يزيد الأمور سوءًا من خلال الضغط على حكومات شمال شرق آسيا لتأمين بلدانهم من التهديدات.

وتعمل الإدارة الأميركية أيضًا على جعل الأمور صعبة على اليابان من خلال وضع سعر للأمن خلال هذا الوقت. ومع انتشار”كوفيد – 19″ الذي يتوقع استمراره لبعض الوقت، تتوفر كافة الأسباب لعدم اتباع مثل هذه السياسات في الساحتين الاقتصادية والتجارية.

في هذا السياق المعقد، تعتبر العلاقة بين الولايات المتحدة واليابان عاملاً مهمًا في المنطقة، إذ توسع طوكيو نطاقها العسكري من خلال المساهمة في العمليات البحرية خارج المحيط الهادئ. وتستمر المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة واليابان في مسرح المحيطين الهندي والهادئ، بمناسبة الذكرى الستين على بدء التعاون، كما أنها تساعد في الحفاظ على العلاقات الثنائية مع واشنطن في أحسن حال. لكن الواقع في المجال السياسي يبدو مختلفاً تمامًا.

أخيرا، فإذا تنحى “آبي” عن منصبه وقال “وداعًا” “sayonara”، فإن اليابان ستدخل فترة من التساؤل عما ينتظر البلاد وتعافيها الاقتصادي في بيئة أمنية مضطربة.

 

إعداد: وحدة المعلومات بمركز سمت للدراسات

المصدر: عرب تايمز Arab Times

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر