لماذا يختلف تعامل بريطانيا مع أزمة “كورونا” عن غيرها؟

التاريخ والوقت : السبت, 14 مارس 2020

آدم فوغان

 

لماذا لا تتخذ المملكة المتحدة إجراءات صارمة وسريعة مثل الدول الأخرى لمعالجة أزمة الفيروس التاجي “كورونا”؟ فقد أصدرت حكومة المملكة المتحدة، أخيرًا، إرشادات جديدة، تنصح فيها الأشخاص الذين يعانون من السعال بالبقاء في منازلهم. لكنها لم تصل إلى حد الإجراءات الصارمة مثل حظر التجمعات الكبيرة وإغلاق المدارس، وهو ما فعلته بعض الدول المجاورة.

هذا النهج أثار انتقادات في بعض الأوساط، لكن “باتريك فالانس”، كبير المستشارين العلميين بالمملكة المتحدة، توجه إلى أستوديوهات الإذاعة والتلفزيون لشرح اثنين من الأهداف الاستراتيجي، إذ قال “فالانس” إن الحكومة تعمل حاليًا على جعل النماذج الكامنة والمعلومات الخفية متاحة للرأي العام. ذلك أن الهدف الرئيس لاستراتيجية الحكومة – كما يقول “فالانس” – هو “الحد من انتشار الوباء ومن بلوغ ذروته واتساع نطاقه، بحيث لا ينتهي الأمر إلى المزيد من الضغوط على نظام الرعاية الصحية.”

أمَّا الهدف الثاني، فيتمثل في حماية الأشخاص الأكثر ضعفًا مع انتشار الفيروس بين السكان. وعلى حد قوله، فإن هذا النهج يساعد على تعزيز المناعة بين الأفراد وتعافيهم من المرض، وأن يكونوا على درجة أكبر من التحصين، والتقليل من انتشار العدوى.وهو الموقف الذي يتعارض مع توجيهات منظمة الصحة العالمية، التي دعت دول العالم إلى “اتخاذ إجراءات عاجلة وصارمة”.

كما أنه في مرحلة ما، ربَّما تضطر منظمة الصحة العالمية إلى تغيير موقفها ليتوازى مع موقف حكومة المملكة المتحدة، وليس العكس كما يقول “فالانس”.

تقول “هيلين وارد” من الكلية الملكية البريطانية “إمبريال كوليدج” في لندن، إن العديد من خبراء الصحة العامة كانوا يتوقعون تدخلات أكثر إثارة خلال اليومين الأخيرين. ذلك أن الحديث عن تحصينات الجماهير أمرٌ مقلق ويشتت الانتباه عن الهدف الأكثر أهمية والمتمثل في عدم وصول انتشار الوباء لذروته.

لذا، فمن الغريب جدًا استخدام هذه المناعة كاستراتيجية للسيطرة بدون لقاح. وحتى لو توفر لكبار السن قدر من الحماية، فإنه الفيروس يمكن أن يطال الملايين من الأشخاص الذين لديهم قدر من المرونة في الاستجابة لهذا الوباء.

إن منطق “تلقفها على ذقنك وتجاوزها وتخلص منها” التي وردت في عبارة استخدمها رئيس الوزراء “بوريس جونسون” في وقت سابق، سيؤدي إلى انهيار في نظام الرعاية الصحية. ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في كون الحكومة متهورة، لكننا بالفعل في وضع غير يقيني بالقدر الكافي.

وكما يعتقد “ديفي سريدهار” من جامعة أدنبرة، فإن نهج حكومة المملكة المتحدة يجانبه الصواب. فقد أظهرت دول أخرى أن السرعة أمر بالغ الأهمية. فهناك طريق وسط بين الإغلاق الكامل واستمرار الأمر كما هو عليه، مثل الحد من التجمعات العامة الكبيرة، ووقف السفر غير الضروري، وحث أصحاب العمل على السماح بالعمل في المنزل.

وقد دافعت الحكومة عن التراجع عن اتخاذ تدابير أقوى، حيث جاء في مؤتمر صحفي عُقِدَ في “داونينج ستريت”، أخيرًا، أن أحد الأسباب يكمن في أن الناس سيصابون بالإرهاق وقد ينخفض امتثالهم لقرارات الحكومة مع اقتراب ذروة الوباء.

لقد أظهر واقع التعامل مع أزمة الفيروس أن الناس أكثر استعدادًا لاتخاذ إجراءات عندما يرون التأثير يقع بالفعل في مجتمعهم. وعندما تكون هناك أزمة صحية حقيقية، فإن الناس تكون لديهم القدرة على القبول والتصرف بشكل أكبر.

فقد نظر البعض إلى الصين لمعرفة كيف ومتى يجب أن تتفاعل المملكة المتحدة بخطوات أكثر قسوة. ووفقًا لدراسة نُشرت حديثًا حول الجوانب الاجتماعية للتدابير التي فرضتها السلطات الصينية في مدينة ووهان، التي انطلق منها تفشي الفيروس، تبيَّن أن السلطات الصينية قد نجحت في مسعاها.

لكن بسبب التركيبة السكانية المختلفة، فإنها لا يمكن أن تترجم بالضرورة إلى الدول الأخرى، كما تقول “بترا كليباك” من مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي(LSHTM)، وهي أحد أعضاء فريق الدراسة المذكورة. ففي ووهان كان هناك موقع محدد بالفعل، لذا فقد نجحت الإجراءات.

وكما يقول “أنتوني كوستيلو” من كلية لندن الجامعية، الذي عمل في منظمة الصحة العالمية بين عامي 2015 و2018، فإن الأدلة الواردة من الصين وكوريا الجنوبية تشير إلى أن الرقابة الاجتماعية الدقيقة تعمل بشكل جيد، وعلى المملكة المتحدة أن تفعل المزيد، إذ يعارض “كويستيلو” سياسة كل البلدان الأخرى التي ليست لديها مراعاة للجانب الاجتماعي في استراتيجيتها.

لكن يبقي هناك سؤال حول مدى شفافية المملكة المتحدة بشأن الأدلة التي تدعم قراراتها، وأمام ذلك فقد قام “آدام كوشرسكي” من مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي، بنشر تغريدة ذكر فيها أن حكومة المملكة المتحدة تعمل على نماذج متعددة من جامعات في جميع أنحاء المملكة المتحدة لإنشاء “قاعدة أدلة قوية قدر الإمكان لاتخاذ قرارات صعبة جدًا”. ومع ذلك، تقول “هيلين وارد تود” لو أن هناك المزيد من الانفتاح، وبخاصة أن هناك أشخاصًا يعملون لتقديم المشورة للحكومة. لكنهم في الواقع مقيدون ولم يشاركوا بفاعلية وتلك مشكلة أخرى، فهناك حاجة ماسة لأكبر قدر ممكن من الشفافية.وردًا على سؤال: لماذا لم تنشر الحكومة الحالات والنماذج التي اتخذت قراراتها بشأنها، قال المتحدث باسم المكتب الحكومي للشؤون العلمية: “نحن نحترم ونوافق على ضرورة النشر بما يتوافق مع الدقة العلمية والشفافية، ونحن نعمل من أجل إفادة الجمهور”. وأخيرًا، فقد قفز عدد الحالات الإيجابية في المملكة المتحدة إلى 798، وهو أكبر ارتفاع يومي حتى الآن.

 

إعداد: وحدة الترجات بمركز سمت للدراسات

المصدر: نيوز ساينتست News Scientist

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر