مركز سمت للدراسات لماذا تعتبر روسيا رابحة جيوسياسيًا في انقلاب مالي؟ | مركز سمت للدراسات

لماذا تعتبر روسيا رابحة جيوسياسيًا في انقلاب مالي؟

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 29 سبتمبر 2020

صموئيل راماني

 

في 18 أغسطس، تمت الإطاحة بالرئيس المالي “إبراهيم بوبكر كيتا” في انقلاب قادته عناصر منشقة عن القوات المسلحة المالية. وسرعان ما أدانت الأمم المتحدة هذا الانقلاب، وأوقفت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) على الفور العلاقات التجارية مع مالي. وفي الأيام التالية، انتشرت تقارير حول تحالف سري بين روسيا ومخططي الانقلاب في مالي. واستندت هذه التقارير إلى حقيقة أن اثنين من مخططي الانقلاب هما “مالك دياو” و”ساديو كامارا”، قد عادوا إلى مالي قبل أيام من برنامج تدريبي في الكلية العسكرية العليا في موسكو. ودحض عضو مجلس الدوما الروسي “أوليغ موروزوف” هذه المزاعم في 22 أغسطس بقوله: “أي حديث عن تورط روسيا بطريقة ما في انقلاب أغسطس يبدو سخيفًا”.

وعلى الرغم من عدم وجود أدلة كافية لاتخاذ قرار حاسم بشأن دور الكرملين في الانقلاب، فإن روسيا هي المستفيد الجيوسياسي المحتمل من التحول السياسي في مالي. فعلى العكس من فرنسا، التي أقامت علاقات وثيقة مع كيتا وشهدت تضاؤلاً ​​لنفوذها السياسي في مالي نتيجة لهذا الانقلاب، أقامت روسيا على الفور علاقات ودية مع الحكومة الانتقالية في مالي. وفي 21 أغسطس، التقى السفير الروسي لدى مالي والنيجر “إيغور جروميكو” بممثلين عن اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعبCNSP، وهي منظمة شاملة للأفراد العسكريين المشاركين في الانقلاب، وترغب في الإشراف على انتقال مدته 18 شهرًا قبل إعادة السلطة إلى المدنيين. ووقعت روسيا أيضًا اتفاقية تعاون عسكري مع مالي في يونيو 2019، وعززت علاقاتها مع شخصيات عسكرية مالية دعمت الانقلاب في النهاية.

كما ينظر الماليون إلى روسيا بشكل إيجابي، إذ ينظرون إلى مبادرات عملية “برخان” الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل باعتبارها ستارًا للاستعمار الجديد. ففي نوفمبر 2019، حثَّ المتظاهرون في “باماكو” موسكو على صد هجمات الإسلاميين في مالي كما فعلت في سوريا. وقد لجأت شخصيات معارضة بارزة، مثل زعيم حزب التضامن الإفريقي من أجل الديمقراطية والاستقلال، “عمر ماريكو”، بنشاط إلى الأسلحة الروسية والدعم الفني. وفي مظاهرات ميدان الاستقلال في “باماكو” التي أعقبت الانقلاب، شوهد متظاهرون يلوحون بالأعلام الروسية ويحملون ملصقات تشيد بتضامن روسيا مع مالي.

ونظرًا لأن روسيا تمتلك مجموعة متنوعة من الشراكات في مالي ودول الساحل من شأنها أن تحبط سياسات مكافحة الإرهاب للقوى الغربية، يمكنها الاستفادة من انقلاب مالي لتأمين صفقات اقتصادية وتعزيز مكانتها الجيوسياسية في غرب إفريقيا. فقد صوَّرت معاهد البحوث والمحطات الإعلامية المتحالفة مع الكرملين باستمرار عمليات مكافحة الإرهاب الفرنسية في النيجر ومالي كواجهة لاستخراج اليورانيوم في الساحل. وربَّما تستفيد شركة “روساتوم” الروسية العملاقة للطاقة النووية، التي تتنافس مع نظيرتها الفرنسية “أفيندا” على عقود في منطقة الساحل، من العلاقات الإيجابية مع السلطات السياسية الجديدة في مالي. ويمكن لشركة “ذهب الشمال” Nordgold، وهي شركة ذهب روسية لديها استثمارات في غينيا وبوركينا فاسو، توسيع مبادراتها لاستخراج احتياطيات الذهب في مالي.

ونظرًا لقلق دول غرب إفريقيا بشكل متزايد بشأن عدم الاستقرار على مستوى المنطقة الناجم عن الانقلاب في مالي، فقد حاولت روسيا وضع نفسها كشريك في مكافحة التمرد الذي تشهده دول المنطقة. ففي مقابلة في التاسع من سبتمبر مع وكالة “سبوتنيك” للأنباء، دعا سفير كوت ديفوار في روسيا “روجر جنانجو” إلى زيادة التعاون العسكري مع روسيا، بسبب عدم الاستقرار الناتج عن انقلاب مالي. ورغم أنه من غير المرجح أن تنشر روسيا قوات عسكرية خاصة في منطقة الساحل، فإنها يمكن أن تستفيد من حالة عدم الاستقرار الناتجة عن الانقلاب المالي لبيع الأسلحة وتوسيع العمق الاستراتيجي لاتفاقيات التعاون العسكري مع بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر.

ورغم أن روسيا قد تستفيد اقتصاديًا وجيوسياسيًا من انقلاب مالي، فإن تأثير الإطاحة بكيتا على علاقات موسكو مع فرنسا والصين لا يزال غير مؤكد. فمن أجل وقف موجة عدم الاستقرار في منطقة الساحل، يمكن لفرنسا أن توسع دعمها للزعماء الاستبداديين، مثل الرئيس التشادي “إدريس ديبي”، الذين لديهم أيضًا علاقات وثيقة مع روسيا. ومع استمرار الحوارات الفرنسية الروسية حول سوريا وليبيا والأمن السيبراني، رغم التوترات الناجمة عن تسميم “أليكسي نافالني”، يمكن لفرنسا وروسيا أن تعمقا مشاركتهما في أمن الساحل. ومن ناحية أخرى، تشكك وزيرة الدفاع الفرنسية “فلورنس بارلي” في قدرة روسيا على تحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى، وقد تتصدى لوجهات النظر المماثلة بشأن أمن الساحل التعاون الفرنسي الروسي في إدارة تأثير انقلاب مالي.

وبينما ترغب الصين في إدراج دول الساحل في مبادرة الحزام والطريق، وزيادة استثماراتها في بوركينا فاسو المجاورة بسبب تعليق البلاد لعلاقاتها مع تايوان، تنظر بكين إلى انقلاب مالي بفزع. ونظرًا لأن الحوار المؤسسي بين روسيا والصين حول قضايا الأمن الإفريقي محدود، يمكن لموسكو الاستفادة من انقلاب مالي لتثبت لبكين أنها تستطيع المساهمة بشكل بنَّاء في الأمن الإقليمي. ومع ذلك، إذا ظهرت الأدلة على تورط الكرملين في انقلاب مالي، فإن مخاوف الصين بشأن سلوك روسيا المزعزع للاستقرار في إفريقيا يمكن أن تصبح مصدر خلاف بين الاثنين.

ونظرًا لاستراتيجيتها المتوازنة في مالي والتقدم البطيء في جهود مكافحة الإرهاب الغربية، يمكن لروسيا الاستفادة من الانقلاب كوسيلة لتوسيع روابطها الاقتصادية والأمنية في منطقة الساحل. وبينما تحاول روسيا الاستفادة من عدم الاستقرار المتنامي في منطقة الساحل، فإنها ستراقب بحذر ردود فعل فرنسا والصين على سياساتها. كذلك، نظرًا لأن القوى العظمى الأخرى مجبرة على إعادة تقويم مناهجها لمكافحة التمرد في منطقة الساحل، فإن روسيا ربَّما تكون مستفيدة جيوسياسيًا من الأزمة الأمنية في مالي.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: معهد أبحاث السياسة الخارجية

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر