مركز سمت للدراسات لماذا تتكئ القوى الاقتصادية الكبرى على عصا التصنيع؟ | مركز سمت للدراسات

لماذا تتكئ القوى الاقتصادية الكبرى على عصا التصنيع؟

التاريخ والوقت : الأحد, 18 أبريل 2021

 رنا فوروهار 

 

التصنيع مهم. وبينما أصبح مؤتمتا ومعولما بشكل متزايد على مدى العقود القليلة الماضية، إلا أنه لا يزال يحتل مكانة خاصة في الروح الوطنية في الولايات المتحدة والدول المصدرة الكبرى الأخرى، مثل ألمانيا والصين واليابان.

يعود جزء من ذلك إلى الفوائد غير المتناسبة التي تعود على الاقتصاد. في الولايات المتحدة، مثلا، على الرغم من أن التصنيع لا يمثل سوى 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي و8 في المائة من التوظيف المباشر، إلا أنه يقود 20 في المائة من الاستثمار الرأسمالي للبلاد، و30 في المائة من نموالإنتاجية، و60 في المائة من الصادرات، و70 في المائة من البحث والتطوير في مجال الأعمال، وفقا لأرقام معهد ماكينزي جلوبال. حصة التصنيع في الاقتصاد في الكثير من الدول المتقدمة الأخرى أعلى بكثير.

لا عجب أن يكون الجدل حول مكان صنع الأشياء أمرا عاطفيا وسياسيا. احتل هذا الجدل مكان الصدارة في الأعوام الأخيرة، ليس فقط بسبب حروب التكنولوجيا والتجارة بين الولايات المتحدة والصين ونقص سلسلة التوريد خلال الجائحة، ولكن أيضا بسبب حقوق الإنسان. تجد العلامات التجارية الغربية بما في ذلك “نايكي” و”إتش آند إم” ومنتجو السلع الفاخرة الأوروبيين أنفسهم في موقف صعب بشكل متزايد لاستخدام القطن المنتج في شينجيانج، الذي ربما يكون قد تم حصاد بعضه وغزله على يد عمالة أويغورية قسرية.

تتعرض الشركات الأمريكية والأوروبية لضغوط هائلة لمقاطعة قطن شينجيانج واستخدام البدائل المحلية. لكن عندما تفعل ذلك، فإنها تخاطر برد فعل عنيف من الصينيين، الذين يبدو أنهم أضافوا الأويجور إلى قائمة مناطق “عدم المناقشة” مثل التبت وتايوان وتيانانمين. أظن أن الجانب الذي ستقف فيه العلامات التجارية يعتمد إلى حد كبير على مدى أهمية الصين لإيراداتها الإجمالية ونموها المستقبلي.

لكن صناعة النسيج آخذه في التحول، منذ بعض الوقت، إلى كونها صناعة أقل عولمة. في الولايات المتحدة، كانت المنسوجات والأثاث، من بين القطاعات الأكثر تضررا من انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، نظرا لأنهما كثيفتا العمالة وقابلتان للتداول.

لكن الحسابات تحولت الآن مع ارتفاع الأجور والطلب المحلي في الصين. قبل مخاوف شينجيانج بفترة طويلة كانت سلاسل توريد الملابس آخذة في التحول. المنتجون الصينيون صدروا 71 في المائة من الملابس الجاهزة في 2005. بحلول 2018، كانت النسبة 29 في المائة فقط.

يأتي هذا التغيير متزامنا مع رياح مواتية أخرى لإضفاء الطابع الإقليمي على صناعة الملابس: المزيد من العلامات التجارية تتجه مباشرة إلى المستهلكين، متجاوزة المتاجر التقليدية باهظة الثمن. يؤدي هذا أيضا إلى زيادة الاستثمارات في البرمجيات، ما يعزز الكفاءة ويقصر دورات الإنتاج، وبالتالي تحويل مراجحة تكلفة وإنتاجية العمالة والنقل لمصلحة الإنتاج المحلي.

بالنسبة للاقتصادات الوطنية تعتمد أهمية إعادة التوطين إلى حد كبير على الصناعة. دراسة رائعة أجراها معهد ماكينزي جلوبال ـ تصدر اليوم ـ تتناول 30 قطاعا صناعيا رئيسا في الولايات المتحدة. وجدت الدراسة أن 16 منها تبرز لقيمتها الاقتصادية والاستراتيجية، مقاسة بمساهمتها في الإنتاجية الوطنية والنمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل والدخل، والابتكار والمرونة الوطنية. الملابس ليست في القائمة. لكنها تضم أشباه الموصلات، والأجهزة الطبية، ومعدات الاتصالات، والإلكترونيات، والسيارات وقطع غيار السيارات، والأدوات الدقيقة.

بالطبع، تنقسم بعض هذه الصناعات على أسس وطنية، غالبا لأسباب سياسية أكثر من كونها اقتصادية – الدليل هو حروب الرقائق بين الولايات المتحدة والصين. بينما لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بالتميز في تصميم الرقائق، انخفضت الطاقة الإنتاجية المحلية بشكل كبير خلال العقود الثلاثة الماضية. وهذا أحد أسباب توقف صناعة السيارات الأمريكية الذي بدأ في شباط (فبراير)، عندما بدأ الإنتاج بعد الجائحة في الارتفاع مجددا. في الشهر نفسه، دعا الرئيس جو بايدن إلى مراجعة وطنية لنقاط الضعف في سلسلة التوريد.

أوضحت إدارته أنها ترغب في رؤية المزيد من الإنتاج المحلي لأشباه الموصلات والإمدادات الطبية وغيرها من العناصر المهمة من الناحية الاستراتيجية. لكن، حسبما يقول رئيس معهد ماكينزي جلوبال، جيمس مانيكا “حجم الطلب على الإنتاج المحلي مهم، ولا سيما في الصناعات التي يوجد فيها نطاق وتأثير منحنى التعلم”، مثل أشباه الموصلات، التي يتم تصنيعها بسعر أرخص بكثير في آسيا. يمكن للولايات المتحدة أن توفر المزيد من الطلب على الرقائق المصنعة محليا، لكن فقط إذا أمنت الحكومة الاستثمار من خلال الشراء الفيدرالي المضمون للإمدادات، مثلما فعلت مع أشباه الموصلات في الخمسينيات والستينيات.

بالنظر إلى الدفع باتجاه “شراء المنتجات الأمريكية” في عهد بايدن، هذا ليس بالأمر غير المتصور. في الواقع بعض العاملين في مجتمع الدفاع (الذي يحتاج إلى رقائق متطورة للمعدات العسكرية) وكذلك اليسار التقدمي (الذي يريد من الولايات المتحدة أن تكون القائدة في أحدث التكنولوجيات النظيفة، التي قد توفر أيضا طلبا على أشباه الموصلات) يرغبون في حدوث انفصال الولايات المتحدة عن الصين في سلاسل التوريد الخاصة بالرقائق.

أين سيترك هذا أوروبا؟ جالسة بشكل غير مريح للغاية بين قوتين اقتصاديتين عظميين. على مستوى التنافسية الوطنية لا يهم كثيرا ما يفعله مزودوا الموضة السريعة وتجار التجزئة للسلع الفاخرة بشأن شينجيانج، على الرغم من أن الأسئلة الأخلاقية قد تكون لها آثار في قيمة العلامة التجارية.

المهم هو ما تفعله الحكومات لدعم الطلب المحلي أو السيطرة على سلاسل التوريد. وأظن أن تلك القرارات ستتمحور بدرجة أقل على حسابات التكلفة والفعالية البسيطة، وبدرجة أكبر حول القدرة التنافسية الوطنية.

 

المصدر: صحيفة الاقتصادية – خدمة فايننشال تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر