مركز سمت للدراسات خطاب الكراهية ‏والتنمر | مركز سمت للدراسات

كيف يهدد التطرف والإرهاب القيم والسلم الاجتماعي؟ ‏

التاريخ والوقت : الخميس, 17 يونيو 2021

سعود الشرفات

 

إنّ الكتابة حول أثر التطرف العنيف والإرهاب – بشكلٍ عام – على القيم والسلم الاجتماعي ‏في أي دولة ‏يمكن أن تكون واحدة من أهم التحديات التي يواجهها أي باحث في الإرهاب؛ لأنه يتطلب غربلة ‏وفحص الكثير من البيانات  والأجزاء المعقدة والمتضاربة من الأدلة.

ولذلك فإنّ البحث عن فهم ‏عالمي مشترك، والموضوعية وعدم التحيز في عرض البيانات خلال العملية المضنية للبحث عن ‏جوهر الإرهاب تبدو “مهمة مستحيلة” للباحث السياسي.‏

ومن المهم التأكيد بأنه ليس الهدف هنا السرد والتأريخ فقط؛ بل لتتبع جينولوجيا ظاهرة التطرف ‏والإرهاب في الوطن العربي من خلال كافة المحطات التاريخية، وفحص فرضية أنّ ‏التطرف العنيف والإرهاب خلال الـ 100 عام الماضية قد أثر على القيم والسلم ‏الاجتماعي والأهلي.  ‏

وقد ظهرت “أحداث” خطيرة تنبئ عن مقدار لا يستهان به من التطرف العنيف وخطاب الكراهية ‏والتنمر وعدم قبول الآخر، خاصة بين المسيحيين، والذي ينتشر ويتوسع باستمرار مستفيداً من وسائل ‏التواصل الاجتماعي ويتزعمه رموز الجهادية، وقد يتحول إلى خطرٍ شديد إذا لم يتم الانتباه ‏له وكبحه قبل أن يستفحل أكثر ويُفرخ إرهاباً محلياً لا يمكن السيطرة عليه إلا بخسائر وتضحيات ‏كبيرة. ‏

أول ما يجب أن نحاول تّذكره هو الأحداث والتغيرات والتفاعلات المعقدة “بين أحداث تبدو بعيدة ‏ومخاوف قريبة بين تواريخ قديمة واستفزازات جديدة، بين حدود أعيدت كتابتها من جديد وأوامر ‏غير مكتوبة” ساهمت في تكوين العالم العربي  المعاصر ودخوله “جغرافية الغضب”‏ التي تعتبر ‏الحصيلة المكانية لكل التفاعلات أعلاه، أما وقود هذه الجغرافيا الغاضبة فهو سيرورة العولمة ‏التكنولوجية “وسائل الإعلام الجماهيري، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ‏والخطب السياسية والتقارير والوثائق التحريضية. وشرارتها دائماً حالة الارتياب الاجتماعي حيال ‏الآخر، العدو”‏‏. ‏ والتي تتجلى في التطرف العنيف و العمليات الإرهابية.‏

يقع العالم العربي اليوم  في قلب “جغرافية الغضب”؛ ألا وهي منطقة الشرق الأوسط المنطقة “الأكثر ‏اختراقاً بين الأنظمة الدولية السياسية”. فمنذ حطت حملة نابليون على أرض مصر عام 1789م، باتت المنطقة تنافس بين القوى العظمى. فالأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة الجغرافية تكمن ‏في أنها البوابة التي تربط أوروبا بالشرق الأقصى بسهولة ويسر ساهم في سهولة تسرب الغضب ‏بين أطرافها. 

وقد عزز اكتشاف النفط في بداية القرن العشرين من أهمية المنطقة للاقتصاد ‏العالمي. وبعد الحرب الكونية الأولى أصبحت المنطقة من أعظم مسارح الحرب الباردة، وكانت ‏تتورط رغماً عنها في النزاعات بين القوى العظمى المتنافسة على السلطة والهيبة والتأثير ‏السياسي”.‏

وحتى تتجلى جغرافية الغضب بأوضح صورها؛ كانت تلتقي في المنطقة “المصادر الخارجية ‏للنزاع والعنف بالمصادر الداخلية فتنتج دوامة من الأزمات والعنف والحروب والإرهاب.  وما  ‏يزال الصراع بين إسرائيل والعرب واحداً من عوامل زعزعة الاستقرار في هذه المنطقة خاصة ‏للأردن بحكم التلاحم الشعبي والقرب الجغرافي. أما جوهر الصراع فهو القضية الفلسطينية”‏ ‏.‏

لا يمكن لنا أن نحمي أنفسنا من الإرهاب إلا إذا تعلمنا كبشر العيش معاً. ‏ولهذا العيش حتى يتحقق وينجز مصفوفة طويلة من القيم التي تفضي إلى التقدم. ولا بد لنا ‏كبشر من التأكيد عليها لأن التطرف العنيف المفضي إلى الإرهاب إنما يتسلل من خلالها إلى ‏عمق مجتمعاتنا. ‏

وهذه القيم هي: الانتماء والمشاركة التي تتصل بالمنظومة الثقافية والأخلاقية في محاور قيم ‏العمل والإنتاج، والتمدن، وأساليب الحياة والسلوك الاجتماعي، والمسؤولية الاجتماعية وتعظيم ‏دور مؤسسات المجتمع المدني في مجالات العمل التطوعي والخيري بعد أن تخلت الدولة عن ‏الكثير من وظائفها. والاعتدال كقيمة مشتقة من العدل والصواب والاستقامة وكل ما هو حسن ‏وجميل، وتقليل غلواء التطرف والعنف. ولقد جرت العادة أن يستخدم مفهوم التسامح بين الأديان، والواقع أنّ ما يلائم العلاقة بين البشر ‏في تنوعهم واختلافهم الديني والثقافي والعرقي هو العيش معاً.‏

‏ لذلك تمثل قيم الاعتدال، والتسامح؛ رغم النقد الذي وجهه (جاك دريدا) لهذا المفهوم مقترحاً ‏مفهوم الضيافة بدلاً عنه؛ هدفاً للجماعات والدول لتكون قادرة على العيش معاً بسلام في ‏ظل الاختلاف والتنوع‏. ‏

ويبدو واضحاً اليوم، في خضم ما نشهده من عنف مجتمعي، وشجارات، وسلوك اجتماعي ‏متوتر، واحتقان سياسي سواء في الشارع أو حتى في أروقة السياسيين بسبب ‏الظروف الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة خصوصاً بسبب جائحة كورونا، أن من أهم ‏أولوياتنا بناء ثقافة العفو والتعاون والتسامح بمختلف أشكاله، ويرتبط بذلك ضرورة التأكيد على قيم التفاعل والتواصل الاجتماعي. ‏

فالتواصل والتفاعل الاجتماعي أساس ‏الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية للأمم من خلال: العائلة والقرابة والجمعيات التطوعية خارج ‏صلات القرابة كالمدارس والأندية والنقابات. ويرتبط بعملية التواصل القدرة على الاستماع والحوار ‏بين البشر من خلال تنمية مفاهيم ومهارات الإصغاء والاستماع وفهم الذات، والآخر المختلف.

المصدر: حفريات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر