مركز سمت للدراسات كيف تفهم واشنطن خطوط بوتين الحمراء؟ | مركز سمت للدراسات

كيف تفهم واشنطن خطوط بوتين الحمراء؟

التاريخ والوقت : الأحد, 21 نوفمبر 2021

طارق الشامي

اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الغرب بقيادة الولايات المتحدة بالاستخفاف بخطوط روسيا الحمراء، في وقت تتزايد فيه الأزمة بين موسكو وواشنطن حول أوكرانيا والمهاجرين في بيلاروس سخونةً، عكستها التحذيرات المتبادلة، واستعراض القوة العسكرية لروسيا بتحريك قاذفاتها النووية الاستراتيجية على حدود الناتو في أوروبا، وتسيير قاذفات نووية مشتركة مع الصين فوق المحيط الهادي، وهي تصرفات يراها الغرب أشبه بلحظة أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، ولكن بطريقة عكسية بالنسبة إلى بوتين، فهل سيتدخل الرئيس الروسي مجدداً في أوكرانيا وكيف ستتعامل واشنطن مع خطوطه الحمراء؟

تحركات مقلقة

أثار الرئيس الروسي سلسلة من التحركات اعتبرتها واشنطن ودول حلف الناتو مزعزعة للاستقرار على امتداد أوروبا من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، حيث تنافست روسيا والغرب على النفوذ لعقود من الزمن. فقد تزايد خطر نشوب صراع عسكري جديد مع حشد 100 ألف من القوات الروسية بالقرب من أوكرانيا، وتصاعد ما يسميه القادة الغربيون بالحرب المختلطة التي تدفع فيها موسكو حليفتها بيلاروس لحشد المهاجرين على حدود بولندا عضو الناتو والاتحاد الأوروبي.

وعلاوة على ذلك استخدام الكرملين ورقة الغاز الطبيعي ضد دول الاتحاد الأوروبي لرفع الأسعار قبيل الشتاء البارد، ومحاولة الضغط على الكتلة للموافقة على خط أنابيب “نورد ستريم 2” الجديد الذي يزيد من نفوذ الكرملين في المنطقة، فيما تلوح أزمة جديدة في الأفق داخل البوسنة والهرسك، يخشى الغرب أن تكون موسكو هي المحرك وراء تشجيع صرب البوسنة على افتعالها لإلهاء حلف الناتو الذي يحتفظ بمئات من قوات حفظ السلام هناك، بعيداً عن أوكرانيا.

تحذير واضح

وقبل أيام، عبر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن عن قلق واشنطن من أن “روسيا قد ترتكب الخطأ الجسيم المتمثل في محاولة إعادة سيناريو عام 2014 عندما حشدت قوات على طول الحدود، وعبرت إلى الأراضي الأوكرانية ذات السيادة، مدعية بالكذب أنه تم استفزازها”، في إشارة إلى غزو روسيا شبه جزيرة القرم وضمها عام 2014.

وتبدو واشنطن قلقة بدرجة كافية بشأن التحركات الأخيرة للقوات الروسية، لدرجة أنها أرسلت مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام بيرنز وكارين دونفريد مساعدة وزير الخارجية إلى موسكو لتحذير روسيا بشأن تحركات قواتها، وهو أمر يبدو أن برلين وبروكسل ولندن وباريس تشارك واشنطن في مخاوفها، إذ أصدر وزيرا الخارجية الفرنسي والألماني بياناً مشتركاً حذرا فيه من أن أي محاولة جديدة لتقويض وحدة أراضي أوكرانيا ستكون لها عواقب وخيمة.

نيات غامضة

وعلى الرغم من عدم معرفة نيات روسيا على وجه الدقة نظراً إلى كونها حشدت 100 ألف من قواتها في الربيع الماضي قبل أن تنسحب، لكن شيئاً ما تغير هذه المرة، فقد كانت تحركات القوات أكثر سرية، وغالباً ما تحدث في الليل، كما ظلت القوات الخاصة الروسية وعملاء الاستخبارات في حالة تحرك بحسب ما يقول موقع “فورين أفيرز”، ما يشير إلى أن موسكو لا تخادع وربما تكون مستعدة لحرب يتطلع بوتين من ورائها إلى التأثير وليس اختبار ردة فعل الرئيس الأميركي جو بايدن كما فعل في الربيع.

وأشار الخبير العسكري مايكل كوفمان إلى أن القوات الروسية ربما تستعد لتنفيذ عملية في أوكرانيا خلال موسم العطلات المقبل، فيما يخشى آخرون من إمكانية أن تحرك روسيا قواتها بالقرب من أوكرانيا على سبيل التضليل، بينما ترغب في تحقيق مزايا من منظور بوتين الذي يرغب في دعم قاعدته الشعبية القومية مؤقتاً، كما حدث مع الضم المفاجئ لشبه جزيرة القرم عام 2014.

خطوط روسيا الحمراء

وفي ظل هذه الأجواء المقلقة، يعتقد كثير من المراقبين الأميركيين أن خطر نشوب صراع عسكري جديد يتزايد بشكل كبير بعدما بات جلياً أن بوتين يبدو مستعداً أكثر من أي وقت مضى، لتحمل أخطار أكبر من أجل إجبار الغرب على تلبية المطالب الروسية، واحترام الخطوط الحمراء التي قال بوتين نفسه في تصريحات أخيرة إن الغرب يستخف بها، وهو ما يتماشى مع أفعال الرئيس الروسي على أرض الواقع من حيث استعراض القوة العسكرية الروسية، عبر تحليق القاذفات النووية الروسية البعيدة المدى في دوريات متكررة بالقرب من حدود الاتحاد الأوروبي في بولندا، وتعزيز الحشود العسكرية غير المبرر وبشكل خفي في جنوب غربي روسيا.

ولهذا يحذر مسؤولو الاستخبارات الأميركية والأوروبية من أن يمهد ذلك الطريق لغزو روسي جديد لأوكرانيا، التي اعتبر الكرملين في سبتمبر (أيلول) الماضي أن توسع الناتو على الأراضي الأوكرانية سوف يتجاوز أحد الخطوط الحمراء بالنسبة إلى روسيا، خصوصاً أن دول البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي أصبحت الآن أعضاء في حلف الناتو وتستضيف أراضيها قوات أميركية وغربية، فضلاً عن تدعيم الغرب المعارضة المناهضة لرئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو، الذي يعد أقرب حليف لروسيا.

ويعود قلق موسكو إلى أن الولايات المتحدة تدرب القوات الأوكرانية وتزودها بالأسلحة. وفي الأسابيع الأخيرة، أثار النشاط العسكري للولايات المتحدة وحلفائها في منطقة البحر الأسود بالقرب من أوكرانيا مخاوف روسية أكبر، واستخدام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نبرة مناهضة لروسيا على نحو متزايد بعد أن اطلع مسؤولون أوكرانيون على تقارير أميركية حول حشود روسيا على حدودها.

دوافع بوتين

وترجع صحيفة “نيويورك تايمز” دوافع بوتين إلى أنه يشعر بثقة متزايدة، بعدما تمكن من التصدي لتحديات لحكمه هذا العام من قبل زعيم المعارضة المسجون أليكسي نافالني، بينما يستمر في اعتقال شخصيات معارضة أخرى أو إجبارهم على النزوح خارج روسيا، ويحافظ على نسبة تأييد تزيد على 60 في المئة في استطلاعات الرأي، وحقق حزبه “روسيا المتحدة” فوزاً كبيراً في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في سبتمبر، ما أثار القليل من الاحتجاجات على الرغم من وجود أدلة على حدوث تزوير.

والأهم من ذلك أن بوتين يقود بوضوح الجيش ويدفعه إلى تطوير أسلحة أكثر حداثة، مثل الصواريخ المتطورة التي تفوق أضعاف سرعة الصوت، والطوربيدات التي تعمل بالطاقة النووية، فضلاً عن بناء روسيا شراكة أقوى مع الصين، تجسدت عندما أجرت الدولتان دوريات بقاذفات استراتيجية مشتركة فوق المحيط الهادئ.

هل سيهاجم أوكرانيا؟

غير أن ميليندا هارينغ، نائبة مدير مركز أوراسيا في المجلس الأطلسي، تحذر من أن هناك العديد من العوامل التي تشير إلى أن بوتين سوف يضرب أوكرانيا مرة أخرى، لأنه يريد تعزيز إرثه كواحد من أعظم القادة الروس، إذ تقاس العظمة في التاريخ الروسي بالفتوحات الإقليمية، وليس الناتج المحلي الإجمالي أو المكانة الدولية. ففي القرن الخامس عشر، سجل إيفان العظيم مكانه في التاريخ الروسي من خلال استعادة الأراضي التي احتلها المغول واحتفظوا بها لمدة قرنين من الزمان. وبعد الثورة الروسية عام 1917، تفككت إمبراطورية القيصر نيقولا الثاني، وأعاد البلاشفة، الذين استولوا على السلطة بعد الثورة، تشكيل الإمبراطورية الروسية في سلسلة من الصراعات الدموية، بما في ذلك الحرب مع بولندا. أما جوزيف ستالين، الذي لعب دوراً رئيساً في هذا الجهد، فقد هزم النازيين في موسكو خلال الحرب العالمية الثانية، وواصل توسيع الإمبراطورية السوفياتية عن طريق السيطرة على أوروبا الشرقية. ولم يقم أحد بإعادة توحيد ما يعتبره بوتين وقادته أراضي تاريخية لروسيا بعد انهيار الإمبراطورية السوفياتية، ما وصفه بوتين بأنه أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين.

وبحسب هارينغ، فإن الزعيم الروسي يعلم أنه من المحتمل أن يفلت من عقاب غزو أوكرانيا، إذ ينظر إلى أوروبا ويجدها بلا قيادة واضحة، وهناك فوضى داخلية في الولايات المتحدة، ولهذا يثق بأنه يتمتع بحرية التصرف في أوروبا الشرقية، بينما يرى أرقام شعبية بايدن المتراجعة، وعزوف الولايات المتحدة عن خوض المزيد من المغامرات العسكرية الخارجية بعد الانسحاب المتهور من أفغانستان، وانشغال واشنطن مع الصين.

وعلى الرغم مما وصفه بلينكن بأنه التزام غربي صارم بسيادة أوكرانيا واستقلالها، فإن أوروبا لا تملك القوات الدفاعية الكافية للتصدي للقوات الروسية، ولن تخوض واشنطن حرباً دفاعاً عن أوكرانيا، ولذا قد يستنتج بوتين أن أكثر ما سيفعله الغرب على الأرجح هو التوبيخ وفرض عقوبات أكثر صرامة.

لحظة الصواريخ الكوبية

ويقول ديمتري ترينين، رئيس مركز أبحاث مركز “كارنيغي” للسلام في موسكو، إن اللحظة الحالية بالنسبة إلى روسيا، قد تبدو وكأنها انعكاس لأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما كان الرئيس الأميركي جون كينيدي مستعداً للمخاطرة بحرب نووية لمنع الاتحاد السوفياتي من إطلاق صواريخ على أميركا من كوبا على بعد 100 ميل فقط من سواحل فلوريدا. وبالمثل ينظر الكرملين بشكل متزايد إلى أوكرانيا على أنها حاملة طائرات غربية متوقفة على الحدود الجنوبية الغربية لروسيا.

لذا قد يعتقد بوتين أن الوقت قد حان لتغيير التوجهات في سياسة روسيا عبر استخدام لغة القوة، بعدما توصل إلى نتيجة مفادها أن القنوات والوسائل الدبلوماسية العادية لم تعد تعمل، ومن المحتمل أن يكون الوضع سيئاً لهذا السبب.

وعلى الرغم من أن بوتين لم يكن لديه اهتمام كبير بغزو واحتلال دول أخرى، بالنظر إلى أن الغزو السوفياتي لأفغانستان في الثمانينيات ساعد في التعجيل بانهيار الاتحاد السوفياتي، فإن بوتين أوضح أن تأمين التزام دولي تجاه أوكرانيا كدولة محايدة، مع منح شرقها الموالي لروسيا بعض الحكم الذاتي، يمثلان أولوية حاسمة بالنسبة إلى الكرملين.

خطاب عدائي

وانعكاساً لهذه الثقة، ارتفع خطاب موسكو العدائي تجاه أوكرانيا بحسب موقع “فورين أفيرز”. ففي يوليو (تموز) من العام الحالي، لاحظ مراقبون رغبة انتقامية في مقال لبوتين مكون من 5000 كلمة حول وحدة الشعبين الأوكراني والروسي، شكك خلاله في شرعية حدود أوكرانيا، مفترضاً أن أوكرانيا الحديثة تقع على الأراضي التاريخية لروسيا. واختتم المقال برفض السيادة الأوكرانية، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تصدر بوتين عناوين الصحف بزعمه أن أقلية قومية عدوانية تسيطر على أوكرانيا وأن الفاشيين يديرون كييف، وهي حجة استخدمها كذريعة لغزو دونباس في عام 2014. كما أن ديمتري ميدفيديف، حليف بوتين الذي شغل منصب الرئيس ورئيس الوزراء، كتب مقالاً يجادل فيه بأنه لا معنى له للتواصل مع قادة أوكرانيا، لأن الهوية الأوكرانية ليست حقيقية والبلاد تحت السيطرة الأجنبية.

ووسط هذه التوترات والخطابات العدائية، تواصل روسيا محادثات مع واشنطن حول مجموعة من القضايا كمقدمة لاجتماع قمة ثانية بين الرئيسين بوتين وبايدن، إذ يأمل الكرملين في الحصول على تأكيدات بأن نفوذه في أوروبا الشرقية سيحترم عبر ضمانات جادة طويلة الأجل تضمن أمن بلاده في المنطقة.

وقف الدب

وفي حين أن إدارة بايدن سعت إلى تحقيق مبدأ الاستقرار والقدرة على التنبؤ في العلاقة مع موسكو، لكن البيت الأبيض بدأ في تغيير مساره في ضوء تحركات بوتين المتزايدة. فقد أرسلت الولايات المتحدة مساعدة عسكرية دفاعية إضافية إلى أوكرانيا وتشاركت معلومات الأقمار الاصطناعية مع الأوكرانيين، وإذا صعدت موسكو تحركاتها، ستكون الخطوة التالية حسب معظم المراقبين، فرض عقوبات أميركية بالشراكة مع الأوروبيين.

لكن يبدو أن العقوبات ليست السهم الوحيد في جعبة الولايات المتحدة، إذ يمكن لها أن تساعد أوكرانيا بعدائية أكبر تجاه الدب الروسي، حسبما تقول هارينغ، بعدما قطعت القوات الأوكرانية شوطًا طويلاً من التدريب بعد عام 2014، وبما جعل الأوكرانيين أكثر المتمردين فتكاً في العالم. كما يمكن استخدام وسائل الإعلام لتقويض الشرعية والإرادة السياسية للقوات الروسية. ولأنه ليس لدى موسكو رغبة في القيام بعمليات مكافحة التمرد، لذلك يجب على واشنطن بحسب محللين سياسيين في واشنطن، أن توضح أن غزواً روسياً آخر لأوكرانيا قد يؤدي إلى حرب عصابات مكثفة، بينما على الصعيد الدبلوماسي، ينبغي أن يعمل فريق بايدن على حل الأزمة الخطيرة على الحدود البيلاروسية لنزع فتيل القنابل الدبلوماسية والإنسانية التي يزرعها بوتين ووكلاؤه على الطريق لقارة مستقرة ومزدهرة.

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر