كيف تستغل الجماعات الإرهابية جائحة “كورونا”؟

التاريخ والوقت : الإثنين, 4 مايو 2020

د. مروة نظير

 

أدى انتشار وباء كورونا إلى تغيير العديد من ديناميكيات العملية السياسية على مختلف الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. بيد أنه من اللافت للنظر أن الفاعلين المنتسبين للتيارات الإرهابية بمختلف أيديولوجياتها، أبدوا قدرات ملحوظة على التأقلم السريع مع تلك التغيرات الناجمة عن أزمة انتشار فيروس كورونا. بل اتجهت بعض الجماعات الإرهابية إلى توظيف الفيروس كأداة لتحقيق أهدافها مثل محاولة بعض الإرهابيين في تونس نشر الفيروس بين رجال الأمن خلال الشهر الجاري، ويُمكن من خلال متابعة سلوكيات جماعات التطرف العنيف على مستوى العالم خلال الأسابيع الماضية، رصد عدد من المسارات ظهرت من خلالها تأثيرات فيروس كورونا على تحرك تلك الجماعات، أو بالأحرى مسارات توظيف تلك الجماعات لفيروس كورونا لخدمة غاياتها.

تصاعد عمليات التجنيد:

عصفت جائحة كورونا (كوفيد-19) بمعظم دول العالم، تاركة الغالبية العظمى من البشر في حالة من الارتباك وعدم اليقين بشأن سبل التعامل مع العدوى، وآليات الوقاية والعلاج، وأداء المؤسسات الصحية في الدول المختلفة، فضلًا عن تأثيرات تلك الأزمة السلبية على الصعد الاجتماعية والنفسية والاقتصادية بسبب العزل والتباعد الاجتماعي الذي فرضته هذه الأزمة. وكما يحدث عادةً في أوقات الحيرة وعدم اليقين، سارع الإرهابيون والجماعات المتطرفة -من مختلف ألوان الطيف العقائدي- إلى بث خطابات الكراهية وآرائهم المتطرفة، لا سيما عبر شبكة الإنترنت التي باتت المنفذ الأول لملايين البشر القابعين في منازلهم تطبيقًا للتباعد الاجتماعي وخوفًا من التعرض لوباء كورونا.

ومن ثم يحذر كثيرون من أن مواقع التواصل الاجتماعي أضحت زاخرة بالمعلومات المضللة التي تبثها تلك الجماعات لنشر الكراهية، كما تتيح تلك المواقع -في ظل هذه الظروف الاستثنائية- الفرصة للجماعات المتطرفة للتواصل مع جمهور آخر غير الذي درجوا على الوصول إليه.

استغلال الانشغال الأمني:

أما على الصعيد العملياتي، فهناك تحذيرات عدة من أن الجماعات الإرهابية على اختلاف توجهاتها يمكن أن تستغل انشغال الدول القومية على مستوى العالم في مكافحة تفشي فيروس كورونا ومعالجة تداعياته، لزيادة العمليات الإرهابية والأعمال العدائية كي تزيد من مكتسباتها على أرض الواقع. وتجدر الإشارة -في هذا السياق- إلى تحذير مفوض مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي “إسماعيل شرقي”، من انعكاسات تفشي كورونا في إفريقيا في ظل رفض المجموعات الإرهابية والمسلحة إسكات صوت البنادق، إذ يتوقع استغلال الجماعات الإرهابية والمسلحة تفرغ بلدان القارة الإفريقية لمكافحة فيروس كورونا للقيام باعتداءات إجرامية خطيرة، خاصة وأن دول القارة ستدفع بجيوشها إلى الميدان للمساهمة في مكافحة تفشي الفيروس، ما يترك فراغًا أمنيًّا تستغله هذه التنظيمات الإجرامية.

على صعيد سوريا والعراق، شهدت الأسابيع الماضية عودة تحركات تنظيم “داعش” بسبب عثور عناصر التنظيم على مناطق هشّة يسهل التمدد أو النشاط فيها، لانشغال القوات الأمنية بإجراءات حظر التجوال وتطبيقه في مراكز المدن وأيضًا نظام المناوبات المعمول به للتقليل من العدوى في صفوف قوات الأمن، كما أعلن حلف شمال الأطلسي أن تدريب الجنود بسبب الوباء سيُلغى لمدة 60 يومًا في العراق. وقلص وزير الدفاع البريطاني تدخل قوات بلاده لانخفاض وتيرة التدريب.

فضلًا عن أن التحالف المضاد لـ”داعش” في العراق وسوريا مضطر لاتخاذ تدابير لمنع تفشي الوباء داخل وحداته العاملة هناك. وأدت كل هذه التغييرات إلى تمكين التنظيم من تطوير نفسه ليتحول من مجاميع تقاتل بطريقة عشوائية إلى مجاميع تقاتل في قواطع وكتائب بجغرافيا محددة بصلاحيات لا مركزية. وفي الأيام الخمسة الأولى من شهر إبريل الجاري، نفذ التنظيم عدد من العمليات في مناطق شمال بغداد وديالى.

كما يتصاعد خطر تحرير مقاتلي التنظيم ونسائهم وأطفالهم من السجون في العراق وسوريا إذا ما تفشى الفيروس في السجون ومعسكرات الاعتقال، وهي الحالة المحتملة الآن، في ضوء توقعات بتخلّي المسؤولين عن إدارة بعض السجون عن مهامهم، وهو ما سيكون مكسبًا يحقق نقلة نوعية لـ”داعش”.

توظيف فيروس “كورونا”:

مع زيادة معدلات انتشار فيروس كورونا، حذرت العديد من الجماعات الإرهابية أعضاءها من السفر إلى أوروبا وغيرها من المناطق المتضررة من تفشي الفيروس. لكن قام بعضها بالدعوة للجهاد، معللةً ذلك بأن مقاتليها “سيحصلون على حماية إلهية من الفيروس” إذا ما شاركوا فيما يُسمونه الجهاد، وتزايدت التخوفات من أن تقوم هذه الجماعات بتجنيد أو بالأحرى توجيه المقتنعين بأفكارها من المصابين المؤكدين أو المحتملين بفيروس كورونا لنشر الإصابة بهذا الفيروس القاتل بين الفئات المستهدفة من قبلها كقوات الأمن مثلًا.

تجلى ذلك في تونس مثلًا، حيث أحبطت وزارة الداخلية التونسية مخططًا “إرهابيًّا” لأحد العناصر التكفيرية، والذي يهدف لنشر فيروس كورونا بين عناصر الأمن والشرطة والجيش جنوب البلاد، حيث استغل المشتبه به سلطته المعنوية على باقي العناصر التكفيرية بالمنطقة، خاصة أولئك الحاملين لأعراض فيروس كورونا المستجد، وقام بتحريضهم على تعمد العطس والكحة ونشر البصاق في كل مكان خلال تواجدهم داخل الوحدة الأمنية، حيث يقومون بإجراءات المراقبة الإدارية، وذلك بهدف “إصابة الأمنيين بالعدوى”.

حيث اعترف أحد “العناصر التكفيرية ممن تم تحريضهم، بتلقيه مثل هذه التعليمات، وعجزه عن القيام بذلك بسبب الإجراءات الوقائية التي تتخذها القوات الأمنية. وفي نيوزيلندا، تعمد أشخاص مصابون بفيروس كورونا البصق على أفراد للشرطة، حتى إن مفوض الشرطة النيوزيلندية “أندرو كوستر”، اعتبر أن البصق يُعد خطرًا متصاعدًا على كل من عناصر الشرطة والمجتمع أثناء جائحة كورونا، مهددًا مرتكبي ذلك الفعل بعقوبة السجن لمدة 14 عامًا.

في السياق ذاته، كشفت وثيقة أمنية داخلية لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف.بي.آي)، أنّ الإرهابيين العنصريين يناقشون إمكانية استخدام الفيروسات، وبالأخص فيروس كورونا، لتنفيذ هجمات إرهابية، باعتباره سلاحًا بيولوجيًّا، وذلك عبر خيارات عديدة، مثل ترك اللعاب على مقابض الأبواب في مكاتب محلية لضباط “إف.بي.آي”، والبصق على أزرار المصاعد في أحياء غير البيض (خصوصًا السود واليهود)، ووضع الفيروس في معلبات رش للقيام بنشر رذاذه في تلك الأحياء. وكشفت المخابرات الأمريكية أن تلك المجموعات كانت تستعد بالفعل لإطلاق مجموعة من الهجمات المنظمة عن طريق زجاجات وبخاخات محملة برذاذ الفيروس في عدة مدن وولايات أمريكية، مستهدفين بها تجمعات معينة لنشر الفيروس بصورة واسعة بينها.

ولعل هذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش” في أبريل 2020 للتحذير من خطر متصاعد في المستقبل يتمثل في شنِّ الإرهابيين هجمات بيولوجية سامة تهدف إلى انتشار أوبئة قاتلة مثل وباء كورونا، مؤكدًا “أن صور الضعف والقصور في الاستعدادات في مواجهة الوباء الآن تعطي رؤية عما يمكن أن يكون عليه هجوم وبائي محتمل على يد الإرهابيين، ويمكن أيضًا أن ترفع من مقدار الخطورة التي تنشأ عن هذه الهجمات”.

تتبدى ملامح ذلك المسار بشكل خاص مع تحركات قوى اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما تأكد مع تحذير الاستخبارات الداخلية الألمانية من استغلال اليمين المتطرف (تحديدًا مجموعات فاشية ونازية جديدة تعمل بشكل منسق في إسكندنافيا وألمانيا) لأزمة جائحة كورونا لتقويض الثقة في الحكومة الألمانية، ونشر نظريات المؤامرة، ووصم المهاجرين بحاملي الفيروس، فضلًا عن وضع سيناريوهات للانهيار للحصول على تأييد مواقفها المتطرفة، وخلق أجواء ارتباك، والدفع بالمجتمعات إلى ما يؤمنون به من خلال حروب أهلية “تُسقط الأنظمة الديمقراطية” ليتسنى لهم الوصول إلى الحكم.

كما تزيد المخاوف مما يُسمى بالإرهاب الأبيض في أمريكا، حيث حذر تقرير صادر عن وزارتي العدل والأمن الداخلي، بمشاركة المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، من أن المجموعات العنصرية قد تستغل الأجواء الراهنة لشن هجمات “ضد الآسيويين واليهود” في أمريكا، على خلفية أدبياتها الداخلية التي تحمّل مسؤولية انتشار الفيروس “لمؤامرة يهودية أو صينية”. وشدد التقرير على أن تلك المجموعات العنصرية تعبئ قواعدها على أرضية قناعاتها بـ”عدم قدرة أجهزة الشرطة والأمن على اعتراض الهجمات المقررة ضد الأقليات، أو السيطرة على الاحتجاجات”. وتوقع التقرير بناء على ذلك تصاعدًا في جرائم الكراهية ضد الأمريكيين من أصول آسيوية وآسيويين آخرين في غضون الشهرين المقبلين أو الثلاثة المقبلة، الأمر الذي يجعل الكونجرس في مواجهة تحدٍّ دستوري بين المطالبة بمعاملة تلك المجموعات “الداخلية” على قدم وساق مع “الإرهابيين الأجانب”، وبين عدم توفر نصوص تسمح بذلك.

 

المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر