كيف تستخدم إيران حزب الله في بريطانيا؟

التاريخ والوقت : الأربعاء, 21 أغسطس 2019

في القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، تدخلت بريطانيا -في أحيان كثيرة- في الشؤون الداخلية لإيران، في إطار المنافسة بين الإمبراطورية البريطانية وروسيا القيصر. في المقابل، وعقب اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، تدخلت إيران كثيرًا في الشؤون الداخلية البريطانية. ومن بينِ الأدوات الرئيسية التي استخدمها النظامُ الديني الإيراني في هذا التدخل “حزب الله” -وهو الميليشيا التي تهيمن على السياسة اللبنانية حاليًا- وتُظهر التقارير الأخيرة مدى توسيع النفوذ الإيراني؛ وأداته: حزب الله، لنفوذهما في بريطانيا.

الجدير بالذكر أن إيران كانتِ الدعامةَ الرئيسة للبنية الأمنية الغربية في الشرق الأوسط من عام 1941 حتى عام 1979 تحت حكم آخر شاه حكم إيران، وهو محمد رضا بهلوي. فلم تكن إيران -كما كتب أنتوني بارسونز السفير البريطاني الأخير لدى نظام بهلوي في مذكراته «الكبرياء والسقوط»: “مصدرًا للنفط الخام فقط.. بل شريكًا استراتيجيًا في جزءٍ مضطربٍ من العالم، وسوق سريع النمو للصادرات البريطانية”.

كانت إيران، كما يصف بارسونز، “واحدةً من دول العالم الثالث القليلة.. التي تقترب من اختراق حاجز التخلف”. فلقد قام الشاه بوضع أسس تدعيم استقرار دولة مُعرَّضة للاضطراب والانقسام، حيث أدخل نظام الإصلاح الزراعي، ووضع حدًا لهيمنة رجال الدين، وسار في طريق علْمنة الدولة، وأدخل النساء والأقليات الدينية في الحياة السياسية والاقتصادية للمجتمع، واستخدم المال الذي يجنيه من الازدهار النفطي في تسريع عجلة التصنيع، وبدأت عملية ليبرالية كان متوقعًا لها أن تنتهي إلى حكومة ديمقراطية يُشرف عليها نظام ملكي صوري إلى حد كبير.

غير أن الأمور لم تسِر على هذا النحو، إذ اندلعت انتفاضة ضد الشاه في عام 1978 واستمرت لمدة عام. لم يتمكن الشاه من التوصل إلى تسويةٍ سياسية. ونظرًا لعدم رغبة الشاه في سفك الدماء لإنقاذ عرشه، ذهب إلى المنفى في يناير 1979، واستولى آية الله روح الله الخميني على السلطة في الشهر التالي. وهكذا أُنشئت أول دولة إسلامية في العصر الحديث.

لكن الأمر المهم الذي ينبغي فهمه عن حزب الله هو أنه سابق على الثورة الإيرانية: فكما كتب الباحث في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” توني بدران، ظهر حزب الله في لبنان في أواخر السبعينيات، كانشقاقٍ متطرف عن حركة شيعية بقيادة موسى الصدر. وكان مؤيدو الخميني هم الذين قتلوا الصدر في ليبيا في صيف عام 1978 -مما أدى إلى إزالة أحد الحواجز المحتملة النهائية أمام انتصار الخميني في إيران- وكان من المقرر نقل الهياكل المسلحة التي نشأت في لبنان، بمساعدة منظمة التحرير الفلسطينية، إلى إيران بمجرد رحيل الشاه لتشكيل نواة فيلق الحرس الثوري الإيراني.

ويمكن القول إن الحرس الثوري الإيراني هو هيكل شبه عسكري مكلَّف بحماية النظام الإسلامي في إيران، وتصدير الثورة خارج الدولة، باستخدام العنف، والوسائل التخريبية الأخرى. هذه التكتيكات هي التي دفعت الولايات المتحدة إلى تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية في وقت سابق من هذا العام.

وكما يتضح من السرد التاريخي المذكور أعلاه، فإن حزب الله، الذي غالبًا ما يُطلق عليه اسم “وكيل” لإيران، ليس شيئًا من هذا القبيل. حزب الله هو مكون عضوي في الحرس الثوري الإيراني. ولهذا السبب، من بين أمور أخرى، وكما أوضح موقع “عين أوروبية على التطرف” في وقتٍ سابق، فإن نهج الاتحاد الأوروبي المتمثل في إدراج “الجناح السياسي” فقط لحزب الله في القائمة السوداء لا معنى له. إذ لا يوجد فصل داخل حزب الله بين عملياته السياسية والعسكرية، كما لا يوجد انفصال عن هيكل قيادة الدولة الإيرانية.

ومن ثم، فإن تصنيف بريطانيا لحزب الله بأسره كمنظمة إرهابية في شهر فبراير يُعد في الواقع خطوة طال انتظارها. خاصة وأن للحزب داخل بريطانيا، نشاطين أساسيين، أحدهما سياسي، والآخر عنيف.

 

بدايةً، من المهم الإشارة إلى أن عمليات التأثير السياسي تتخذ أشكالًا عدة، وقد وثّق باحثون استخدام الإيرانيين التضليل الإعلامي على الإنترنت وحملات القرصنة ضد دول “الخمسة أعين” ]مصطلح يشير إلى تحالف مخابراتي يشمل كلًّا من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، إثر معاهدة تختص بمجال التعاون المشترك في مجال الاستخبارات[، وعلى الأرجح استخدمت إيران هذه الوسائل، بمساعدة روسيا والصين. بالإضافة إلى الحملات الإعلامية، وثَّقت دراسةٌ بحثية مهمة أن اللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان في بريطانيا تُعد عنصرًا مركزيًا للدعاية الخمينية هناك، وترتبط بشبكةٍ من وسائل الإعلام الأخرى مثل “برس تي في”، وهي قناة الدعاية للنظام الإيراني باللغة الإنجليزية.

تمتلك إيران بنيةً تحتية إرهابية عالمية، ويوجد جزءٌ منها في بريطانيا. وقد كشفت صحيفة “ديلي تلجراف” مؤخرًا أن عناصر من حزب الله خزَّنوا ثلاثة أطنان من متفجرات نترات الأمونيوم في أربعة عقاراتٍ في شمال لندن استعدادًا لتنفيذ أعمالٍ إرهابية. وقد تم تفكيك المؤامرة في أواخر عام 2015، بعد أشهر فقط من توقيع بريطانيا على الاتفاق النووي، خطة العمل الشاملة المشتركة، التي أُفرج بموجبها عن عشرات المليارات من الدولارات للنظام الديكتاتوري الإيراني، والتي استخدمت لدعم المطامع التوسعية الإقليمية لطهران. ولم تكشفِ الحكومةُ البريطانية عن هذه المؤامرة للرأي العام، في ذلك الوقت، لاستثمارها السياسي في خطة العمل المشتركة الشاملة.

إلى جانبِ ذلك، استخدمت إيران حزب الله لدعم نفوذها في بريطانيا، فهو الذي أنشأ ويدير الخلايا الإرهابية في بريطانيا وأوروبا التي يمكن لإيران استخدامها في شنّ عملياتٍ انتقامية، إذا ما اتخذ الغرب خطواتٍ جادة لعرقلة حملة القرصنة التي تقوم بها في مضيق هرمز، وفي أماكن أخرى في أعالي البحار.

وختامًا، لقد اتخذتِ الحكومةُ البريطانية العديدَ من الخطوات الإيجابية هذا العام، منها تصنيف حزب الله، بأكمله، منظمةً إرهابية، وفضح الانتهاكات التي يقوم بها على الأراضي البريطانية. وهكذا، يجب مواصلة اتخاذ مثل هذه الخطوات، وتكثيف الجهود للتعامل مع هذه الجماعة الجهادية الشيعية بالطريقة التي يُعامل بها المتطرفون السنّة، مع اتباع نهج واسع النطاق لعرقلة أنشطة جمع الأموال والتجنيد والدعاية.

 

المصدر: عين أوروبية على التطرف

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر