كورونا و”عولمة الفيروسات”.. عن الأمراض المعدية وتداعياتها

التاريخ والوقت : الأربعاء, 18 مارس 2020

في يوم 31 ديسمبر 2019 أعلنت الصين عن تفشي مرض أطلق عليه اسم “كوفيد ــ 19” في مقاطعة هوباي، وهو المرض الذي يصيب من ينتقل إليه فيروس كورونا. بعد أقل من عشرة أسابيع، في 4 مارس 2020 أعلنت منظمة الصحة العالمية أن المرضى في العالم وصلوا إلى 92.943 حالة تسببت في وفاة 3.160 مريضًا. وفي 13 مارس، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن أوروبا أصبحت بؤرة وباء فيروس كورونا المستجد، إذ يتم الإبلاغ عن حالات وفيات وإصابات أكثر من بقية العالم مجتمعة باستثناء الصين. ويتم الإبلاغ عن حالات أكثر كل يوم مما تمَّ الإبلاغ عنه في الصين في ذروة تفشي الوباء. وهناك 132 ألف حالة إصابة بالمرض من 123 دولة وإقليم، بالإضافة إلى 5 آلاف قتيل حتى يوم 13 مارس.

المدير العام للمنظمة كرر التشديد على أن للمرض آثاره على الصحة العامة وعلى الاقتصاد، كما أن له أبعاده الاجتماعية والسياسية. المدير العام أكد أن المنظمة ستستمر في إعطاء المشورة للدول والأفراد بشأن تقويم المخاطر وإدارتها لتمكنهم من اتخاذ قرارات بناء على معلومات وتحليلات موثوق بها.

تصدي منظمة الصحة العالمية للمرض وتعبئتها لمواردها وجهودها، بما في ذلك المؤتمرات الصحفية شبه اليومية التي يعقدها مديرها العام بشأن انتشار المرض ومكافحته، وانتقال بعثات منها إلى الصين وكذلك إلى إيران للدراسة والمساعدة على وقف انتشار الفيروس وعلاج “كوفيد ــ 19″، كلها مظاهر؛ لأن المرض – وإن كان ظهر في الصين – فهو يضرب النظام الدولي المتعولم كله. في عصر العولمة الحالي حيث التقدم العلمي والتكنولوجي المتنامي في وسائل الاتصال ووسائط النقل، تنتشر الآفات بسرعة هائلة، فتعم مثلاً آثار الأزمة المالية العالمية في 2008 – 2009 أو أعراض “كوفيد ــ 19” والإصابة بفيروس كورونا بشكل شبه فوري.

عولمة الفيروسات

الانتقال المرعب والمذهل للفيروسات بسبب حركة السفر والتنقل الميسر جعل واقع “عولمة الفيروسات” مسألة حقيقية، انتقلت من دفات روايات الخيال العلمي إلى الواقع المعيش اليوم. لم تعد الفيروسات “معزولة” جغرافيًا، ولعل آخر هذه الأمثلة كان فيروس “إيبولا” الذي بقي إلى حد بعيد في حدود داخل القارة الإفريقية، ولكن اليوم هناك حالة من الهلع والخوف والقلق في التعامل مع هذا المرض الجديد، وخصوصًا أنه لا مصل له، ومن ثم لا علاج له.

 في القرن الرابع عشر ظهر الطاعون في نفس مقاطعة هوباي الصينية وراح ضحيته 5 ملايين صيني أغلبهم من هذه المقاطعة. حدث هذا في الثلاثينيات من ذلك القرن، ولكن الأمر استغرق سنوات حتى وصل المرض إلى إيران ومنها انتقل بعد سنوات عديدة إلى إيطاليا حيث دخلها في 1347 من ميناء جنوا، ومن إيطاليا انتشر في أوروبا. في إيران وفي أوروبا حصد الوباء أرواح نصف سكان كل منهما.

العولمة تنقل العلل الاجتماعية والاقتصادية وكذلك الفسيولوجية بسرعة لا يقارن بها بطء الحركة والإيقاع في القرن الرابع عشر. في ذلك الزمان كان العالم معصومًا من آثار سرعة الانتقال والالتقاء والانتشار. ولكن في المقابل، عالم اليوم – وإن كان ضحية السرعة التي ارتفع إيقاعها في القرون السبعة الماضية – فهو أيضًا المستفيد بها، فلقد ارتفعت سرعة الاكتشافات العلمية التي تُمَكِّن العالم من التصدي بكفاءة للعلل التي تصيبه.

أعاد فيروس كورونا الجدل حول قضية العولمة بآثارها الإيجابية والسلبية، فما بدأ في الصين كان له تأثير على العديد من الدول وعلى الاقتصاد العالمي، إذ تمَّ إلغاء العديد من الرحلات الجوية من وإلى الصين للمساعدة في احتواء الفيروس، كما أغلقت العديد من الشركات العالمية متاجرها في الصين ولو مؤقتًا، مثل: شركة آبل، وستاربكس، وماكدونالدز، وغيرها من رموز العولمة الاقتصادية. كما تعطلت خطوط الإمداد من الشركات الصينية التي تغذي الكثير من الصناعات حول العالم. وتشير التحليلات إلى أن الآثار السلبية على الاقتصاد العالمي من فيروس كورونا ستكون أكبر بكثير من الآثار التي ارتبطت بوباء “سارس” الذي ضرب الصين منذ ١٧ عامًا، لأن الاقتصاد الصيني أصبح أكبر بثماني مرات مما كان عليه عام ٢٠٠٣، والصين أصبحت أكبر دولة مصدرة ومستوردة في العالم.

وإذا كانت العولمة انتهت اقتصاديًا أو تعاني على الأقل بسبب الأحداث الأخيرة، فإن عولمة الأمراض والفيروسات لا تزال موجودة. فيروس كورونا مرض خطير جدًا، ويجب أن يتم التعامل معه بشكل استباقي بكل ما يمكن. كانت الفيروسات التي تصيب الحاسب الآلي أكبر همومنا يومًا ما. الفيروسات تزداد قوة وتتطور وتتأقلم مع المقاومة ضدها، وفي ظل مغامرات الإنسان في منظومة غذائه تختفي خطوط الممنوع والمحرم أكله في مملكة الحيوان، ولذلك تظهر هذه النوعية من الأمراض الفتاكة وستستمر في الظهور.

هناك تقارير صادرة من الولايات المتحدة الأميركية تقول إنها حذرت الصين مرارًا من أن هناك قصورًا في جودة المراقبة وخللاً في إدارة المختبرات الصحية سيسببان تسرب فيروس فتاك لا يمكن السيطرة عليه. في كل الأحوال هناك كرة ثلج كارثية تتدحرج.

الأوبئة وآثارها.. من الإنفلونزا لـ”كورونا”

المهتم بالأمراض والأوبئة وآثارها في العالم والتصدي لها يشير دومًا إلى الإنفلونزا الإسبانية التي ضربت العالم منذ قرن من الزمان، وكان أول ظهورها نهاية سنة 1918 بانتهاء الحرب العالمية الأولى. مذبحة الحرب العالمية الأولى راح ضحيتها حوالي العشرين مليونًا من البشر، أمَّا الإنفلونزا الإسبانية فقد سقط من جرائها خمسون مليونًا على الأقل، وتذهب بعض التقديرات إلى مئة مليون من البشر، منهم 675,000 في الولايات المتحدة وحدها، أي ما يعادل عدد الضحايا الأميركيين للحرب العالمية الثانية تقريبًا. الاعتقاد هو أن البكتيريا المتسببة في الإنفلونزا الإسبانية نشأت في الظروف المعيشية المزرية في خنادق الجنود على الحدود الفرنسية الألمانية، فلما سُرِّحَ الجنود نقلوا المرض معهم إلى أسرهم وقراهم ومدنهم.

منذ مئة عام، أي منذ فترة قريبة جدًا بمعيار تاريخي، لم يفهم بنو الإنسان ماذا أصابهم. بعضهم ذهب إلى أن السبب في الحمى التي أصابتهم هو أثر عدم الاتساق في ترتيب الكواكب، ومن هنا استخدام كلمة “إنفلونزا”، وهي “الأثر” باللغة الإيطالية للدلالة على هذه الحمى. آخرون اعتبروا أن حممًا بركانية هي السبب في الحمى. كانت خمس عشرة سنة ضرورية لكي يخرج عالمان في الثلاثينيات الأولى باكتشاف شيء اسمه “فيروس” واعتباره مسؤولاً عن الإنفلونزا الإسبانية. ومرت سنوات أخرى حتى أمكن تصوير هذا “الفيروس” باستخدام المجهر في سنة 1940.

قارن بالوقت الحالي. منذ أن ظهر “كوفيد ــ 19” عند نهاية ديسمبر من العام الماضي، اشتبه العلماء في أن السبب فيه هو فيروس، ولم يمر أسبوعان حتى كانوا قد حددوا أنه فيروس كورونا ورسموا تتابع الجينوم الخاص به واكتشفوا أن الخفافيش هي مصدره الأكثر احتمالاً بين الحيوانات. في خلال الأعوام المئة الماضية تمخض العلم عن اكتشاف المضادات الحيوية بعد عشر سنوات من اندلاع الإنفلونزا الإسبانية، ثم انتشر استخدامها في الأربعينيات إبان الحرب العالمية الثانية. ثم إن المضادات لا تعالج الفيروسات، ولكنها فعالة في معالجة مضاعفات من يصابون بها، مثل الالتهاب الرئوي الذي كان السبب المباشر في مقتل عشرات الملايين من ضحايا الإنفلونزا الإسبانية.

ليس ما تقدم تهوينًا من فيروس كورونا ولا من “كوفيد ــ 19” وإنما هو للتنويه بالتقدم الذي حققته البشرية بالعلم وبالتعاون بين من ينتمون إليها، والمنتظمين في تكوينات سياسية هي الدول، وهو تشديد على أن خلاصها سواء من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أو من الحروب والصراعات المسلحة وغير المسلحة، أو من الصدمات البيولوجية، أو التغيرات البيئية، أو الكوارث الطبيعية، هو بالتعاون، التعاون الدولي وحده.

التعاون الدولي.. درس من الماضي

صحيح أنه كان ثمة من لم تفته فرصة “كوفيد ــ 19” لينشر دعاويه القومية المنغلقة والأنانية والاستعلائية. غير أن البشر في هذا البلد أو ذلك، في تصديهم للفيروس وللمرض في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يستفيدون من دروس الماضي التي استخلصها العلم بتقدمه فيما يمكن اعتباره تعاونًا عابرًا للزمن. ضرورة عزل المصابين بالأمراض سريعة الانتشار درس استخلص من عدم تطبيقه عند مواجهة الإنفلونزا الإسبانية، وهو توسعة لفكرة الحجر الصحي على المسافرين بحرًا، الراجعة إلى نفس القرن الرابع عشر بغرض الحماية من انتشار وباء الطاعون المذكور من قبل. والتعاون الدولي الأفقي في الوقت الحالي هو أيضًا على قدم وساق. اكتشف فريق بحثي صيني فيروس كورونا – كما ذُكِر آنفًا – ونشر اكتشافه فورًا، فوصل إلى الباحثين في العالم أجمع، فهرع المختصون منهم والمؤهلون إلى معاملهم يبحثون عن مصل واقٍ وعلاج شافٍ. لم يعترض أحد على أن ترسل منظمة الصحة العالمية بعثة للتعاون والمساعدة إلى إيران على الرغم مما يعتري علاقاتها من توترات مع بعض الدول وعداء مع بعضها الآخر. الدراسة النظرية للعلاقات الدولية تستبعد وجود الصراع المطلق، أو التعاون المطلق بين الدول.

تعليق المؤتمرات والاجتماعات والأنشطة الرياضية والتجمعات الكبرى يمكن النظر إليه على أنه انغلاق على الذات ورغبة في حماية النفس من فيروس أو مرض قد يحمل أي منهما الغير. ولكن يمكن اعتباره أيضًا تعاونًا لحماية هذا الغير من بعضه البعض وممن يقرر الإغلاق نفسه.

أحسنت السعودية بتعليق العمرة للحفاظ على سلامة مواطنيها، وكذلك لحماية المعتمرين أنفسهم. ويجدر التذكير بأن وباء الكوليرا في ترحاله في منتصف القرن التاسع عشر من أصل نشأته في الهند وصل إلى الجزيرة العربية وإلى مكة بالذات، فأصاب الحجيج وراح ضحيته خمسة عشر ألف نفس.

مواجهة الأوبئة والأمراض من أولى المحركات لنشأة التنظيم الدولي متعدد الأطراف الحديث، وهو التعبير عن التعاون الدولي. في 1851 انعقد مؤتمر للدول الأوروبية للتباحث في التصدي للكوليرا والطاعون والحمى الصفراء. بدأت نشأة أنظمة الصحة العامة الحديثة في العشرينيات من القرن الماضي في البلدان الأكثر تقدمًا، ثم انتقلت مع تجاربها، إلى البلدان الأخرى. هذا أيضًا مثال على التعاون الدولي. ومرة أخرى منظمة الصحة العالمية التي ترصد وتنصح وتوجه وتضع المعايير تجسيد للتعاون الدولي. والمهم أنها نصائح وتوجيهات ومعايير تقبلها الدول من غير مضض. نفس الدول التي يمكن أن تجفل من نصائح ومعايير منظمة التجارة العالمية أو منظمة العمل الدولية.

أزمة “كورونا” أوضحت أهمية التعاون الدولي في مواجهة هذا الفيروس، وأهمية الدور الذي تؤديه منظمة الصحة العالمية (أحد مظاهر العولمة) في هذا الصدد، وهو ما دفع البعض إلى القول بأن أفضل وسيلة للتعامل مع خطر تفشي الأمراض المعدية المحلية في جميع أنحاء هو تعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الصحية الدولية وليس الحد منه، أو أن احتواء مخاطر العولمة يمكن أن يتحقق أيضًا من خلال المزيد من العولمة.

غريزة البقاء تحمل البشر على التعاون. ولكن لا يمكن أن يكون هدف الإنسان مجرد البقاء. لعل تهديد فيروس كورونا يحث البشر على ترسيخ التعاون بينهم في المجالات الأخرى للنظام الدولي، بل ويضطرهم إلى ذلك. وتتوالى التقديرات في الوقت الحالي للتباطؤ الاقتصادي الذي سيترتب على مواجهة الفيروس والمرض. والتعاون الدولي سوف يكون ضروريًا لإعادة تنشيط الاقتصاد العالمي. وفي النظام الدولي نزاعات وحروب، ولكن للبشرية جمعيًا عقل دفعها وما زال للتعاون فيما بينها.

تداعيات خطيرة

رغم وضوح التكلفة البشرية العالية للنسخة الحالية من فيروس كورونا، فإن تأثيرات أزمة الفيروس ليست مقتصرة على هذا الجانب، فثمة تكاليف اقتصادية باهظة أخذت في الظهور تباعًا، كما يُمكِن الحديث عن تكاليف سياسية متوقعة للأزمة.

سوف تفضي هذه الأزمة الصحية إلى انتشار تداعيات اقتصادية كبيرة، انعكاسًا لصدمات تلحق بالعرض والطلب تختلف عن الأزمات السابقة. ويتعين وضع سياسات جوهرية توجه لمساعدة الاقتصادات على تجاوز فترة انتشار هذا الوباء، مع الحفاظ على سلامة شبكة العلاقات الاقتصادية والمالية بين العاملين ومؤسسات الأعمال، والمقرضين والمقترضين، والموردين والمستخدمين النهائيين لكي يتعافى النشاط متى توارت هذه الفاشية. والهدف هو منع أزمة مؤقتة كهذه من إلحاق ضرر دائم بالناس والشركات من خلال فقدان الوظائف وحالات الإفلاس.

وقد ازدادت خسائر الأرواح من جراء تفشي مرض فيروس كورونا “كوفيد ــ 19” بمعدل مثير للقلق، بينما المرض آخذ في الانتشار ليشمل عددًا أكبر من البلدان.

ومن الواضح أنه ينبغي إعطاء الأولوية القصوى للحفاظ على صحة وسلامة الناس قدر الإمكان. وفي إمكان البلدان أن تقدم المساعدة من خلال إنفاق المزيد لدعم نظمها الصحية، بما ذلك الإنفاق على معدات الوقاية الشخصية، وإجراء الفحوص، واختبارات التشخيص، وإضافة مزيد من الأسرة في المستشفيات.

وعلى حين لم يتم التوصل إلى لقاح لوقف انتشار الفيروس بعد، اتخذت البلدان الإجراءات اللازمة للحد من انتشاره، كوضع قيود على السفر، وإغلاق المدارس لفترات مؤقتة، والحجر الصحي. وهذه الإجراءات توفر وقتًا ثمينًا لتجنب الإلقاء بعبء ثقيل على النظم الصحية.

التداعيات الاقتصادية

أصبح التأثير الاقتصادي واضحًا بالفعل في البلدان الأشد تأثرًا بتفشي هذا المرض. على سبيل المثال: في الصين، تراجع نشاط قطاعي الصناعة التحويلية والخدمات بشكل حاد في شهر فبراير. وبينما هبوط النشاط في قطاع الصناعة التحويلية يضاهي مستواه في بداية الأزمة المالية العالمية، يبدو أن تراجع الخدمات أكبر هذه المرة، وذلك بسبب التأثير الكبير الناجم عن التباعد الاجتماعي.

وكذلك انخفض العرض والطلب في العالم على أسهم بورصات شحن المواد الجافة كمواد البناء والسلع الأولية على غرار ما شهدته أكثر مراحل الأزمة المالية العالمية حدة، بسبب تراجع النشاط الاقتصادي المقترن ببذل جهود غير مسبوقة لاحتواء المرض. وليس لهذا الانخفاض مثيل في فترات انتشار الأوبئة السابقة أو حتى بعد هجمات 11 سبتمبر.

صدمات العرض والطلب

ينطوي انتشار وباء فيروس كورونا على صدمات في العرض والطلب. فقد أدى اضطراب نشاط الأعمال إلى انخفاض الإنتاج، مما أسفر عن صدمات العرض. وكذلك أدى إحجام المستهلكين ومؤسسات الأعمال عن الإنفاق إلى انخفاض الطلب.

وعلى جانب العرض، حدث انخفاض مباشر في عرض العمالة بسبب الوعكة الصحية التي أصابت العاملين، بدءًا من مقدمي خدمات الرعاية الذين اضطروا إلى رعاية أطفالهم نظرًا لإغلاق المدارس، وكذلك من جراء تزايد الوفيات، بكل أسف. ولكن هناك تأثيرًا أكبر من ذلك يقع على النشاط الاقتصادي بسبب جهود احتواء المرض ومنع انتشاره من خلال عمليات الإغلاق والحجر الصحي، التي أدت إلى تراجع استخدام الطاقة الإنتاجية. وإضافة إلى ذلك، فالشركات التي تعتمد على سلاسل العرض قد لا تتمكن من الحصول على القطع التي تحتاج إليها، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الدولي. على سبيل المثال: فالصين هي أحد الموردين المهمين للسلع الوسطية إلى بقية العالم، وبصفة خاصة في مجال الإلكترونيات والسيارات والآلات والمعدات. فأدى الاضطراب الذي تشهده بالفعل إلى انتقال التداعيات إلى الشركات التي تنفذ العمليات المتممة للإنتاج. وسوف تسهم هذه الاضطرابات معًا في رفع تكاليف ممارسة الأعمال، كما أنها ستشكل صدمة سلبية تصيب الإنتاجية، وتحد من النشاط الاقتصادي.

 وعلى جانب الطلب، سوف يتراجع مستوى الإنفاق نتيجة لخسائر الدخل، والخوف من انتقال العدوى، وتصاعد أجواء عدم اليقين. وربَّما أقدمت الشركات على تسريح العمالة لأنها غير قادرة على دفع رواتبها. ويمكن أن تكون هذه الآثار حادة بصفة خاصة في بعض القطاعات كالسياحة والضيافة – كما رأينا في إيطاليا مثلاً. ومنذ أن بدأ البيع البخس في سوق الأسهم الأميركية أخيرًا بتاريخ 20 فبراير 2020، تضررت أسعار أسهم خطوط الطيران بشكل غير متناسب، على نحو مماثل لما حدث في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر، لكن الضرر الذي أصابها أقل مما كان عليه الوضع بعد الأزمة المالية العالمية. وبالإضافة إلى هذه الآثار على مستوى القطاعات، فتدهور مشاعر المستهلكين ومؤسسات الأعمال يمكن أن يدفع الشركات إلى توقع انخفاض الطلب مما يؤدي بها إلى الحد من إنفاقها واستثماراتها. وهذا الأمر سيؤدي بدوره إلى تفاقم حالات إغلاق الشركات وفقدان الوظائف.

الآثار والتداعيات المالية

كما رأينا في الأيام الأخيرة، تكاليف الاقتراض يمكن أن ترتفع مع تشديد الأوضاع المالية، نظرًا لتشكك البنوك في قدرة المستهلكين والشركات على سداد القروض في الوقت المحدد لها. ومن شأن ارتفاع تكاليف الاقتراض أن يكشف عن مواطن الضعف المالي التي تراكمت خلال سنوات انخفاض سعر الفائدة، ويؤدي إلى تصاعد المخاطر من عدم إمكانية تمديد الديون. ومن شأن انخفاض الائتمان أن يزيد من تباطؤ النشاط الناجم عن صدمات العرض والطلب.

وعندما تأتي الصدمات متزامنة عبر عدد كبير من البلدان، قد تزداد الآثار عمقًا من خلال الروابط التجارية والمالية الدولية، مما يضعف النشاط الاقتصادي العالمي ويدفع أسعار السلع الأولية نحو الانخفاض. وقد هبطت أسعار النفط بشكل كبير خلال الأسابيع الماضية وأصبحت أقل بنحو 30% من مستوياتها في بداية السنة. وكذلك، فإن البلدان التي تعتمد على التمويل الخارجي قد تواجه مخاطر من التوقف المفاجئ لهذه التدفقات واضطراب أوضاع السوق، وهو ما ربَّما اقتضى التدخل في سوق النقد الأجنبي أو اتخاذ إجراءات مؤقتة تتعلق بالتدفقات الرأسمالية.

الحاجة إلى سياسات اقتصادية موجهة

نظرًا لأن التداعيات الاقتصادية تنشأ بصفة خاصة عن وقوع صدمات حادة في قطاعات محددة، سيتعين على صناع السياسات تنفيذ إجراءات جوهرية موجهة على مستوى المالية العامة والسياسة النقدية، والسوق المالية، لمساعدة الأسر ومنشآت الأعمال المتضررة.

ويمكن استهداف الأسر ومنشآت الأعمال المتضررة من اضطراب العرض وهبوط الطلب لكي تحصل على تحويلات نقدية، ودعم على الأجور، وتخفيف ضريبي، بحيث تُقَدَّم المساعدة للناس لتلبية احتياجاتهم، ولمؤسسات الأعمال لكي تحافظ على سلامة أوضاعها. على سبيل المثال: اتخذت إيطاليا إجراءات مختلفة، منها مدُّ المواعيد النهائية المحددة لسداد ضرائب الشركات في المجالات المتضررة، ووسعت نطاق تغطية صندوق تكملة الأجور ليقدم دعمًا لدخل العمالة التي يتم تسريحها. وقدمت كوريا دعمًا على الأجور لصغار التجار، ورفعت إعانات الرعاية المنزلية والباحثين عن عمل. وألغت الصين مساهمات الضمان الاجتماعي من مؤسسات الأعمال بصفة مؤقتة. وبالنسبة لمن تم تسريحهم، يمكن زيادة تأمينات البطالة مؤقتًا، بمد فترتها، أو زيادة الإعانات، أو تخفيف شروط الأهلية للاستفادة منها. وفي حالة عدم إدراج الإجازات لأسباب مرضية أو عائلية ضمن المزايا الاعتيادية، ينبغي أن تنظر الحكومات في تمويلها والسماح للعاملين الذين يصابون بوعكة صحية أو لمن يتولون رعايتهم المكوث في منازلهم دون خوف من فقدان وظائفهم أثناء فترة الوباء.

وينبغي أن تظل البنوك المركزية مستعدة لتقديم سيولة وفيرة للبنوك والشركات المالية غير المصرفية، ولا سيَّما لتلك التي تقرض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي ربَّما كانت أقل استعدادًا لمواجهة اضطراب حاد. ويمكن أن تقدم الحكومات ضمانات ائتمانية مؤقتة وموجهة لتلبية احتياجات هذه الشركات إلى السيولة على المدى القصير. على سبيل المثال: توسعت كوريا في الإقراض لأغراض عمليات مؤسسات الأعمال وتقديم ضمانات على قروض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المتضررة. ومن شأن أجهزة التنظيم والرقابة على الأسواق المالية كذلك أن تشجع على تمديد آجال استحقاق القروض مؤقتًا وعلى أساس إطار زمني محدد.

ومن خلال التنشيط النقدي الأوسع نطاقًا كتخفيض أسعار الفائدة الأساسية أو شراء الأصول يمكن رفع مستوى الثقة ودعم الأسواق المالية إذا واجهت السوق مخاطر من تشديد الأوضاع المالية بشكل كبير (بينما الإجراءات التي تتخذها البنوك المركزية الكبيرة تولد هي كذلك تداعيات مواتية على البلدان المعرضة للخطر). والدفعة المالية التنشيطية واسعة النطاق التي تتسق مع الحيز المتاح للتصرف في المالية العامة، يمكن أن تساعد في زيادة الطلب الكلي، لكنها ستزداد فعالية على الأرجح عندما تبدأ عمليات الشركات في العودة إلى الوضع الطبيعي.

وبالنظر إلى الانتشار الواسع لهذا الوباء على مستوى عدد كبير من البلدان، والروابط الاقتصادية الواسعة العابرة للحدود، وكذلك الآثار الكبيرة على الثقة التي تحد من النشاط الاقتصادي وتؤثر في الأسواق المالية وأسواق السلع الأولية، فمن الواضح أن هناك حجة واضحة تدعو إلى تنسيق الاستجابة على المستوى الدولي. فيجب على المجتمع الدولي أن يساعد البلدان التي لديها قدرات محدودة في مجال الصحة لكي تتجنب وقوع كارثة إنسانية. وصندوق النقد الدولي على أهبة الاستعداد لدعم البلدان المعرضة للخطر من خلال تسهيلات الإقراض المختلفة، بما فيها تلك التي تتيح صرف الموارد على أساس عاجل في حالة الطوارئ التي يمكن أن تصل إلى 50 مليار دولار لبلدان الأسواق الصاعدة ومنخفضة الدخل.

التداعيات السياسية

 هناك بعض التأثيرات السياسية لأزمة كورونا. ويرتبط أبرز هذه التأثيرات بالطريقة التي تعاملت بها الشرطة الصينية في مدينة “ووهان” مع الطبيب “وينليانغ”. فقد أدت هذه الطريقة، وما تبعها من نقد من جانب المحكمة العليا، ثم وفاة الطبيب نفسه متأثرًا بنفس الفيروس، إلى تطوير جدل عام وواسع على مواقع التواصل الاجتماعي داخل الصين حول قضايا عدة، بدءًا من كفاءة التعامل مع تحذيرات ذات طبيعة مهنية وتتعلق بموضوع خطير مثل “كورونا”، وانتهاء بإثارة مسألة الحريات العامة في بلدٍ كبيرٍ كالصين.

وقد زاد من أهمية هذا الجدل وسرعة انتشاره عوامل عدة، أهمها النقد الذي وجهته المحكمة العليا نفسها على مواقع التواصل الاجتماعي لشرطة “ووهان”، وانتماء الطبيب “وينليانغ” إلى شريحة الشباب (34 عامًا)، وزيادة حجم مُستخدمي الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي في الصين بالمقارنة بوقت أزمة “سارس” قبل أقل من عقدين (وثَّقت بيانات الهيئة المعنية بالفضاء الإلكتروني في الصين ارتفاع عدد مُستخدمي الإنترنت في البلاد من 68 مليون مواطن صيني في سنة 2003 إلى 829 مليون مواطن في سنة 2018)، بالإضافة إلى تحول “كورونا” إلى أزمة حقيقية فاقت في تكاليفها البشرية فيروس “سارس”. ووفقًا للعديد من التقارير الإخبارية، استخدم الصينيون الكثير من الهاشتاقات hashtagsذات الدلالة، بعضها كان مباشرًا، مثل: “حكومة ووهان تدين للدكتور لي وينليانغ بالاعتذار”، و”نريد حرية التعبير”. وجاء بعضها غير مباشرٍ، مثل: “هل يمكنك الإدارة؟ هل تفهم؟” في محاولة لمحاكاة الأسئلة التي تم توجيهها للطبيب “وينليانغ” في وثيقة الشرطة التي وقَّع عليها.

ولا شك أن هذا الجدل سوف يترك تأثيره على درجة الثقة في بعض المؤسسات الصينية، وطريقة التعامل مع التحذيرات ذات الطبيعة المهنية، فضلاً عن الربط الذي سيتم بين ضعف الحريات العامة في الصين وكفاءة إدارة أزمات ذات طبيعة مهنية.

لقد أوضح انتشار فيروس كورونا في الصين أهمية قضايا الصحة كمصدر للإنجاز وشرعية النظم السياسية، فبالرغم من الطبيعة الخاصة للنظام السياسي في الصين، والإنجاز التنموي الكبير الذي حققه الحزب الشيوعي خلال العقود الماضية، فإن استناد الحزب على شرعية الإنجاز على ما عداها من مصادر للشرعية، والتحدي الذي تواجهه الدولة الصينية في مقاومة فيروس كورونا، أديا الى نقاش حول احتمال تأثير الأزمة على شرعية الحزب والنظام السياسي. يضاف إلى ذلك أن أزمة “كورونا” كان لها تأثير على الاقتصاد الصيني، وهو المرتبط أيضًا بشرعية الحزب، فعزل مدينة ووهان (أحد معاقل الصناعة الصينية)، والقيود التي فرضت على الحركة والتنقل، أثر بالسلب في الاقتصاد، وأدى إلى قيام الصين بضخ ١.٢ تريليون يوان (١٧٣ مليار دولار) للمساعدة في امتصاص الصدمة التي عانت منها الأسواق المالية، وأوصت الحكومة البنوك بزيادة الإقراض وتجنب استدعاء الديون من المناطق التي تأثرت بانتشار الفيروس.

أثار “كورونا” أيضًا الجدل حول قضية المركزية واللامركزية في التعامل مع الأزمات، وكيف أن تركيز السلطات على المستوى القومي، وليس المحلي، يؤدي إلى تعقيد الأزمات والتأخر في التعامل معها، وكيف أن اللامركزية هي الوسيلة الأفضل والأسرع للتعامل مع الأزمات التي تظهر في النطاق المحلي.

التداعيات الاجتماعية

قد يتسبب انتشار “كورونا” وسياسات التصدي له في عواقب اجتماعية خطيرة، خاصة بالنسبة للأفراد المهمشين في المجتمع. فقرار فرض الحجر الصحي لمنع انتشار الفيروس الذي أقرته بعض الحكومات قد يزيد من المخاوف القائمة بشأن العرق والطبقة، إذ إن الحجر يساء استخدامه باعتباره فاصلاً اجتماعيًا وليس فاصلًا صحيًا في المجتمعات متعددة الثقافات. فعندما انتشر الطاعون في “كيب تاون” في عام 1901 أدى إلى معسكر للحجر الصحي على أساس عنصري، استخدم في وقت لاحق كمخطط للتمييز العنصري.

كما قد يتسبب في تصاعد التوتر في المجتمع بسبب نقص المعلومات الرسمية حول الوضع الوبائي وغياب علاج له؛ لأن هذا يؤدي إلى انتشار شائعات حوله بما يفاقم انتشار الذعر الاجتماعي. ففي وقت سابق عندما انتشر الـ”سارس” في الصين ظهرت شائعات أن الخل يمكن أن يمنع الفيروس، كما زادت معدلات شراء الأدوية المضادة للفيروسات، ودفعت حالة الهلع السكان إلى شراء كميات هائلة من الأقنعة التي كانوا يرتدونها في كل مكان – حتى غير المصابين بالفيروس.

التأثير على أنظمة الصحة العامة

 مثل العديد من الأمراض الناشئة في العقد الماضي، ألقي تحدي مواجهة “كورونا” الضوء على الحاجة إلى مزيد من الاستثمارات في البنية التحتية للصحة العامة. فقد يسبب تفشي المرض عبئًا كبيرًا على الأنظمة الصحية الدولية التي كانت تعاني من ضغوط كبيرة بالفعل لمعالجة مرض الإيدز والسل والملاريا ومجموعة من الحالات الأخرى.

أمَّا ما يتعلق بأنظمة الرعاية الصحية المحلية، فقد تسبب في أضرار جمة، إذ انتهى الأمر بمقدمي الرعاية في الخطوط الأمامية إلى تحولهم لمرضى أو وفيات. كما أدى إلى تقليص حقوق العديد من موظفي الرعاية الصحية وفرض مطالب مرهقة عليهم، مثل حرمانهم من الإجازات، وعزلهم مع المرضى لاحتواء الوباء ونقلهم إلى مستشفيات أخرى، وفي بعض الأحيان يتم استدعاؤهم من خارج الدولة. وفي الصين على سبيل المثال، تم إرسال أكثر من 1600 موظف طبي إلى مقاطعة هوباي، ومدينة ووهان للمساعدة في احتواء الفيروس. بجانب ذلك يكشف انتشار الفيروس عن وجود نقص نسبي في البنى التحتية اللازمة لتلك الحالات الطارئة، فقد أجبرت الحكومة على بناء مستشفيات خلال أسبوع واحد لعلاج المصابين.

نتائج

– أهمية الأمن الصحي كمصدر للإنجاز وشرعية النظم السياسية.

– إثارة قضية المركزية واللامركزية في التعامل مع الأزمات.

– عودة الجدل حول قضية العولمة بآثارها الإيجابية والسلبية.

– أهمية التعاون الدولي في مواجهة الفيروس، وأهمية دور منظمة الصحة العالمية (إحدى مظاهر العولمة).

– سياسات التصدي للوباء قد تضر الأفراد المهمشين في المجتمع.

– أظهرت الأزمة الحاجة لمزيد من الاستثمارات في البنية التحتية للصحة العامة.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

  1. منظمة الصحة العالمية: أوروبا أصبحت البؤرة الجديدة لفيروس كورونا – CNNعربي – https://cnn.it/2wXZDjP
  2. فيروس كورونا: “الرعب يجتاح العالم”.. ودول عربية تعزز إجراءات المراقبة والوقاية – BBCعربي – https://bbc.in/2TQ5iRV
  3. فيروس كورونا: هل فقد العالم السيطرة؟ – DWعربي – https://bit.ly/33n107v
  4. كورونا والنظام الدولي – الشروق – https://bit.ly/2wbwjpL
  5. China’s unprecedented quarantines could have wider consequences, experts say – CNN – https://cnn.it/38Oufl3.
  6. Premier Li chairs leading group meeting on coronavirus prevention, control – The state council of China –https://bit.ly/38ONTND.
  7. الصين وأزمة “كورونا”: كشف حساب أوَّلي للتكاليف الاقتصادية والسياسية – مركز الإمارات للسياسات – https://bit.ly/2TSOSYW
  8. عولمة الفيروسات! – الشرق الأوسط – https://bit.ly/3cXCGxA
  9. كورونا والسياسة – المصري اليوم – https://bit.ly/2IQCl1X
  10. الحد من التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا بوضع سياسات موجهة كبيرة – صندوق النقد الدولي – https://bit.ly/2U5RbqB
  11. عولمة الأمراض المعدية.. كورونا وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية – المركز العربي للبحوث والدراسات – https://bit.ly/3d1fqPq
  12. صدمة “كورونا” مستمرة… خسائر حادة بقطاعي الطيران والسيارات – الإندبندنت عربية – https://bit.ly/2UlOXUf
  13. كيف سيؤثر تفشي فيروس كورونا على نمو الاقتصاد العالمي؟ – CNNعربي – https://cnn.it/2xGa0ck
  14. انهيار البورصات بسبب فيروس كورونا – DWعربي – https://bit.ly/2WeONAp

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر